من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر الحجاب والشفاعة والاستبطاء والتنجز
وقال بشار:
تعطي العزيرة درها فإذا أبتكانت ملامتها على الحلاب
يقول: أنت من المهدي بمنزلة الحالب من الناقة الغزيرة، التي إذا لم يوصل إلى درها فليس ذلك من قبلها، وإنما هو من منع الحالب منها.
وقال أبو تمام وذكر الحجاب:
ومحجب حاولته فوجدتهنجماً عن الركب العفاة شسوعا
لما عدمت نواله أعدمتهشعري فرحنا معدمين جميعا
وهذا غاية في حسنه وصحته وهو من مشهور إحسانه.
وقال البحتري في قريب من هذا المعنى:
ومؤمر صارعته عن عرفهفوجدت قدس معمماً بعمائه
جدة يذود البخل عن أطرافهاكالبحر يدفع ملحه عن مائه
أعطى القليل وذاك مبلغ قدرهثم استرد فذاك مبلغ رائه
خطب المديح فقلت خل طريقهليجوز عنك فلست من أكفائه
وقال أبو تمام:
صبرًا على المطل ما لم يتله الكذبفللخطوب إذا سامحتها نوب
يأيها الملك النائي برؤيتهوجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملاًإن السماء ترجى حين تحتجب
هذا معنى عابه به أبو العباس المبرد على ما حكاه عنه الفزاري، وقال: الذي يرجى هو الحجاب نفسه، وإنما أخذ هذا من قول مسلم بن الوليد:
كذلك الغيث يرجى في تحجبهحتى يرى مسبلاً عن وابل المطر
وقول أبي تمام أقرب إلى الصحة من قول مسلم، وقد ذكرت ما في البيتين جميعاً في باب سرقات أبي تمام.
وقال البحتري في هذا المعنى:
عجباً منه ما انطوى سيبه عنــا بعوق أني طواه حجابه
لم يكن نيله الجزيل وقد رمــناه صعباً فكيف يصعب بابه
خاب من خاب عن طلاقة بشرضوأ الحادث المضب شهابه
وأحسن ما قيل في رفع الحجاب قول الفرزدق:
ولو شاء بشر كان من دون بابهطماطم سود أو صقالبة حمر
ولكن بشرًا سهل الإذن للتييكون لبشر عندها الحمد والشكر
يرى بارزًا للناس بشر كأنهإذا راح في أثوابه القمر البدر
وقال أبو تمام:
ولي همة تمضي العصور وإنهاكعهدك من أيام مصر لحامل
ولو حاردت شول عذرت لقاحهاولكن حرمت الدر والضرع حافل
وقال منقذ بن هلال في غير هذا المعنى:
علام أرى من مرور الغيوث حولي وأحرم أمطارها
وقال البحتري:
وما منع الفتح بن خاقان نيلهولكنها الأقدار تعطي وتحرم
سحاب خطاني جوده وهو مسبلوبحر عداني فيضه وهو مفعم
وبدر أضاء الأرض شرقاً ومغرباًوموضع رجلي منه أسود مظلم!
أأشكو نداه بعدما وسع الورىومن ذا يذم الغيث إلا مذمم!
وقال آخر:
وما حسن أن يعذر المرء نفسهوليس له خلق من الناس عاذر
وقال أبو تمام يستشفع:
كيف الشكاية للزمان وصرفهوندى الأمير وأنت من أيامه
هذا سحاب أنت سقت ثقالهوعليك بعد الله صوب غمامه
إن ابتداء العرف مجد باسقوالمجد كل المجد في استتمامه
هذا الهلال يروق أبصار الورىحسناً وليس كحسنه لتمامه
وقال:
بأي نجوم وجهك يستضاءأبا حسن وشيمتك الإباء؟
أتترك حاجتي عرض التوانيوأنت الدلو فيها والرشاء؟!
تألف آل إدريس بن بدرفتسبيب العطاء هو العطاء
وهذا معنى حسن ثم أفسده بقوله:
وخذهم بالرقى إن المهارييهيجها على السير الحداء
فإما جاد مني الشعر فيهموإما جاد منك الكيمياء
«الكيمياء» في هذا الموضع ليس يقبح كقبحه في قوله:
كيمياء السؤدد
وقال البحتري في المهتدى وابنه العباس:
وإني أرتجيك وأرتجيهلديك لنائل بك مستفاد
وأقرب ما يكون النجح يوماًإذا شفع الوجيه إلى الجواد
وهذا إحسان أبي عبادة الذي يتمثل به.
وقال:
أبا عيسى وأنت المرء يعلوله النفس الشريفة والقبيل
وفرتك لا هوى لك في وفورإذا ما كان من حق نزول
ولكن جاه ذي خطر شريفأراه وهو من حق بديل
إذا ما القول عاد لنا بطولفقبض من فعالك ما تقول
وقال:
خطبنا إليه قوله غب فعلهومن يفعل المعروف فهو يقول
وما عائد من جاهه بعد جودهبمبعده من أن ينال جزيل
أراني حقيقاً أن أؤول إلى الغنىإذا كانت الشورى إليك تؤول
وهذا كله جيد بالغ.
ولهما في «كتاب الجود والكرم» باب أفردته في الشفاعة، ولكن ذاك وصف لما كان من شفاعة الجواد، وهذا سؤال للجواد أن يشفع.
وقال البحتري وذكر الشفاعة في وجه آخر:
أبعد إعطائك الجزيل وإيــمان مرج من سوء منقلبه
أبغي شفيعاً إليك أو سبباًعندك في الناس أستزيدك به؟
والظلم أن يبتغي الفتى سبباًيجعله وصلة إلى سببه!
ولأبي تمام في الاستبطاء والتنجز أشياء رديئة قبيحة منها قوله:
أبا بشر قد استفتحت أمرًاوقد أتممته إلا قليلا
فأصبح وهو جبار وعهديبه مذ أشهر يدعى فسيلا
ومنها قوله:
قد لان أكثر ما أريد وبعضهخشن وإني بالنجاح لواثق
في الروض قراض وفي سيل الربىكدر وفي بعض الغيوث صواعق
وغير هذا من السخف الذي لم أكتبه.
وقال أبو تمام:
إذا ما الحاجة انبعثت يداهاجعلت المنع منك لها عقالا
وأين قصائد لي فيك تأبىوتأنف أن أهان وأن أذالا؟
من السحر الحلال لمجتنيهولم أر قبلها سحرًا حلالا
فالبيت الأول جيد، والثاني رديء، ومعنى الثالث متداول على الأفواه وجار في العادات.
وقال البحتري يخاطب الحسن بن مخلد:
أمطلقي من يد السيبي أنت فقدكلت لديه ركاب الطالب الطلح
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع