من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
الاعتذار
قال أبو تمام يعتذر إلى ابن أبي دؤاد:
أتاني عائر الأنباء تسريعقاربه بداهية نآد
نثا خبر كأن القلب أمسىيجر به على شوك القتاد
كأن الشمس جللها كسوفأو استترت برجل من جراد
بأني نلت من مصر وخبتإليك شكيتي خبب الجواد
وما ربع القطيعة لي بربعولا وادي الأذى مني بواد
وأين يجور عن قصد لسانيوقلبي رائح برضاك غاد!
ومما كانت الحكماء قالتلسان المرء من خدم الفؤاد
وقدمًا كنت معسول الأمانيومأدوم القوافي بالسداد
لقد جازيت بالإحسان سوءاًإذا وصبغت عرفك بالسواد
وصرت أسوق عير اللؤم حتىأنخت الكفر في دار الجهاد
وليست رغوتي من فوق مذقولا جمري كمين في الرماد
وغيري يأكل المعروف سحتاًوتشحب عنده بيض الأيادي
تثبت إن قولاً كان زوراًأتى النعمان قبلك عن زياد
إليك بعثت أبكار القوافييليها سائق عجل وحادي
تنصل ربها من غير جرمإليك سوى النصيحة والوداد
ومن يأذن إلى الواشين تسلقمسامعه بألسنة حداد
قوله: «تسري عقاربه»، ليس هذا موضع سرى العقارب، لأنه لا يقال: هذا خبر تسري عقاربه، ولا أتاني خبر سرت عقاربه إلي، لأن الأخبار الرديئة التي يوردها المورد ويبلغها المبلغ هي العقارب أنفسها، وإنما يقال: تسري عقارب زيد إلي، وذلك إذا كان شراً، وليس الخبر العائر الذي ذكره من الشر في شيء.
وقوله: «صبغت عرفك بالسواد» مما عابه أبو العباس بن عمار وليس بخطأ، ولا هو حسن.
وقال يعتذر إلى موسى بن إبراهيم:
أموسى بن إبراهيم دعوة خامسبه ظمأ التثريب لا ظمأ الورد
جليد على عتب الخطوات إذا التوتوليس على عتب الأخلاء بالجلد
أتاني مع الركبان ظن ظننتهلففت له رأسي حياء من المجد
لقد نكب الغدر الوفاء بساحتيإذًا وسرحت الذم في مسرح الحمد
وهتكت بالقول الخنا حرمة العلىوأسلكت حر الشعر في مسلك العبد
نسيت إذًا كم من يد لك شاكلتيد القرب أعدت مستهامًا على البعد
ومن زمن ألبستنيه كأنهإذا ذكرت أيامه زمن الورد
وأنك أحكمت الذي بين فكرتيوبين القوافي من ذمام ومن عقد
وكيف وما أخللت بعدك بالحجاوأنت فلم تخلل بمكرمة بعدي؟
أسربل هجر القول من لو هجوتهإذًا لهجاني عنه معروفه عندي؟
كريم متى أمدحه أمدحه والورىمعي ومتى ما لمته لمته وحدي
ولو لم يزعني عنك غيرك وازعلأعديتني بالحلم إن العلى تعدي
أبى ذاك أني لست أعرف دائمًاعلى سؤدد حتى يدوم على العهد
وإني رأيت الوشم في خلق الفتىهو الوشم لا ما كان في الشعر والجلد
أرد يدي عن عرض حر ومنطقيوأملؤها من لبدة الأسد الورد
فإن يك جرم عن أو تك هفوةعلى خطأ مني فعذري على عمد
وهذا هو الاعتذار الذي يسل كل سخيمة، ويمحو كل خطيئة.
وما سمعت في الاعتذار أجود ولا ألطف ولا أحلى من قول القتال الكلابي:
جنيت وكنتم كهفي عليكموقد تحنى اليمين على الشمال
وإنما أخذ أبو تمام قوله:
أسربل هجر القول من لو هجوتهإذاً لهجاني عنه معروفه عندي
من قول الخارجي الذي سامه قطري قتال الحجاج فامتنع عليه؛ لأن الحجاج من عليه.
وقال:
أأقاتل الحجاج في سلطانهبيد تقر بأنها مولاته
إني إذًا لأخو الدناءة والذيعفت على إحسانه جهلاته
ماذا أقول إذا وقفت إزاءهفي الصف واحتجت له فعلاته؟
وله في الاعتذار أشياء رديئة منها:
شعبي وشعب عبيد الله ملتئم
لم أكتبها لرداءتها.
وقال البحتري:
ولم أنسها عند الوداع ونثرهاسوابق دمع أعجلت أن تنظما
وقالت هل الفتح بن خاقان معقبرضى فيعود الشمل منا ملأما؟
خليلي كفا اللوم في فيض عبرةأبى الوجد إلا أن تفيض وتسجما
ولا تعجبا من فجعة البين إننيوجدت الهوى طعمين شهداً وعلقما
عذيري من الأيام رنقت مشربيولقينني نحساً من الطير أشأما
وأكسبني سخط امريء بت موهناًأرى سخطه ليلاً مع الليل مظلما
تبلج عن بعض الرضا وانطوى علىبقية عتب شارفت أن تصرما
إذا قلت يوماً قد تجاوز حدهاتلبث في أعقابها وتلوما
وأصيد إن نازعته اللحظ ردهكليلاً وإن راجعته القول جمجما
ثناه العدى عني فأصبح معرضاًوأوهمه الواشون حتى توهما
وقد كان سهلاً واضحاً فتوعرترباه وطلقاً ضاحكاً فتجهما
أمتخذ مني الإساءة محسنومنتقم مني امرؤ كان منعما؟
ومكتسب في الملامة ماجديرى الحمد غنماً والملامة مغرما
يخوفني من سوء رأيك معشرولا خوف إلا أن تجور وتظلما
أعيذك أن أخشاك من غير حادثتبين أو جرم إليك تقدما
ألست الموالي فيك نظم قصائدهي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما؟
ثناء كأن الروض منه منوراًربى وكأن الوشي منه مسهما
ولو أنني وقرت شعري وقارهوأجللت مدحي فيك أن يتهضما
لأكبرت أن أومي إليك بإصبعتضرع أو أدني لمعذرة فما
وكان الذي يأتي به الدهر هيناًعلي ولو كان الحمام المقدما
ولكنني أعلى محلك أن أرىمدلًا وأستحييك أن أتعظما
أعد نظرًا فيما تسخطت هل ترىمقالًا دنياً أو فعالًامذمما؟
رأيت العراق ناكرتني وأقسمتعلي صروف الدهر أن أتشأما
وكان رجائي ان أؤوب مملكاًفصار رجائي أن أؤوب مسلما
وما مانع مما توهمت غير أنتذكر بعض الأنس أو تتندما
وأكبر ظني أنك المرء لم تكنتحلل بالظن الذمام المحرما
حياء فلم يذهب بي الغي مذهباًبعيدًا ولم أركب من الأمر معظما
ولم أعرف الأمر الذي سؤتني لهفأقتل نفسي حسرة وتندما
ولو كان ما خبرته أو ظننتهلما كان غروًا أن ألوم وتكرما
أذكرك العهد الذي ليس سؤددًاتناسيه والود الصحيح المسلما
وما حمل الركبان شرقًا ومغربًاوأنجد في أعلى البلاد وأتهما
أقر بما لم أجنه متنصلًاإليك على أني إخالك ألوما
لي الذنب معروفاً وإن كنت جاهلاًبه النعمى علي وأنعما
ومثلك إن أبدى الفعال أعادهوإن صنع المعروف زاد وتمما
وهذا من إحسانه المعروف الذي فوق كل إحسان.
وقال:
أقول ليعقوب بن أحمد والندىيروم به العوصاء ليس ترام
تكاليف فعل لو على الأرض ثقلهشكا يذبل ما نابه وشمام
لأظلم ما بيني وبينك مضحياًوللظلم بين الخلتين ظلام
أأذكر أيام المصافاة بعدماتجرم عام بعدهن وعام
ندمت على أمر مضى لم يشربهنصيح ولم يجمع قواه نظام
وقد خبروا أن الندامة توبةيصلى بها أن تقتنى ويصام
وإن جحودي سوء ظن بمنعموعدي معاذيري عليه خصام
وقد شملت بشراً لأوس صنيعةبما أمرت سعدى وورث لام
فإن تمتثلها فالمكارم خطةلكم تابع في نهجها وإمام
ولو شئتم أن تستشيروا استثرتمعجالًا ولكن الكرام كرام
يكر علي اللوم فيكم ولابسمن اللوم من لا يستفيق يلام
يجرح أقوال الوشاة فريصتيوأكثر أقوال الوشاة سهام
ترى ألسنًا أصمتن بالعي أن هفابي اللب مصنوعًا لهن كلام
لعل غيابات السخائم تنجليومعوج ما تخفي الصدور يقام
ولما نبت بي الأرض عدت إليكمأمت بحبل الود وهو رمام
وقد يُهتدى بالنجم يسفل سمتهويروى بماء الجفر وهو ذمام
وما كل ما بلِّغتم صدق قائلوفي البعض إزراء عليَّ وذام
ولا عذر إلا أن بدء إساءةلها من زيادات الوشاة تمام
وهذا اعتذاره الذي برز فيه على كل اعتذار، وأوفى على كل إحسان.
وله بعد هذا اعتذارات جياد إن أوردتها بعد هذا سقط فضلها وأظلم نورها، منها قوله في عبدون:
من عطاء الإله بلَّغت نفسيصونها ثم من عطاء ابن عمي
كلما قلت أيبس المحل عوديوليتني غمامة منه تهمي
فله من مدائحي حكمه الأوفي ولي من نواله الغمر حكمي
كل مشهورة يؤلف فيهابين درية الكواكب نظمي
أينما قام منشد لاح نجممتلال منها على إثر نجم
وجهول رمى لديه مكانيقلت أقصر ما كل رام بمصم
وإذا ما العريض والى أذاتيكان خرطومه خليقاً بوسمي
في بني الحارث بن كعب بن عمروسيد الناس بين عرب وعجم
بأبي أنت عاتباً وقليللك مني أبي فداء وأمي!
لمتني أن رميت في غير مرمىوعزيز علي تضييع سهمي
إن أكن خبت في سؤال بخيلفبكرهي ذاك السؤال ورغمي
والذي حطني إلى أن بلغت الــماء ما كان من ترفع همي
وإبائي على مملك أرضيما تولاه من عطائي وشكمي
ثم حالت حال تكلفني قســمة حمدي بين الرجال وذمي
وأرى أين موضع الجود منهممن مكاني وميز الناس عدمي
فعلام التثريب واللؤم إذ علــمك فيما أقوله مثل علمي؟!
وكأن الإعراض عني قضاءفاصل عن ألية منك حتم
حين لا ملجأ سواك أرجيــه تجهمتني ولست بجهم
وإذا ما سخطت والمخ راررق عن أن يطيق سخطك عظمي
لا تجاوز مقدار سطوك إن لمتتطول بالصفح مقدار جرمي
فاحترس من ضياع حلمك في الجفــوة والإنقباض إن ضاع حلمي
وقال:
طاف الوشاة بها فأحدث ظلمةفي جوه ووعورة في أرضه
غضبان حمل إحنة لو حملتثبج الصباح لثقلت من نهضه
مهلًا فذاك أخوك ذو ألهيتهعن لحظه وشغلته عن غمضه
خزيان أكبر أن تظن خيانةفي بسطه لصديقه أو قبضه
ماذا توهم أن يقول وقولهفي نفسه ولسانه في عرضه؟
أنبوت عنك بزعمهم ومتى نبافي حالة بعض امريء عن بعضه
أنصلت من عود الحياء وبدئهوخرجت من طول الوفاء وعرضه
المذحجية بيننا موصولةبنوافل الأدب الأصيل وفرضه
وتردد للكأس أحدث حرمةأخرى وحقاً ثالثاً لم نقضه
ومن نوادر الاعتذار قول البحتري لإسماعيل بن بلبل، وتدخل في باب الحجاب:
لك الخير من مستبطيء في تأخرييرى أنني آثرت هجرته عمدا
متى كنت يا خير الأكارم عائداًبلوم على ألا تراني فلم سعدا
وما أصطفى لون الحداد ولا أرىلعيني حظاً في الرماد إذا اسودا
لئن كنت نوراً ساطعاً فطريقناإليك على ظلماء داجية جدا
وقال فيه:
وأظلمت حين لبست السود ظلام الدجى لم يسر راكبه
ولما وقفنا بباب الأميروقد رفع الستر أو جانبه
ظللنا نرجم فيك الظنونأحاجمه أنت أم حاجبه؟
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع