من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
باب في وصف الغلمان واستهدائهم
قال أبو تمام -وأهدى إليه الحسن بن وهب غلامًا- في قصيدته التي أولها:
لمكاسر الحسن بن وهب أطيب
قد جاءنا الرشأ الذي أهديتهخرقاً ولو شئنا لقلنا المركب
لدن البنان له لسان أعجمخرس معانيه ووجه معرب
يرنو فيثلم في القلوب بطرفهويعن للنظر الحرون فيصحب
قد صرف الرانون خمرة خدهوأظنها بالريق منه ستقطب
حمد حبيت به وأجر حلقتمن دونه عنقاء ليل مغرب
خذه وإن لم ترتجع معروفهمحض إذا ذكر الرجال مهذب
وانفخ لنا من طيب خيمك نفحةإن كانت الأخلاق مما يوهب
وقال البحتري وأهدى إليه محمد بن علي القمي غلاماً، وكان البحتري يواصله فانقطع عنه، فكتب إليه محمد بن علي:
هجرت كأن الوصل أعقب وحشةوما خلت وصلاً قبله يعقب الهجرا
فقال البحتري مجيباً له:
فتى مذحج عفواً فتى مذحج غفرالمعتذر جاءت إساءته تترا
ومن يهب النيل الذي سمحت بهيداك بلا من فلن يمنع العذرا
فإن قلت بي كبر فمثل الذي أرىعلى الناس من نعماك يملؤني كبرا
مواهب لي منها الغنى فمتى التقىبساحتها حمد فلي حمدها طرا
تضاف إلى مجدي وتجري إلى يديفأملكها مالاً وأملكها فخرا
أتاني قريض منك يحدوه نائلفأنطقني جوداً وأفحمني شعرا
وأكسبني شغلاً عن الوصل شاغلاًتعاتبني فيه وتعتده هجرا
فإن كنت مشغوفاً بقربي آنساًبشخصي فلم خولتني ذلك البدرا
لئن كان إسعافي به منك قبلهاوفاء لقد كان انفرادي به غدرا
وما هو إلا درة لم أجد لهاسوى جودك الأمسي من دونها بحرا
حملت عليه في سبيل فتوةهي الثغر دون المجد أو تفضل الثغرا
فأنت تصيب الحمد حيث تلألأتكواكبه إن أنت لم تصب الأجرا
وجدت نداك اليوم ألطف موقعاًوقد كان لي خلاً فأصبح لي صهرا
فإن أنا لم أشكرك جاهداًفلا نلت نعمى بعدها توجب الشكرا
أخذ معنى قوله:
«فأنت تصيب الحمد حيث تلألأتكواكبه ...................»
من قول أبي تمام:
حمد حبيت به وأجر حلقتمن دونه عنقاء ليل مغرب
وبيت أبي تمام أجود.
وقال البحتري يستهدي أبا إسحاق إبراهيم بن المدبر غلاماً:
عمرت أبا إسحاق ما صلح العمرولا انفك مزهواً بأيامك الدهر
لنا كل يوم من عطائك نائلوعندك من تقريظنا أبداً نشر
وأنت ندى نحلته حيث لا ندىوقطر يرجى جوده حيث لا قطر
على أنني بعد الرضا متسخطومستعتب من خطة سهلها وعر
وقد أوحشتني ردة لم أكن لهابأهل ولا عندي بتأويلها خبر
فكم جئت طوع الشوق من بعد غايةإلى غير مشتاق وكم ردني بشر
وما باله يأبى دخولي وقد رأىخروجي من أبوابكم ويدي صفر
وقد أدرك الأقوام عندك سؤلهموعمهم من سيب أحسانك الكثر
فكيف ترى المحمول كرهاً على الصدىوقد صك رجليه بأمواجه البحر
تأت لموتور بدا لك ضغنهفإن الحجاب عند ذي خر وتر
وقد زعموا أن ليس يغتصب الفتىعلى عزمه إلا الهدية والسحر
فإن كنت يوماً لا محالة مهدياًففي المهرجان الوقت إن فاتك الفطر
وإن تهد ميخائيل ترسل بتحفةتقضى لها العتبى ويغتفر الوزر
غرير تراءاه العيون كأنماأضاء لها في عقب داجية فجر
ولو يبتدي في بضع عشرة ليلةمن الشهر ما شك امرؤ أنه البدر
إذا انصرفت يوماً بعطفيه لفتةأو اعترضت من لحظه نظرة شزر
رأيت هوى قلب بطيئاً نزوعهوحاجة نفس ليس عن مثلها صبر
ومثلك أعطى مثله لم يضق بهذراعاً ولم يحرج به أو له صدر
على أنه قد مر عمر لطيبهومن أعظم الآفات في مثله العمر
غداً تفسد الأيام منه ولم يكنبأول صافي الحسن غيره الدهر
ويمنى بحضني لحية مدلهمةلخديه منها الويل إن ساقها قدر
تجاف له عنه فإنك واجدبه ثمناً يغليه في مدحك الشعر
ولا تطلب العلات فيه وترتقيإلى حيل فيها لمعتذر عذر
فقد يتغابى المرء في عظم مالهومن تحت ثوبيه المغيرة أو عمرو
ويخرق بالتبذير وهو مجربفلا يتمارى القوم في أنه غمر
ومن لم ير الإيثار لم يشتهر لهفعال ولم يبعد لسؤدده ذكر
فإن قلت نذر أو يمين تقدمتفأي جواد حل في ماله نذر
أتعتده علقاً كريماً فإنمامرام كريم القوم أن يكرم الذخر
وإن كنت تهواه وتأبى فراقهفقد كان وفر قبله فمضى وفر
وألطف منه في الفؤاد محلةثناء تبقيه القصائد أو شكر
وهذا من إحسان أبي عبادة المشهور.
وقال يخاطب أبا جعفر حميد ويستهديه غلاماً في قصيدة أولها:
أبكاء في الدار بعد الدار
قد مللناك يا غلام فغادبسلام أو رائح أو سار
سرقات مني خصوصاً فهلامن عدو أو صاحب أو جار
أنا من ياسر ويسر وفتحلست من عامر ولا عمار
لا أريد النظير يخرجه الشتــم إلى الاحتجاج والإفتخار
وإذا رعته بناحية السوط على الذنب راعني بالفرار
ما بأرض العراق يا قوم حريفتديني من خدمة الأحرار
هل جواد بأبيض من بني الأصــفر ضخم الجدود محض النجار
لم ترع قومه السرايا ولم يغــزهم غير جحفل جرار
أو خميس كأنما طرقوا منــه بليل أو صبحوا بنهار
في زهاه أبو سعيد على آثار خيل قد حاجزته بثار
يتلظى كأنه لصفوف الســبي في عسكريه ذو الأذعار
فوق صعف الصغار إن وكل الأمــر إليه ودون كيد الكبار
رشأ تخبر القراطق منهعن كنار تضيء تحت الكنار
«عن كنار» أي عن جسم يضيء كالنار «تحت الكنار»، أي تحت القباء الذي يلبسه على جسده، أراه بالرومية، وهو اسم للقباء معروف.
لك من ثغره وخديه ما شئــت من الأقحوان والجلنار
أعجمي إلا عجالة لفظعربي تفتح النوار
وكأن الذكاء يبعث منهفي سواد الأمور شعلة نار
يا أبا جعفر وما أنت بالمدعو إلا لكل أمر كبار
شمس شمس وبدر آل حميديوم عد الشموس والأقمار
وفتى طيء وشيخ بني الصامت أهل الأحساب والأخطار
لك من حاتم وأوس وزيدإرث أكرومة وإرث فخار
سمح بين برمة أعشارتتكفا وجفنة أكسار
وسيوف مطبوعة بالمناياواقعات مواقع الأقدار
تلك أفعالهم على أول الدهــر وكانوا جداولاً من بحار
أملي فيكم وحقي عليكمورواحي إليكم وابتكاري
واضطرابي في الناس حتى إذا عدت إلى حاجة فأنتم قصاري
ولعمري للجود للناس بالناس سواه بالثوب والدينار
وعزيز إلا لديك بهذا الـفج أخذ الغلمان بالأشعار
وهذه ألفاظ ما أظنك سمعت بمثلها، ولا مثل ألفاظها وسبكها وكثرة مائها ورونقها.
وقال البحتري -وهي من مجونه النادر-:
يا أبا جعفر غدونا حديثاًفي سواجير منبج مستفيضا
عظمت عذرتي إليك وطالتفاغفرن ذنبي الطويل العريضا
نك غلامي إذا اتخذت غلاماواعف إن المعروف كان قروضا
قطع ابن الغلائلي وداداًكان من قبل وصله مفروضا
بت أعطي منه غرائب حسنبات من منعها الوفاء مريضا
كفلاً ناعماً وكشحاً لطيفاوقواماً لدنا وطرفاً غضيضا
وغناء لمن أراد غناءوقريضاً لمن أراد قريضا
من جواد سمح يجمش باللحــظ ذكاء ويفهم التعريضا
ومباح فما يحصنه السور ولو بات دونه معروضا
وإذا ما أردت أن تمنع الناس ورود الفرات كنت بغيضا
وقال أبو تمام يخاطب الحسن بن وهب:
أبا علي لصرف الدهر والغيرولليالي وللأيام والعبر
أذكرتني أمر داود وكنت فتىمصرف القلب في الأهواء والذكر
أعندك الشمس قد راقت محاسنهاوأنت مشتغل الأحشاء بالقمر
إن أنت لم تترك السير الحثيث إلىجآذر الروم أعنقنا إلى الخزر
إن النفور له مني مقر هوىيحل مني محل السمع والبصر
فرب أمنع منه جانباً وحمىقد بات ليلته مني على حذر
سيرت فيه جنود العزم فانكشفتعنه غيابتها عن نيكة هدر
سبحان من سبحته كل جارحةما فيك من طمحان الأير والنظر
أنت المقيم فما تسري رواحلهوأيره أبداً منه على سفر
وهذا أيضاً جيد حلو.
وقال أبو تمام أيضاً:
كشفتك الأيام يا إنسانلا تكن للذي أهنت الهوان
إن تكن قد فضضت بعدي فليستبدعة أن يفلق الرمان
نشرتك الكؤوس بعد عفافكنت تطوى من تحته وتصان
أيها السابق المسامح في الــلذات والقصف أين ذاك الحران
ما تحداك رائض لك إلاقلت بيني وبينك الميدان
كيف أشقى بكم ويسعد غيريبهواكم حبي إذن كشخان
وهذا من رديء شعره وبارده المشهور في هذا المعنى.
ولأبي تمام في ذكر المردان وهجائهم وخروج اللحى والنتف ونحو هذه المعاني مقطوعات كثيرة رديئة ليس في ذكرها فائدة.
ومما يدخل في هذا الباب ما قاله البحتري في غلامه نسيم فمن ذلك قوله فيه وقد باعه:
قل للجنوب إذا غدوت فبلغيكبدي نسيماً من جناب نسيم
أخدعت عنك وأنت بدر خادعلليل من ظلم له وغيوم
كرم الزمان ولمت فيك ولا ترىعجباً سوى كرم الزمان ولومي
وظلمت نفسي جاهداً في ظلمهافاسمع ندامة ظالم مظلوم
قد زاد يوم البؤس بعدك أنهأفضى إلي بعقب يوم نعيم
وأقمت في قلبي وشخصك سائرلا تبعدن من سائر ومقيم
لا كان وجدي أين كان وأنت ليملك وعهدي منك غير ذميم
الآن أطمع في هواك وبينناعين الرقيب وباب إبراهيم
وقال:
دعا عبرتي تجري على الجور والقصدأظن نسيماً قارف الهجر من بعدي
خلا ناطري من طيفه بعد شخصهفيا عجباً للدهر فقداً على فقد
خليلي هل من نظرة توصلانهاإلى وجنات ينتسبن إلى الورد
وقد يكاد القلب ينقذ دونهإذا اهتز في قرب من العين أو بعد
بنفسي حبيب نقلوه عن اسمهفبات غريباً في رخاء وفي سعد
ويا حائلاً عن ذلك الاسم لا تحلوإن جهد الأعداء عن ذلك العهد
كفى حزناً أنا على الوصل نلتقيفواقاً فتثنينا العيون إلى الصد
فلو تمكن الشكوى لخبرك البكاحقيقة ما عندي وإن جل ما عندي
هوى لا جميل في بثينة نالهبمثل ولا عمرو بن عجلان في هند
غصبتك ممزوجاً بنفسي ولا أرىلهم زاجراً ينهى ولا حاكماً يعدي
فوا أسفاً لو قاتل الأسف الجوىولهفي لو أن اللهف في ظالم يجدي
أبا الفضل في تسع وتسعين نعجةغنى لك عن ظبي بساحتنا فرد
أتأخذه مني وقد أخذ الجوىمأخذه مما أسر وما أبدي
وتخطو إليه صبوتي وصبابتيولم يخطه بثي ولم يعده وجدي
وقلت اسل عنه والجوانح حولهوكيف سلو ابن المفرغ عن برد
وقال فيه:
أنسيم هل للدهر وعد صادقمما يؤمله المحب الوامق
مالي فقدتك في المنام ولم تزلعون المشوق إذا جفاه الشائق
أمنعت أنت من الزيارة رقبةمنهم فهل منع الخيال الطارق
اليوم جاز بي الهوى مقدارهفي أهله وعلمت أني عاشق
فليهنيء الحسن بن وهب أنهيلقى أحبته ونحن نفارق
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع