من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
الهجاء
ليس للطائيين هجاء يعتد به إلا القليل، من ذلك قول البحتري:
ومؤمر صارعته عن عرفهفوجدت قدس معممًا بعمائه
جدة يذود البخل عن أطرافهاكالبحر يدفع ملحه عن مائه
أعطى القليل وذاك مبلغ قدرهثم استرد وذاك مبلغ رائه
ما كان من أخذي غداة رددتهفي وجهه إذ كان من إعطائه
وقد انتمى فانظر إلى أخلاقهصفحاً ولا تنظر إلى آبائه
خطب المديح فقلت خل طريقهليجوز عنك فلست من أكفائه!
وللبحتري قصيدته المشهورة في ابن أبي قماش، سلك فيها ذلك المسلك وسبيلها أن تكتب ها هنا، وهي:
مرَّت على عزمها ولم تقفمبدية للشنان والشنف
ركنت فيها إلى الهدايا ولمتحذر عليها حرائر التحف
وقد رأت وجه من تراسلهفانحرفت عنك شر منحرف
وكان حقاً عليك أن تعرف الــمكتوم من سر صدرها الكلف
ألست بالسند هند ذا بصرإلا تفق حاسبيه تنتصف
وقد بحثت العلوم أجمع واســتظهرت حفظاً مقالة السلف
بما تعاطيت في الغيوب وماأوتيت من حكمة ومن لطف
ما اقتص واليس في الفضاء وجابان وما سيرا من النتف
وما حكاه ذروثيوس وبطــلميوس من واضح لهم وخفي
فكيف أخطأت يا أخي ولمتنزع إلى ما سطرت في الصحف؟
هلا زجرت الطير العلى وتعــيفت المها أو نظرت في الكتف؟
حملتها والفراق محتشدلراكب منكما ومرتدف
ورحتما والنحوس تخبر عنشأن من الرائحين مختلف
أما أرتك النجوم أنكمافي حالتي بائت ومنصرف؟
وما رأيت المريخ قد حاسد الــزهرة في الحد منه والشرف
تخبر في ذاك أن زائرةتشفي مزورًا من لاعج الدنف
من أين أغفلت ذا وأنت على الـتتقويم والزيج جد معتكف
رذلت في هذه الصناعة أمأكديت أم رمتها مع الخرف؟
لم تخط باب الدهيلز منصرفاًإلا وخلخالها مع الشنف
فأين حلم الفتى وذمتهوأين قول العجوز لاتخف؟
ما أخون الناس للعهود وماأشد إقدامهم على الحلف!
تصبوا إلى مثله إذا نظرتفيك إلى جيفة من الجيف
يسرني أن تساء فيها وأنتفجع منها بالروضة الأنف
قد خبروها قيام شيخك في الــحمام فاستعبرت من الأسف
وأعلموها بأن كنيتهأبو قماش الحمام والكنف
وخبروها بالدستبان وبالصــن فكادت تشفي على التلف
وقد تبينت ذاك في الكمد الــبادي عليها والواكف الذرف
وزهدها في الدنو منك فماتعطيك إلا بالتعس والعنف
أنت كما قد علمت مضطرب الــهيئة والقد ظاهر الجلف
والسن قد بينت فناءك فيشدق على ما ضيعك منخسف
وجه لعين القسمين يقطعهأنف طويل محدد الطرف
ورتة تحت غنة قذرتمن هالك الراء دامر الألف
كأن في فيه لقمة عقلتلسانه فالتوى على جنف
محرك رأسه توهمهقد قام من عطسة على شرف
سماجة في العيون فاحشةخلفت في حملها أبا خلف
تروم وصل المها وأنت كذاهذا لعمري من أسرف السرف!
وقال يهجو يعقوب بن الفرج الجهبذ بحلب:
تظن شجوني لم تعتلجوقد خلج البين من قد خلج
أشارت بعينين مكحولتيــن من السحر إذ ودعت والدعج
عناق وداع أجال اعتراض دمعي في دمعها فامتزج
فهل وصل ساعتنا منسيءصدود شهور خلت أو حجج
وما كان صدك إلا الدلاوإلا الملال وإلا الغنج
فإن تك قد دخلت بيننامهامه للآل فيها لجج
فكم روضة بفناء الربيــع يضاحكها البرق من كل فج
تأيا قويق لتدويرهافنكب عن قصدها وانعرج
إذا هزت الريح أغصانهاتعانق نوارها وازدوج
لقيناك فيها فخايلتهابلين التكفي وطيب الأرج
سقى حلباً حلب مسبلمن الغيث يهمي بها أو يثج
وإن حال من دون حقي فلميسلمه يعقوبها ابن الفرج
أيتلف يعقوب مالي لديــه ويعقوب متئد لم يهج!
وإني ملي بأن لا يسربما نال مني ولا يبتهج
إذا شد عروة زنارهعلى سلحة ضخمة وانتفج
توهم أني لا أستطيــع مساءة أغثر بادي الهوج
ومن أين يكثر أنصارهفيأتي الأحج له فالأحج
وزوجته قد عسا بظرهاعلى كبرة وابنه قد علج؟
وألا تورع عما جنىعلي الخبيث وألا حرج؟
أبا يوسف سمج ما أتيــت وما يك مثلك يأتي السمج
وشر المسيئين ذو نبوةإذا ليم فيها تمادى ولج
هلم إلى الصدق نسري إليــه بحجتنا فيه أو ندلج
ونعتمد الحق حتى يصحلنا مظلم الأمر أو ينبلج
وفي موقف ما لنا بعدهتنازع نجوى ولا معتلج
فمن أبرأ الحكم فيه نجاومن ألحج الحكم فيه لحج
وإن لم يكن شاهد يرتضىوراؤك في الحكم مود مضج
وأنت فلا حالف بالعتاق ولا حالف في الطلاق الحرج
فهل تتقيل جرم القسوس وتقطع من إلهم ما وشج؟
وتضرط في لحية الجاثليــق إذا خار في سفر شعيا وعج
وتزعم أن الذين ابتدواعلوم النصارى رعاع همج
بأنك لم تتو مالي ولمتطلب علي عويض الحجج
فإن كنت أدهنت أو خنت أولهجت بظلمي فيمن لهج
فخالفت مريم في دينهاوفارقت ناموسها المنتهج
وخرقت غفورها كافرًابمن غزل الثوب أو من نسج
وأعظمت ما أعظمته اليهود تصلي لقبلتهم أو تحج
ونكت عجوزك حتى تردفي رحمها داخلاً ما خرج
وهدمت بيعة ما سرجسوأطفأت نيرانها والسرج
وأوقدت ناقوسها والصليــب تحت عشائك حتى نضج
وبكرت تخرأ في المذبح الــكبير وتلطخ تلك الدرج
وزلت من الله في لعنةتقيم عليك فلا تنزعج
وأير طماس إذا ما أشظفي صدع إمرأتك المنعرج
يمين متى ما استحل امرؤتجشمها عند قاض فلج
وقال أبو تمام في عياش بن لهيعة:
أعياش ارع أو لا ترع حقيوصل أو لا تصل أبداً وسيلي
أمثلك يرتجى لولا تنائيأموري والتياثي في حويلي
رجاء حل من عرصات قلبيمحل البحل من قلب البخيل
ورأى هز حسن الظن منيجرى ماءاه في عرضي وطولي
فأجدى موقفي بنداك جدوىوقوف الصب بالطلل المحيل
وأعكفت المنى في ذات صدريعكوف اللحظ في الخد الأسيل
وكنت أعز عزاً من قنوعفعوضه صفوح عن جهول
فصرت أذل من معنى دقيقبه فقر إلى ذهن جليل
فما أدري عماي عن ارتياديدهاني أم عماك عن الجميل؟
متى طابت جنى وزكت فروعٌإذا كانت خبيثات الأصول
ندبتك للجميل وأنت لغوظلمتك لست من أهل الجميل
رويدك إن لومك سوف يجليلك الظلمات عن حزن طويل
وهذا كله رديء إلا هذه الأبيات الأربعة الأخيره، والقصيدة أيضًا كلها رديئة، وقد ذكرت غلطه في قوله:
وكنت أعز عزًا من قنوع
في أغاليطه.
ولولا أن هذا من مشهور هجائه، لألغيت ذكره مع غيره.
ولأبي تمام قصيدته الطويلة التي أولها:
«الدار ناطقة وليست تنطق»
يهجو فيها رجلاً نال من بني عبد الكريم كلها رديئة، يقول فيها:
أإلى بني عبد الكريم تشاوستعيناك ويبك خلف من تتفوق؟
قوم تراهم حين يطرق حادثيسمون للخطب الجليل فيطرق
بيض إذا اسود الزمان توضحوافيه فغودر وهو منهم أبلق
هيهات غالك أن تنال مآثريإست بها سعة وباع ضيق
وتنقل من معشر في معشرفكأن أمك أو أباك الزئبق
أفعشت حتى عبتهم قل لي متىفرزنت سرعة ما أرى يا يبذق
فهذا أجود ما في هذه القصيدة من الهجاء، وقد ترى كيف جعل الزمان أبلق وجاء بالزئبق والفرزان، وله أهاج يضحك من رداءتها.
وله أرجوزة صالحة يقول فيها:
وملك في كبره ونبلهوسوقة في قوله وفعله
بذلت مدحي فيه باغي بذلهفجد حبل أملي من أصله
من بعد ما استبعدني بمطلهثم اغتدى معتذرًا بجهله
ذا عنق في المجد لم يحلهيعجب من تعجبي من بخله
يلحظني في جده وهزلهلحظ الأسير حلقات كبله
حتى كأني جئته بعزلهيا واحدًا منفردًا بعدله
ألبسته النعمى فلا تملهما أضيع الجفن بغير نصله
والشعر ما لم يك عند أهله
وقال البحتري:
لسانك أحلى من جنى الشهد موعدًاوكفك بالمعروف أضيق من قفل
تمنى الذي يأتيك إذا انتهىإلى أمد ناولته طرف الحبل
وقال:
مدحت أبا الخشين للخير ضلةأؤمل منه فضل من ماله فضل
مدحت امرأ لو كان بالغيب ما بهلما بل وجه الأرض من مزنة وبل
لئيم الجدود والفعال فما لهأب داخل في الأكرمين ولا فعل
له همة لو فرق الله شملهاعلى الناس لم يجمع لمكرمة شمل
له حسب لو كان للشمس لم تنروللماء لم يعذب وللنجم لم يعل
وهذا أهجأ بيت سمعت به له على تقصير البحتري في الهجاء، والبحتري على كل حال أهجأ من أبي تمام.
وقال أبو تمام يهجو عياش بن لهيعة:
النار والعار والمكروه والعطبوالقتل والصلب والمران والخشب
أحلى وأعذب من سيب تجود بهولن تجود به يا كلب يا كلب!
بني لهيعة ما بالي وبالكموفي البلاد مناديح ومضطرب؟
لجاجة بي فيكم ليس يشبههاإلا لجاجتكم في أنكم عرب!
عياش مالك في أكرومة أربولا لأكرومة في ساقط أرب
يا أكثر الناس وعداً حشوه خلفوأكثر الناس قولاً حشوه كذب
ظللت تنتهب الدنيا وزخرفهاوظل عرضك عرض السوء ينتهب
قوله: «النار والعار» من أبياته المشهورة التي يضحك منها، وإنما أراد بقوله: «المران والخشب» أنه تمنى أن يضرب بهما، كأنه اختار ذلك على نائل الذي مدحه، ودعته الضرورة إلى أن جمع بين «المران والخشب»، وكان أحدهما يكفي من الآخر.
والمران من الخشب الصلب الشديد، ومنه تنحت الزانات والرماح القصار، وله اهتزاز وتثن كالقنا، والضرب بهما وبالأرز والسلم- وهما أيضًا من الخشب الصلب- أشد من الضرب بغيرهما، وإنما ذهب إلى أن يطعن بالمران ويضرب بالخشب، ومن تمنى النار والقتل والصلب لا ينحط بعد هذا إلى
الضرب بالخشب، وكان ينبغي أن يجعل مكان المران والخشب والتنكيل والسلب، أو الحرب أو غيرهما فإن الكلام كثير.
وقد جمع هذا البيت من قبح الألفاظ، وقبح المعاني، وقبح الضرورة ما لا شيء أشنع منه وكأنه من كلام خالد الحداد.
صفحة فارغة
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع