من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر القبور وأوصافها والدعاء بالسقيا لها
قال أبو تمام:
سقي الغيث غيثاً وارت الأرض شخصهوإن لم يكن فيه سحاب ولا قطر
وكيف احتمالي للسحاب صنيعةبإسقائها قبرًا وفي لحده البحر
ذكر ابن أبي طاهر أن قوله: «سقى الغيث غيثاً» من قول شقيق ابن السليك العامري:
«سقاك الغيث إنك كنت غيثاً»
وقوله: «وكيف احتمالي للسحاب صنيعة»، يشبه قول آخر- ولست أدري أيهما أقدم؟ أهو أم الطائي-؟ -:
ما كنت أحسب أن بحرًا زاخرًاعم البرية كلها إرواء
أضحى دفيناً في ذراع واحدمن بعد ما ملك الفضاء فضاء
وقال:
للحد أبي نصر تحية مزنةإذا هي حيت ممعرًا عاد ممرعا
«الممعر» من الأرض: الذي قد ذهب نباته، وذلك من المعر، وهو سقوط الشعر.
وقال:
يا حفرة المعصوم تربك مودعماء الحياة وقاتل الإعدام
إن الصفائح منك قد نضدت علىملقى عظام لو علمت عظام
وهذا جيد حسن.
وقال:
وما يوم زرت اللحد يومك وحدهعلينا ولكن يوم عمرو وحاتم
فكم ملحد في يوم ذلك غانموكم منبر في يوم ذلك غارم
وقال:
بني مالك قد نبهت خامل الثرىقبور لكم مستشرفات المعالم
رواكد قيس الكف من متناولوفيها على لا ترتقى بالسلالم
وهذا إحسانه المشهور، ولكنه أفسده بأن قال:
قضيتم حقوق الأرض منكم بأعظمعظام قضت دهرًا حقوق المقاوم
يريد: حقوق المقامات التي قاموها على الأرض، وإنما كان يجب أن يجعله اعتدادًا للأرض، لأنها ثبتت أقدامهم في تلك المقاوم، حتى يكون دفنهم فيها قضاء لحقها، لا أن تكون هذه العظام قضت حق الأرض بثباتها، فإن هذا لاشيء للأرض فيه، ولا يعود عليها منه جمال إذا أحسنوا، ولا قبح إذا أساءوا.
وقال:
أطفأ اللحد والثرى لبك المســرج في وقت ظلمة الألباب
وتبدلت منزلاً ظاهر الجدب يسمى مقطع الأسباب
وهذا رديء جدًا.
وقال:
لا يبعد الله ملحودًا أقام بهشخص الحجى وسقاه الواحد الصمد
يا صاحب القبر دعوى غير متئبإن قال أودى الندى والبدر والأسد
وهذا يرجع إلى قول مسلم:
كأن في سرجه بدرًا وضرغاما
وقال البحتري:
يا صاحب الجدث المقيم بمنزلما للأنيس بحجرتيه مقام
قبر تكسر فوقه سمر القنامن لوعة وتشقق الأعلام
ملآن من كرم وليس يضرهمر السحاب عليه وهو جهام
بي لابغيري حفرة محفورةلك في ثراها رمة وعظام
قوله: «ملآن من كرم» بيت في غاية الحسن، وإنما هو محذو على قول
أبي تمام:
«وكيف احتمالي للسحاب صنيعة»
وإن كان قد عدل عن المعنى عدولاً لطيفاً.
وقال:
سقى الله قبرًا لو يشاء ترابهإذا سقيت منه الغيوم الهواطل
نأى ربه عنا وأعرض دونهعلى كرهنا عرض الثرى والجنادل
حيا الأرض ألقت فوقه الأرض ثقلهاوهول الأعادي فوقه الترب هائل
قوله: «لويشاء ترابه» إسراف عظيم كأنه إسراف أبي تمام، وليس هو مأخوذاً من قول أبي تمام: «وكيف احتمالي ....».
وقال البحتري:
وما اشتد خطب الدهر إلا ألانهحميد بني عبد الحميد الأكارم
أسود يفر الموت منهم مهابةإذا فر منه كل أروع صارم
مصارعهم حول العلا وقبورهممجامع أوصال النسور الحوائم
وقال:
فلله قبر في خراسان أدركتنواحيه أقطار العلا والمآثر
تطار عراقيب الجياد إزاءهوتسقى صبابات الدماء الموائر
جرى دونه العصران تسفي ترابهاعليه أعاصير الرياح الخواطر
سقى جوده جود الغمام ومن رأىحياً ماطراً تسقيه ديمة ماطر
قوله:
ومن رأىحياً ماطرًا تسقيه ديمة ماطر
من قول أبي تمام:
وكيف احتمالي للسحاب صنيعة
وقال في أولاد حميد:
أحب بنوك المكرمات ففرقتجماعتهم في كل دهياء صيلم
تدانت مناياهم بهم وتباعدتمضاجعهم عن تربك المتنسم
فكل لهم قبر غريب ببلدةفمن منجد نائي الضريح ومتهم
قبور بأطراف الثغور كأنمامواقعها منها مواقع أنجم
وهذا غاية في حسنه وبراعته.
وقال:
لمصيبة بأبي عبيد أردفتبأبي حميد بعده ومبشر
ولو أنهم من هضب أعفر ثلموالتتابعت قطعاً ذوائب أعفر
كانوا ثلاثة أبحر أفضى بهمولع المنون إلى ثلاثة أقبر
وهذا أيضاً من إحسانه المشهور.
وقال في غلامه قيصر:
وكنت وتربه يحثى عليهكنضو الداء أيأسه الطبيب
أأنسى من يذكرنيه ألانديد ينوب عنه ولا ضريب
وأترك للثرى من كنت أخشىعليه العين تؤمن أو تريب
وأصفح للثرى عن حر وجهغنيت يروعني فيه الشحوب
ضجيج مسندين بكفر توثىخفوت مثل ما خفت الشروب
هجود لم يسل بهم حفيولم تقلب لضجعتهم جنوب
تغلق دورهم عنهم عشاءوقد عزوا بها زمناً وهيبوا
سقى الله الجزيرة لا لشيءسوى أن يرتوي ذاك القليب
ملظ بالطريق فليس يصغيلأنجية الطريق ولا يجيب
وما كانت لتبعد عنه عينسفوح الجفن لو أني قريب
وهذا عجب في حسنه ورقته.
وقوله «سقى الله الجزيرة ....»، مثل قول النمر بن تولب:
فو لله ما أسقي الديار لحبهاولكنني أسقيك حار بن تولب
وقال أبو تمام في جارية رثاها:
لقد نزلت ضنكًا من الأرض ضيقًاولو كان رحب الذرع ما كان بالرحب
وكيف أرجى القرب وهي بعيدةفقد نقلت بعدي عن البعد والقرب
لها منزل بين الثرى وعهدتهالها منزل بين الجوانح والقلب
وهذا أيضاً حسن لطيف.
وقال محرز بن مكعبر:
لأم الأرض ويل ما أجنتبحيث أضر بالحسن السبيل
فهذا عدل عن الدعاء لحفرته بالسقيا، إلى أن جعل لها الويل.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع