من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
باب فيما جاء عنهما في الرياض والأنوار والشراب ومعاطاة الندمان
وما يتصل بذلك ويدخل في معناه
قال أبو تمام:
قد اتئب أربيت في الغلواء
ومعرس للغيث تخفق بينهرايات كلِّ دجانة وطفاء
نشرت حدائقه فصرن مآلفاًلطرائف الأنواء والأنداء
فسقاه مسك الطل كافور الصباوانحل فيه خيط كل سماء
عني الربيع بروضه فكأنماأهدى إليه الوشي من صنعاء
صبحته بسلافة صبحتهابسلافة الخلطاء والندماء
بمدامة تغدو المنى لكؤوسهاخولًا على السراء والضراء
راح إذا ما الراح كن مطيهاكانت مطايا الشوق في الأحشاء
عنبية ذهبية سبكت لهاذهب المعاني صاغة الشعراء
صعبت وراض المزج سيء خلقهافتعلمت من حسن خلق الماء
خرقاء تلعب بالعقول حبابهاكتلعب الأفعال بالأسماء
وضعيفة فإذا أصابت فرصةقتلت كذلك قدرة الضعفاء
جهمية الأوصاف إلا أنهمقد لقبوها جوهر الأشياء
وكأن بهجتها وبهجة كأسهانار ونور قيدا بوعاء
أو درة بيضاء بكر أطبقتحبلاً على الياقوتة الحمراء
وقوله: «نشرت حدائقه» أي: حييت، يقال: أنشر الله الموتى فنشروا أي: حيوا، وإنما أراد: أن هذه الحدائق حييت بالغيث الذي تقدم ذكره.
وقوله: «فسقاه مسك الطل كافور الصبا» لأن الصبا ريح طيبة، عذبة تأتي بالمطر، وقد يكون معها ندى، وأضاف الكافور إليها لأنه أليق بالريح لبياضه،
وأضاف المسك إلى الطل لسواده، وأراد بالجميع طيب الرائحة.
وقوله: «وانحل فيه خيط كل سماء» من قولهم: «انحلت عزاليها».
وقوله: «جهمية الأوصاف» قد أكثر الناس في تعاطي تفسيره، وأقرب ما سمعته فيه أن «جهماً» كان يقول: إنه ليس شيء على الحقيقة غير الله تعالى، إذ كل شيء يبطل ويتلاشى غيره، وأن الأشياء كلها أعراض ألفها وخلقها.
وأظن أبا تمام أراد أن الراح لرقتها عرض لا جسم، وهذا مذهب قريب.
وقوله: «قد لقبوها جوهر الأشياء»، هو الذي لم أرهم يصححون له تفسيرًا إلا على الظن، لأنهم ما رأوا أحدًا لقبها هذا اللقب، وقد سمعت من يقول: إنما أراد قدمها، وإن من أسمائها «الخندريس»،و «الخندريس» القديمة،
ولعمري إنها قديمة، ولكن ليست جوهر الأشياء، ولا هي أول لها، وما زلت أسمع الشيوخ يقولون: إن هذا البيت من تخليطه ووساوسه، لأن الشعر إنما يستحسن إذا فهم وهذه الأشياء التي يأتي بها منغلقة، ليست على مذهب الأوائل ولا المتأخرين.
وقوله:
وكأن بهجتها وبهجة كأسهانار ونور قيدا بوعاء
شبه الخمر بالنار والزجاج بالنور، وإنما قال: «قيدا بوعاء» لأن النار والنور لا يقومان بأنفسهما، فكأنهما جميعًا جمعا في إناء أمسكهما.
وهذا معنى جيد، وهو مسبوق إليه.
أو درة بيضاء بكر أطبقتحبلًا على ياقوتة حمراء
ما زلت أسمعهم يستسخفون لفظه ويستهجنون قوله: «أطبقت حبلًا»
وباقي الأبيات جيد، وليس له في شيء منها معنى مخترع، وإنما اتبع فيها كلها مذاهب الناس.
وقال البحتري:
أخذت ظهور الصالحية زينةعجباً من الصفراء والحمراء
نسج الربيع لربعها ديباجةمن جوهر الأنوار بالأنواء
بكت السماء بها رذاذ دموعهافغدت تبسم عن نجوم سماء
في خلة خضراء نمنم وشيهاحوك الربيع وحلة صفراء
فاشرب على زهر الرياض يشوبهزهر الخدود وزهرة الصهباء
من قهوة تنسي الهموم وتبعث الــشوق الذي قد ضل في الأحشاء
يخفي الزجاجة لونها فكأنهافي الكف قائمة بغير إناء
ولها نسيم كالرياض تنفستفي أوجه الأرواح والأنداء
وفواقع مثل الدموع ترددتفي صحن خد الكاعب الحسناء
يسقيكما رشأ يكاد يردهاسكرى بفترة مقلة حوراء
يسعى بها وبمثلها من طرفهعوداً وإبداء على الندماء
وهذا كله لفظ بارع ونسج كثير الماء.
وقد اجتهد أصحاب أبي تمام في إفساد قوله:
يخفي الزجاجة لونها فكأنهافي الكف قائمة بغير إناء
وقالوا: لو مليء القدح دبساً أو لبناً أو نحو ذلك لخفي لون الزجاجة، وهذا باطل، وقد بينت فساده فيما تقدم وأوضحته.
والمعنى ليس مما اخترعه البحتري بل إنما أخذه من قول علي بن جبلة.
كأن يد النديم تدير منهاشعاعاً لا تحيط عليه كاس
أو من قول الآخر:
إنما لقحتنا موسومةضمنت حمراء ترمي بالزبد
وإذا ما بزلت في كأسهافهي والكأس معًا شيء أحد
وإنما اعتمد البحتري وهذان الشاعران أن يصفوا يصفوا رقة الخمر ورقة الإناء جميعاً، وإلى هذا ذهب أبو تمام في قوله «نار ونور قيدا بوعاء» فسلك طريقًا آخر، وما ذهب إليه هؤلاء أجود وأحسن، وهو شيء تراه مشاهدة.
وقد أنشد ثعلب قول البحتري هذا في أماليه، وقال: إنه أخذ المعنى من قول الأعشى:
تريك القذى من دونها وهي دونهإذا ذاقها من ذاقها يتمطق
وقال: إن هذا البيت أجود ما قيل في وصف الخمر.
وقوله: «تنفست في أوجه الأرواح والأنداء».
وإذا تنفست في أوجه الأرواح والأنداء وعقبت بها، حملتها وأشاعت روائحها.
وقوله: «وفواقع مثل الدموع ترددت» بيت بارع اللفظ حلو المعنى، وقد اجتهد أصحاب أبي تمام أيضاً في إفساده، وقالوا: الدموع لا تردد في الخد كما يتردد الحباب في الكأس، وإنما الدموع تجري وتتابع، وهذه معارضة لا تلزمه، لأن التردد قد يكون الجولان وقد يكون التتابع لأنك تقول: «تتابعت رسلي إليك وترددت، وتواترت كتبي وترددت» وقد يجري الحباب في الكأس إلى جهة واحدة كما يجري الدمع في الخد إلى جهة واحدة، ويقف الدمع في صحن الخد، كما تقف الحباب في صحن الكأس، وما تشبيه هو أليق ولا أحسن من تشبيه حمرة الخمر بحمرة الخد وحمرة الخد بحمرة الخمر، فإذا وصف الحباب فمن أليق التشبيه أن يشبه بالدمع وهذا بيت في غاية الحسن والصحة.
وقوله: «يسقيكها رشأ يردها سكرى» مبالغة حسنة ومعنى في غاية الملاحة.
ولست أفضل أحدهما على الآخر في هاتين القطعتين، بل أجعلهما متكافئين.
وقال أبو تمام:
وقفت بها اللذات في متنفسمن الغيث يسقي روضة ثرى جعد
وصفراء أحدقنا بها في حدائقتجود من الأثمار بالثعد والمعد
بقاعية تجري علينا كؤوسهافتبدي الذي نخفي وتخفي الذي نبدي
وقال:
أصب بحميًا كأسها مقتل العذلتكن عوضاً إن عنفوك من العذل
وكأس كمعسول الأماني شربتهاولكنها أجلت وقد شربت عقلي
إذا عوتبت بالماء كان اعتذارهالهيباً كحر النار في الحطب الجزل
إذا هي دبت في الفتى خال جسمهلما دب فيه قرية من قرى النمل
إذا ذاقها وهي الحياة رأيتهيقطب تقطيب المقدم للقتل
إذا اليد نالتها بوتر توقرتعلى ضغنها ثم استقادت من الرجل
تصرع ساقيها بإنصاف شربهاوصرعهم بالجور في صورة العدل
قوله: «مقتل العذل» و «إن عنفوك من العذل» ليس بجيد، وإن كان جائزاً.
وقوله: «إذا هي دبت في الفتى خال جسمه».
أراد قول الأخطل:
تدب دبيباً في العظام كأنهدبيب نمال في نقا يتهلل
فأخذ المعنى فأفسده برديء لفظه.
وقوله:
إذا اليد نالتها بوتر توقرتعلى ضغنها ثم استقادت من الرجل
وهو الجيد من هذه الأبيات.
وقد قال ديك الجن:
تظل بأيدينا نتعتع روحهافتأخذ من أقدامنا الراح ثارها
وكانا في عصر واحد، وأصحاب البحتري يقولون: إن أبا تمام هو الأخذ من ديك الجن، وإن ديك الجن كان أتيه وأجن من أن يسرق من أبي تمام، وهذا عندي حكم على الغيب، ولم لا يكون أبو تمام أولى بالتيه من ديك الجن وأبعد من أن يسرق من أهل عصره، وفي الجملة إن بيته أجود من بيت ديك الجن، وإن كان لعجز بيت ديك الجن حلاوة.
وقال أبو تمام:
أفيكم فتى حي فيخبرني عنيبما شربت مشروبة الراح من ذهني؟
غدت وهي أولى من فؤادي بعزمتيورحت بما في الدن أولى من الدن
لقد تركتني كاسمها وحقيقتيمجاز وصبح من يقيني كالظن
هي اختدعتني والغمام ولم أكنبأول ما أسلمت عقلي إلى الدجن
إذا اشتعلت في الكأس والطاس نارهاتقبلتها من راحتي يقق لدن
هراق الصبا في وجنتيه ملاحةفتنت بها أيام يوسف في الحسن
إذا نحن أومأنا إليه أدارهاسلافًا كماء الجفن وهي من الجفن
تورد روح المرء من كل وجهةوتدخل منه حيث شاءت بلا إذن
ومسمعنا طفل الأنامل عندهلنا كل يوم من قرى العين والأذن
لنا وتر منه إذا ما استحثهفصيح ولحن في أمان من اللحن
وفي روضة بيتية صبغت لهاجداولها نوارها صبغة العهن
ظللت بها في جنة غاب نحسهاتذكرنا لذاتها جنة العدن
نعمنا بها في بيت أروع ماجدمن القوم آب للدنية واللعن
فتى شق من عود المحامد عودهكما اشتق مسموه له اسماً من الحسن
وهذه أبيات منها جيد حلو، ومنها رديء المعنى واللفظ، قبيح النسج.
فقوله: «وصبح من يقيني كالظن» رديء: من أجل قوله: «وصبح» كأنه أراد أن يقول: «صحيح من يقيني كالظن» فلم يستو له أن يقول: «صحيح»، فجعل مكانه «صبح»، أي: واضح يقيني ونيره كالظن.
وقوله: «هي اختدعتني والغمام» بيت صحيح المعنى رديء اللفظ والنسج.
وكذلك قوله: «إذا اشتعلت في الكاس والطاس» وقد كانت الكاس تكفي من ذكر الطاس، وإن كان هذا يسوغ، ومثله موجود في أشعار الناس.
وقوله: «راحتي يقق لدن» يريد راحتي أبيض ناعم، وأبيض ناعم أجود وأحسن لفظاً من «يقق لدن» وأحلى في هذا الموضع.
وقوله: «هي من الجفن» يريد الكرم، ويقول: هي من الكرم، أي ليست من التمر ولا غيره من الأشربة التي ليست خمراً.
وقوله: «بيتية» يريد أنهم كانوا في دار لها بستان، لا في صحراء؛ لأنه قال: «نعمنا بها في بيت أروع ماجد».
وقوله: «في صبغة العهن» يريد الشقائق، و «العهن» الصوف الأحمر.
وقوله: «آب للدنية واللعن» أي: يأبى أن يأتي من الفعل ما يلعن من أجله.
وقوله: «كما اشتق مسموه له اسمًا من الحسن» يريد أن اسمه حسن.
وليس لأبي تمام في وصف الخمر ومعاطاة الندمان شيء غير ما ذكرته.
والبحتري ملي وفي بهذا الباب وما يتصل به ويدخل في معناه، فمن ذلك قوله:
رويدك إن شانك غير شاني
وكم غلست مدلجاً بصحبيعلى متعصفر الناجود قان
أغادي أرجوان الراح صرفًاعلى تفاح خد أرجواني
إذا مالت يدي بالكأس ردتبكف خضيب أطراف البنان
تأمل من خلال الشك فانظربعينيك ما شربت ومن سقاني
تجد شمس الضحى تدنو بشمسإلي من الرحيق الخسرواني
سبوت الإصطباح معشقاتوأحظاهن سبت المهرجان
أتى يهدي الشتاء على اشتياقإليه وصيب الديم الدواني
يحيني بنرجسه ويدنيمكان الورد ورد الزعفران
ومن أكرومة حث الندامىوإعمال المثالث والمثاني
وليس له في هذه الأبيات اختراع، وإنما هي معاني الناس التي قد تداولوها حتى صارت كالمشتركة بينهم.
وقال:
أتراه يظنني أو يرانيناسيًا عهده الذي استرعاني؟
ونديم نبهته ودجى الليــل وضوء النهار يعتلجان
قم نبادر به الصيام فقد أقــبل ذاك الهلال من شعبان
بنت كرم يدنو بها مرهف القدغرير الصبا خضيب البنان
أرجوانية تشبه في الكأس بتفاح خده الأرجواني
بات أشهى إلي من سنة النوم وأحلى من مفرحات الأماني
وقال:
أقام كل ملث الودق رجاس
هل من سبيل إلى الظهران من حلبونشوة بين ذاك الورد والآس
إذ أقبل الراح والأيام مقبلةمن أهيف خنث العطفين مياس
أمد كفي لأخذ الكأس من رشأوحاجتي كلها في حامل الكاس
ببرد أنفاسه أشفي الغليل إذادنا فقربها من حر أنفاسي
وقال:
بعمرك تدري أي شأني أعجب
ألا ربما كأس سقاني سلافهارهيف التثني واضح الثغر أشنب
إذا أخذت أطرافه من قنوئهارأيت اللجين بالمدامة يذهب
كأن بعينيه الذي جاء حاملًابكفيه من ناجودها حين يقطب
لأسرع في عقلي الذي بت موهنًاأرى من قريب لا الذي بت أشرب
لدى روضة جاد الربيع نباتهابغر الغوادي تستهل وتسكب
إذا أصبح الحوذان من جنباتهاتفتح وهمت الدنانير تضرب
وقال:
أكان الصبا إلا خيالًا مسلمًاأقام كرجع الطرف ثم تصرما
أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكًامن الحسن حتى هم أن يتكلما
وقد نبه النوروز في غلس الدجىأوائل ورد كن بالأمس نوما
يفتقه برد الندى فكأنهينث حديثاً كان قبل مكتما
ومن شجر رد الربيع لباسهعليه كما نشرت وشيًا منمنما
أحل وأبدى للعيون بشاشةوكان قذى للعين إذ كان محرما
ورق نسيم الريح حتى حسبتهاتجيء بأنفاس الأحبة نعما
فما يحبس الراح التي أنت خلهاوما يمنع الأوتار أن تترنما!؟
وما زلت شمسًا للندامى إذا انتشواوراحوا بدورًا يستحثون أنجما
تكرمت من قبل الكؤوس عليهمفما اسطعن أن يحدثن قبل تكرما!
وهذا المعنى الذي أبر البحتري فيه على كل محسن، لأن امرأ القيس قال:
سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذاونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
وقال عنترة:
وإذا شربت فإنني مستهلكمالي وعرضي وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصر عن ندىوكما علمت شمائلي وتكرمي
وما زال من يتعصب على البحتري يجتهد في الطعن على إحسانه في هذا البيت، فإنهم قالوا في قوله: «تكرمت من قبل الكؤوس عليهم»: إن التكرم إنما هو أن يتكلف الكرم، ويتعاطاه وليس من أهله، وكان الأجود أن يقول «كرمت».
وهذا غلط منهم قبيح، إنما التكارم هو أن يظهر الكرم وليس من أهله، وكذلك التحالم والتجاهل والتعاقل وما أشبه ذلك، فأما التكرم معناه: أنه جعل نفسه كريمًا، وأدخلها في الكرم، وذلك مثل تشجعت وتجلدت وتبصرت، ومثل هذا لا يكون الإنسان مذمومًا ولا معيبًا به، بل ممدوحًا، ويستعمل «كرم وتكرم» على وجه واحد، وكذلك شجع وتشجع، وخشع وتخشع.
وقد قال عنترة: «وكما علمت شمائلي وتكرمي» وهذا ما لا ينكره من له علم بكلام العرب، وعلى أن البحتري قد بين هذا وجمع بين هذين الفعلين في بيت وفرق بينهما فقال:
وأرى التكرم في الرجال تكارمًاما لم يكن بمحاتد ومناصب
وقال:
عذيري من نأي غدًا وبعاد
تدارك غي نشوة في لقائهاذممت لها حتى الصباح رشادي
وما بلغ النوم المسامح لذةسرى أرقي في حينها وسهادي
على باب قنسرين والليل لاطخجوانبه من ظلمة بمداد
كأن القصور البيض في جنباتهخضبن مشيباً نازلًا بسواد
كأن انخراق الجو غير لونهلبوس حديد أو لباس حداد
كأن النجوم المستسرات في الدجىسكاك دلاص أو عيون جراد
ولا قمر إلا حشاشة غائركعين طماس رنقت لرقاد
فبتنا وباتت تمزح الكأس بيننابأبيض رقراق الرضاب براد
ولم نقترق حتى بدا الديك هاتفاًوقام المنادي بالصلاة ينادي
قوله: «تدارك غيي نشوة» كلام حلو عجب من العجب.
وقوله:
«وما بلغ النوم المسامح لذةسرى أرقي في حينها ............»
أي: ما بلغ النوم لذة ذهب أرقي في وقتها، والسرى: مسير الليل، يريد مضى أرقي في حينها، وهذا أيضاً معنى حسن لطيف.
وقد كرر في هذه الأبيات معنى واحدًا في ثلاثة أبيات متوالية، وهذا لم يكن من عادته ومذهبه، ولا عرفت له مثله، وذلك قوله:
والليل لا طخجوانبه من ظلمة بمداد
وقوله:
خضبن مشيباً نازلًا بسواد
وقوله:
لبوس حديد أو لباس حداد
وكان في بيت واحد هذه الثلاثة الأبيات كفاية، ولكنه جاء بهذه الثلاثة المعاني لاختلافها.
وقوله: كعين «طماس»، «فطماس» كان رجلاً صغير العين أخفشها، لا يكاد يقل جفنه وينظر إلا بشدة، وكان البحتري قد أولع بذكره في شعره، وقد ذكره في غير موضع. وما تؤتي «؟» هذه الأبيات من براعة وحسن معنى وفصاحة.
وقال لعبد الله بن الحسين - وكان أهدى أليه نبيذًا -:
خان عهدي معاودًا خون عهدي
ليس برح الغرام ما بت تخفيإن برح الغرام ما بت تبدي
صب يسقي فكاد يصبغ ماجاور من حمرتي مدام وخد
وجنى الورد ثالث فسبيليشم ورد طورًا وتقبيل ورد
حسنت ليلة الثلاثاء وابيضــت بمسودها يد الدهر عندي
بات أرضى الأحباب عندي وعبد الــله أرضى بني الحسين بن سعد
سيد يصرع المكارم في السؤدد بالساعد القوي الأشد
قد أتتنا تلك الهدية والصهــباء من خير ما تبرعت تهدي
وتركنا لك المراكب من أحــوى غريب في لونه وسمند
وبني الروم بين أبيض بضمشرق لونه وآخر جعد
واقتصرنا على التي فاجأتناوردة عندما استشفت لورد
لبست زرقة الزجاج فجاءتذهبًا يستنير في لازورد
ومن نادر شعر البحتري وفاخر كلامه قوله يخاطب أبا صالح بن عمار الحلبي في أبياته التي أولها:
هذا كتابك فيه الجهل والعنف
مالي وللراح تدعوني لأشربهاولي فؤاد بشيء غيرها كلف
إن التزاور فيما بيننا خطروالأرض من وطأة البرذون تنخسف
إذا اجتمعنا على يوم الشتاء فليهم بما أنا لاق حين انصرف
أللغدير إذا ضاق الطريق بهأم للطريق المعمى حين ينعطف
وقلت دجن يريق الماء ريقهمن كل غادية أجفانها وطف
وكيف يطرب للدجن المقيم إذاسحت سحائبه من بيته يكف
لا أقرب الراح أو تجلو السماء لناشمس الربيع وتبهى الروضة الأنف
ويفتق الروض خضرًا من معصفرةفيكتسي نوره القاطول والنجف
هناك تجميع شمل كان مفترقاًمنا وتأليف رأي كان يختلف
وقد قال أبو تمام في هذا المعنى إلا أن البحتري أبر عليه وزاد، وذلك قوله في آل مصعب:
قولا لإبراهيم والفضل الذيسكنت مودته جنوب شغافي
منع الزيارة والوصال سحائبشم الغوارب جأبة الأكناف
ظلمت بني الحاج النزيع وأنصفتعرض البسيطة أيما إنصاف
فأتت بمنفعة الرياض وضرهاأهل المنازل ألسن الوصاف
فجفوتكم وعلمت في أمثالهاأن الوصول هو القطوع الجافي
لما استقلت ثرة أخلاقهامملوءة الأرجاء والأكناف
وعلمت ما يلقى المزور إذا همتمن ممطر ذفر وطين خفاف
شهدت لها الأنواء أجمع أنهامن مزنة لكريمة الأطراف
فكم اغتدت فيها السماء فأنعمتللأرض من تحف ومن ألطاف
فكأنني بالروض قد أجلى لناعن حلية من وشية أفواف
وكانني بالشدقمية وسطهخضر اللهى والوظف والأخفاف
إن الشتاء على شتامة وجههلهو المفيد طلاقة المصطاف
وقال البحتري:
أناة أيها الفلك المدار
ويوم بالمطيرة أمطرتناسماء صوب وابلها عقار
نزلنا منزل الحسن بن وهبوقد درست مغانيه القفار
تلقانا الشتاء به وزرنابنات اللهو إذ قرب المزار
أقمنا أكلنا فيها استلابهناك وشربنا فيها بدار
تنازعنا المدامة وهي صرفوأعجلنا الطرائح وهي نار
ولم يك ذاك سخفاً غير أنيرأيت الشرب سخفهم الوقار
رضينا من عقيد وابن حبربصوت الأثل إذ متع النهار
تزعزعه الشمال إذا توافىعلى أنفاسها قطر صغار
غداة دجنة للغيث فيهاخلال الروض حج واعتمار
كأن الريح والمطر المناجيخواطرها عتاب واعتذار
كأن مدار دجلة حيث جاءتبأجمعها هلال أو سوار
ومن جيد شعره وبارع ألفاظه قوله في قصيدته:
توهم ليلى وأظعانها
سرى البرق يلمع في مزنةتمد إلى الأرض أشطانها
فلا تسألا باستواء الزمان وقد وافت الشمس ميزانها
شبيبة لهو تلقيتهافسايرت بالراح ريعانها
ولا أريحية حتى ترىطروب العشيات نشوانها
وليست مداماً إذا أنت لمتواصل مع الشرب إدمانها
وكم بالجزيرة من روضةتضاحك دجلة ثعبانها
غرائب تخطف لحظ العيونوقد جلت الشمس ألوانها
إذا غرد الطير فيها ثنتإليك الأغاني ألحانها
تسير العمارات أيسارهاويعترض القصر أيمانها
وتحمل دجلة حمل الجموححتى تناطح أركانها
كأن العذارى تمشي بهاإذا هزت الريح أفنانها
تعانق للقرب شجراؤهاعناق الأحبة أسكانها
فطوراً تقوم الصباوطوراً تميل أغصانها
جنوحاً تنقل أفياءهاكما جرت الخيل أرسانها
ومن جيد شعره في الخمر قوله:
قد سقاني ولم يصرد أبو الغوث على العسكرين شربة خلس
من عقار تقولها وهي نجمضوأ الليل أو مجاجة شمس
وتراها إذا أجدت سروراًوارتياحاً للشارب المتحسي
أفرغت في الزجاج من كل قلبفهي محبوبة إلى كل نفس
قوله: «وهي نجم» من: وهى يهي: أي: ما ينفصل من النجم، يريد ضوء النجم عند انقضاضه، ومن يخالفه يقول: ليس ذلك الضوء من النجم، ولكن قد جرى على الألسن.
وقد ذكر هذه اللفظة في موضع آخر من شعره فقال في وصف فرس أشقر:
لو أوقد المصباح منه لسامحتبضيائه شية كوهي الكوكب
وقوله: «أو مجاجة شمس» من نحو هذا، يريد ضوء الشمس، وضوؤها هو الذي تمجه على الأرض.
وقوله: «أفرغت في الزجاج من كل قلب»، من معانيه التي يسألأ عنها، وإنما أراد «وتراها إذا أجدت» بضم التاء، أي: تحسبها أفرغت في الزجاج من كل قلب، أي: كأن القلوب كانت أوعيتها، فمن أجل ذلك صارت محبوبة إلى كل نفس.
وقد قيل: إنما أراد أن الذي يسكبها في الإناء لا يسكبها بتكلف ولا على سبيل ضرورة، ولا عمل كسائر الأعمال التي لا لذة فيها لمن يعملها، لكن يسكبها وهو على أتم شهوة لذلك ومسرة به، والتذاذ له، فكأن قوله: «من كل قلب» أي يفرغها في كأسها من كل قلبه، فهذه كلمة مستعملة، ألا تراهم يقولون: ليس هذا من كل قلبك، في الشيء الذي يظن أن الإنسان قد أبطن غيره.
وهذا من نادر شعره ومشهور إحسانه ومعانيه.
وقال أبو تمام وكتب بها إلى الحسن بن وهب يستهدي منه نبيذا:
جعلت فداك عبد الله عنديبعقب البعد منه والبعاد
له لمة من الكتاب بيضقضوا حق الزيادة والوداد
وأحسب يومهم إن لم تجدهممصادف دعوة منهم جماد
فكم نوء من الصهباء ساروآخر منك بالمعروف غاد
فهذا يستهل على غليليوهذا يستهل على بلادي
ويسقي ذا مذانب كل عرقويترع ذا قرارة كل واد
دعوتهم عليك وكنت ممننعنيه على العقد الجياد
قوله: «البعد والبعاد» جعل البعد منه في موضع هجره، وجعل البعاد الغيبة، وقوم يروونه: «بعقب الصد منه والبعاد» والذي قاله الرجل هو هذا، لأني كذا وجدته في الأصول العتق.
وقوله: «فهذا يستهل على غليلي» أي: يروي عطشي «وهذا يستهل على بلادي» أي على مواطني ومحلي، وقوم يروونه «يستهل على تلادي» وذاك عندي خطأ، لأنه لا يؤدي إلى معنى، إلا أن يعلمنا أن معروف
الممدوح انضاف إلى مال له تالد، وهذا يوجب ألا يكون معروف الممدوح وقع منه موقع حاجة كوقوع الشراب الذي بل غليله، ولأن يكون استهل على بلاده ومحله أولى، وليس هو أيضاً بالجيد ولا الحلو.
وقال البحتري -وكتب بها إلى أحمد بن محمد بن شجاع يستهديه نبيذاً في آخر ليلة من شعبان-:
لك الخير ما مقدار عفوي وما جهديوآل حميد عند آخرهم عندي
تتابعت الطاءان طوس وطيءفقل في خراسان وإن شئت في نجد
أتوني بلا وعد وإن لم تجد لهمبراحهم راحوا جميعاً على وعد
ولم أر خلاً كالنبيذ إذا جفاجفاك له خلانه وذوو الود
ومما دهى الفتيان أنهم غدوابآخر شعبان على أول الورد
غداً يحرم الماء القراح وتنتويوجوه من اللذات مشجية الفقد
أعنا على يوم يشيع لهوناإلى ليلة فيها له أجل مرد
ولست أعد كم ليلة لك سامحتيدي ومجد منك شيد لي مجدي
وما النعمة البيضاء في شركة الغنىبل النعمة البيضاء في شركة الحمد
وهذا من جيد الشعر وحلو المعاني.
قوله: «عند آخرهم عندي» أي: عن آخرهم، «وتنتوي وجوه»: هو من النية والنوى، أي: تبعد.
وقوله: «لك الخير» أحسن من قول أبي تمام: «جعلت فداك».
وقال البحتري يخاطب أبا صالح بن عمار الحلبي:
أخي إنه أضعت به رشديولم أر هزلي في انصرافي ولا جدي
تركتك لما استوقف الدجن ركبهعلينا وطار القلب خوفاً من الرعد
يجر على الغيث هداب مزنةوآخرها فيه وأولها عندي
تعجل عن ميقاته فكأنهأبو صالح قد بت منه على وعد
وظلت أقاسي حارثيك بعدما انــصرفت فسلني عن معاشرة الجند
له خلق جاسي النواحي كأننيأمارس منه هادي الأسد الورد
وهذا من أحسن كلام وأحلى مذهب
وقال يخاطب أبا نوح ويستهديه شراباً:
قربت من الفعل الكريم يداكاودنا على المتطلبين جداكا
فاسلم أبا نوح لتشييد العلاوفداك من صرف الزمان عداكا
إبي لأضمر للربيع محبةإذ كنت أعتد الربيع أخاكا
وأراك بالعين التي لم تنصرفألحاظها إلا أتى نعماكا
ما للمدام تأخرت عن فتيةعزموا الصبوح وأملوا جدواكا
بكرت لهم سقيا السحاب وقصرتعنهم أوان تعلة سقياكا
ما كان صوب المزن يطمع قبلهافي أن يجيء نداه قبل نداك
ولديك صهباء كأن نسيمهامن طيب عرفك أو جميل نثاكا
وكأن بشرك في شعاع كؤوسهالما توالت في الأكف دراكا
تجلو برونقها العيون إذا أتترسلاً ونشربها على ذكراكا
يغني النديم عن الغناء حديثنابمحاسن لك لم تكن لسواكا
فقوله: «تجلو برونقها العيون» أي: تجلو أبصارنا كما يقال: النظر إلى كذا يجلو البصر.
وقال:
عدمت النغيل فما أدمرهوأولى الصديق بأن يهجره
إذا قلت قدمه كيسهعراه من النقص ما أخره
دعانا إلى مجلس فاحشقبيح بذي اللب أن يحضره
فجاء نبيذ له حامضيشق على الكبد المقفره
إذا صب مسوده في الزجاج فكأس النديم به محبره!
تركت مشمس قطربلوجرعتنا دقل الدسكره
ومالي أطعتك في شربهوما كنت أعهدني ذا شره
وما يعتريني الذي يعتريــك بحق السواد من الأبخره
فلأياً عزمنا على الإنصراف وقد أوجب الوقت أن تحذره
فقمنا على عجل والنجوممولية قد هوت مدبره
وكان الجواز على علةوكدنا نبيت في المقطره
ولما نزلت أطل الخمار بحد سماديره المسهره
ولا تسألني عن حالةبليت بها صعبة منكره
وليلة سوء أمرت عليكليلة شيخك في القوصره
هذا البيت الأخير يدل على أنه النغيل بالنون.
وقال أبو تمام:
قد عرفنا دلائل المنع أو مايشبه المنع في احتباس الرسول
وافتضحنا عند الزبيب بما صحلديه من قبح وجه الشمول
فاجأتنا كدراء لم تسي من تســنيم جريالها ولا سلسبيل
بعقار لا نشرها نفحة المســك ولا خدها بخد أسيل
وكأن الأنامل اعتصرتهابعد كد من ماء وجه البخيل
فهي نزر لو أنها من دموع الصــب لم تشف من حر الغليل
لا تهدى سبل العروق ولا تنــسل من مفصل بغير دليل
احتساباً بذلتها أم تصدقــت بها رحمة على ابن السبيل
قد كتبنا لك الأمان فما تســأل شيئاً عمر الزمان الطويل
رب معط قد امتحنا نداهوعرفنا كثيره بالقليل
فالبحتري اقتص ما جرى عليه، وقوله: «فكأس النديم به محبرة» معنى صالح.
وذم أبي تمام لشرابه أجود وأبلغ، وغرضه فيه أحسن، وقول البحتري:
«وكأس النديم به محبرة» نحو قول ابن الرومي:
لو تراني وفي يدي قدح الدوشاب أبضرت بازيار الغراب
وما قال أول ولا آخر في وصف الخمر والندمان كقول أبي نواس فإنه أبر فيه على من قبله، ولم يطمع في اللحاق به من بعده.
وقال البحتري في بعض بني حميد:
خير يوميك في الهوى واقتباله
نعمت كأسه بطيب فقلناأعيت نشر خلة من خلاله
إن فزعنا إليه في الراح أدتــنا إليها طوعاً سيوب سجالة
نتلقى المدام من جود كفيختطيها لنا إلى حر ماله
فتركنا يمينه لجداهواستمحنا ناجوده من شماله
وهذا ما لا مزيد عليه في الحسن والحلاوة والبراعة.
وقال يمدح بعض بني مخلد ويطلب منه شراباً:
أرى الله خص بني مخلدبأكرم مأثرة للعرب
تضاف الخلافة في دورهمفتخبر عن سروهم بالعجب
ملوك لهم عادة في القرىتورثها حسب عن حسب
ترى الكأس صافية كاللجيــن والخمر صافية كالذهب
وقال في علي بن يحيى الأرمني:
أبلغ أبا حسن بآية جودهعندي ونعمته التي لا تجهل
إني بلوت له خلالاً لم يرحفي مثل أصغرها الغمام المسبل
ماذا نقول فلم تزل ذا همةفصل تقول بها الجميل وتفعل
في فتية بكروا علي تطرباًمن أوجه شتى وفيهم دعبل
وعليك سقياهم لنا إذ لم يكنفي نوبة إلا عليك معول
وأحق من وسع الندامى جودهبالراح من كانت له قطربل
صفحة فارغة
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع