من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
الوعد والتهدد
قال البحتري:
مالي يخوفني من ليس يعرفنيبالناس والناس أحرى أن يخافوني
إذا عقدت على قوم مشنعةفليكثروا القول في عيبي وتهجيني
وقد برئت إلى العريض من فكرمبيرة ولسان غير مضمون
ولست منبريًا بالجهل أجعلهصناعة ما وجدت الحلم يكفيني
إني وإن كنت مرهوبًا لعاديةأرمي عدوي بها في الفرط والحين
لذو وفاء لأهل الود مدخرعندي وغيب على الإخوان مأمون
وقال:
قعقعت للبخلاء أذعر جأشهمونذيرة من نابل أن ينبضا
وكفاك من حنش الصريم تهدداإن مد فضل لسانه أو نضنضا
وقال:
أروم انتصارًا ثم يثني عزيمتيتقاي التي تعتاقني وتحرجي
هما حجزا شغبي وكفَّا شكيمتيولم أتوعر في وسيقة منهج
ولم أسر في أعراض قوم أعزةسرى النار شبت في ألاء وعرفج
وقد يُتقي قتل الحليم إذا رأىضرورة مدلول على القتل محرج
تهضمني من لو أشاء اهتضامهلأدركه تحت الخمول تولجي
ومن عادتي والعجز من غير عادتيمتى لا أرح من حضرة الذل أدلج
وقال:
ومن العجائب تهمتي لك بعدماكنت الصفي لديَّ والخلصانا
وتوقعي منك الإساءة جاهدًاوالعدل أن أتوقع الإحسانا
وكما يسرك لين مسي راضيًافكذاك فاخش خشونتي غضبانا
وقال في الحارثي:
أخاعلة سار الإخاء فأوضعاوأوشك باقي الود أن يتقطعا
بدأت وبادي الظلم أظلم فانتحىبك القول شأوًا رد منك وأسرعا
وما أنا بالظمآن منك إلى التيأرى بين قطريها لجنبك مصرعا
أغار على ما بيننا أن ينالهلسان عدو لم يجد منك مطمعا
وآنف للديان أن ترتمي بهغضاب قوافي الشعر خمساً وأربعا
وكم حفرة في غور نجران أشفقتضلوعي على أصدائها أن تروعا
ملكت عنان الهجر أن يبلغ المدىونهنهت قول الهجر أن يتسرعا
فإن تدعني للشر أسرع وإن تهببصلحي فقد أبقيت للصلح موضعا
وقال:
مالي أرى القوم لا يخشون عاديتيوقد أشاد بها صبحي وإظلامي
يتلو عقوقي عقوق الوالدين غداعزًا ويكرم عرض الحر إ كرامي
أما العداة فقد آلو على صغروهم طرائد تسييري وإحكامي
ولو هدوا لصواب الرأي أقنعهممن وابلي في غداة الشر إرهامي
وقال:
يود العدى أني سلكت سبيلهموأين بناء المعليات من الهدم؟
وهل يمكن الأعداء وضع فضيلةوقد رفعت للناظرين مع النجم؟
وقال في إسماعيل بن شهاب:
هل للندى عدل فيغدو منصفًامن فعل إسماعيله بن شهابه
العارض الثجاج في أخلاقهوالروضة الزهراء في آدابه
أزرى به من غدوة بصديقهوعقوقه لأخيه ما أزرى به
في كل يوم وقفة بفنائهتخزي الشريف وردة عن بابه
إسمع لغضبان تثبت ساعةفبذاك قبل هجائه بعتابه
تالله يسهر في مديحك ليلةمتململًا وتنام دون ثوابه
يقظان ينتخب الكلام كأنهجيش لديه يريد أن يلقى به
فأتى به كالسيف رقرق صيقلما بين قائم سيفه وذبابه
وحجبته حتى توهم أنههاج أتاك بشتمه وسبابه
وإذا الفتى صحب التباعد واكتسىكبرًا علي فلست من أصحابه
ولرب مغر لي بعرضك زادنيغيظاً بجيئة قوله وذهابه
لولا الصفاء وذمة أعطيتهاحق الوفاء قضيت من آرابه
وليس لأبي تمام تهديد ولا هجاء يعتد به، ومن تهديده قوله:
أظن عندك أقواماً وأحسبهملم يأتلوا في ما عدوا وما ركضوا
لولا صيانة عرضي وانتظار غدوالكظم حتم عليَّ الدهر مفترض
لما فككت رقاب الشعر عن فكريولا رقابهم إلا وهم حيض
وأمثال هذا مما لم أكتبه لرداءته.
والبحتري شديد التهديد والوعيد كما رأيت، فإذا هجا قصَّر، وأبو تمام في هجائه أشد تقصيرًا.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع