من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر الكفن والنعش وتشييعه وترك الميت في حفرته والإنصراف عنه
قال أبو تمام:
ثوى في الثرى من كان يحيى به الثرىويغمر صرف الدهر نائله الغمر
مضى طاهر الأثواب لم تبق بقعةغداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
قوله: «إلا اشتهت أنها قبر» من ألفاظه الموضوعة في غير مواضعها، وما زال الناس يستنكرونها، لأنه في موضع «ودت»، وأنت لاتقول: «أشتهي أني قدرت»،وإنما تقول: «أود أني قدرت»، ولله در مروان بن أبي حفصة إذ يقول في مرثية المهدي:
لما استبان ببطن مكة هلكهحن التراب إليه من بطحائها
وفيها يقول:
لو خلدت بعد الإمام محمدنفس لما فرحت بطول بقائها
وقال التيمي في منصور بن زياد:
أما القبور فإنهن أوانسبجوار قبرك والديار قبور
وقال عبد الملك بن عبد الرحيم الحارثي:
إني لأرباب القبور لغابطلسكنى سعيد وسط أهل المقابر
وقال أبو تمام:
راحت وفود الأرض عن قبرهفارغة الأيدي ملاء القلوب
قد علمت ما رزئت إنمايعرف فقد الشمس بعد المغيب
وهذا جيد حسن، ونحوه قول البحتري:
فاذهب كما ذهبت بساطع نورهاشمس النهار وأعقب الإظلام
وقال أبو تمام:
غدوا في زوايا نعشه وكأنماقريش يوم مات مجمع
وما أنس سعي الجود خلف سريرهبأكسف بال يستقيم ويظلع
وتكبيره خمسًا عليه معالنًاوإن كان تكبير المصلين أربع
وما كنت أدري يعلم الله قبلهابأن الندى في أهله يتشيع
قوله: «وكأنما قريش قريش يوم مات مجمع» من أحسن معنى وأجوده وأبرعه.
وأما سائر الأبيات فقد اختزل أبو تمام عن معانيها مساعدة، وحلف أيضاً بعلم الله أنه يصدق ولا يرد قوله، فليس محله محل من يخترع مثل هذا الحديث الطويل كله كذبًا إن شاء الله!!؟.
وقال البحتري:
سلا حقبة عن صاحب الجيش إنهأقام بظهر الكرخ والجيش راحل
أعاقته عن ذاك العوائق أم عدتعليه العدى أم أعلقته الحبائل
وقال:
عجبت لأيد غيبته فلم تصررمائم في حيث استقرت رمائمه
أما وأبي النعش الخفيف لقد حوتمآخيره ثقل العلى ومقادمه
وهذا كله جيد.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع