من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
باب في وصف الرياض والأنوار والسحائب والأمطار وذكر الأبنية
قال أبو تمام في وصف الزهر:
رقت حواشي الدهر فهي تمرمروغدا الثرى في حليه يتكسر
نزلت مقدمة المصيف حميدةويد الشتاء جديدة لا تكفر
لولا الذي غرس الشتاء بكفهلاقى المصيف هشائماً لا تثمر
كم ليلة آسى البلاد بنفسهفيها ويوم وبله مثعنجر
مطر تذوق الصحو منه وبعدهصحو يكاد من الغضارة يمطر
وندى إذا ادهنت به لمم الثرىخلت السحاب أتاه وهو معذر
غيثان فالأنواء غيث ظاهرلك وجهه والصحو غيث مضمر
أربيعنا في تسع عشرة حجةحقاً لهنك للربيع الأزهر
ما كانت الأيام تسلب بهجةلو أن حسن الأرض كان يعمر
أو لاترى الأشياء إن هي غيرتسمجت وحسن الأرض حين تغير
يا صاحبي تقصيا نظريكماتريا وجوه الأرض كيف تصور
تريا نهاراً مشمساً قد شابهزهر الربا فكأنما هو مقمر
دنيا معاش للورى حتى إذاجلي الربيع فأنما هي منظر
أضحت تصوغ بطونها لظهورهانوراً تكاد له القلوب تنور
من كل زاهرة ترقرق بالندىفكأنها عين إليه تحدر
تبدو فبحجبها الجميم كأنهاعذراء تبدو تارة وتخفر
حتى غدت وهداتها ونجادهافئتين في حلل الربيع تبخر
مصفرة محمرة فكأنهاعصب تيمن في الوغى وتمضر
من فاقع غض النبات كأنهدر يشقق قبل ثم يزعفر
أو ساطع في حمرة فكأن مايدنو إليه من الهواء معصفر
صنع الذي لولا بدائع صنعهلم يلف أصفر بعد إذ هو أخضر
قوله: «تذوق الصحو منه» أي: تتبين أنه يقلع ولا يدوم، وأن الصحو يأتي سريعاً في أثره، وقد صحف بعض من فسر شعر أبي تمام في هذه اللفظة فقال: «يروق الصحو منه» مكان «تذوق» وقال أخر: «تذوب الصخر منه».
وقوله:
«أو لا ترى الأشياء إن هي غيرتسمجت .................»
وقد فسرت معناه في جملة أبيات من شعره جعلت لتفسيرها جزءاً مفرداً.
وقوله: «فكأنها عين إليه تحدر» مما يسألأ عنه أيضاً أن يكون قدم كناية العين فيها، وأراد بقوله: «من كل زاهرة» يعني النور، وقد ذكره في البيت الذي قبله، فلذلك نكر، فقال: «إليه» أي: فكأن عيناً تتحدر إلى كل زاهرة، يعني عين ماء، وكان وجه الكلام: فكأنه عين إليها، أي: فكأن الندى عين إلى الزاهرة، فقلب فقال: «فكأنها عين إليه»، ومثل هذا القلب لا يسوغ لمثله، وإلى واللام تعتقبان، قال الله تعالى:
«بأن ربك أوحى لها»
وقال في موضع آخر:
«وأوحى ربك إلى النحل»
فإن كان هذا يجوز في كل موضع، فلعله أراد: فكأنها عين، أي: فكأن الزاهرة عين للذي يتحدر.
وهذه أبيات حسان، وتشبيهات وتمثيلات صحيحة، ولكن الصنعة وشدة التكلف ظاهران فيها، وليس لفظها، ولا نسجها بالحلو، والجيد النادر في هذا المعنى قول البحتري:
مثالك من طيف الخيال المعاود
سقى الغيث أكناف الحمى من محلةإلى الحقف من رمل النقا المتقاود
ولا زال مخضر من الغيث يانععليه بمحمر من اللون جاسد
شقائق يحملن الندى فكأنهدموع التصابي في خدود الخرائد
كأن يد الفتح بن خاقان أقبلتتليها بتلك البارقات الرواعد
فمن لؤلؤ في الأقحوان مفصلعلى نكت مصفرة كالفرائد
يذكرنا ريا الأحبة كلماتنفس في جنح من الليل بارد
كأن جنى الحوذان في رونق الضحىدنانير تبر من توأم وفارد
رباع تردت بالرياض مجودةبكل جديد الماء عذب الموارد
إذا راوحتها مزنة بكرت لهاشآبيب مجتاز عليها وقاصد
قوله: «دموع التصابي» التصابي: أن يفعل ما يفعله الصبي وإن لم يكن صبياً من اللهو واللعب والغزل، فقول البحتري: «دموع التصابي» يريد دموع الدلال بدلاً وطلباً لشيء وتشوقاً إليه، لا دموع حزن وثكل ومصيبة، فتمم المعنى وحسنه وكمله بقوله: «دموع التصابي».
والفرائد: جمع فريدة، وهي شذر يصاغ كالخرز من الذهب يفصل به اللؤلؤ في العقد.
وقوله: «جديد الماء» يريد الغيث.
وقال البحتري أيضاً، وليست من فحل كلامه:
أدمع قد غرين بالهملان
ابكيا هذه المغاني التي أخــلقها بعد عهدها بالغواني
أسعدا الغيث إذ بكاها وإن كان خلياً من كل ما تجدان
جاد فيها بمائه واستجدتحللاً جمة من الألوان
فهي تهتز بين إفرنده الأخــضر حسناً ووشيه الأرجوان
في سماء من خضرة الروض فيهاأنجم من شقائق النعمان
واصفرار من لونه وابيضاضكاجتماع اللجين والعقيان
وتريك الأحباب يوم تلاقباعتناق الحوذان والأقحوان
صاغ منه الربيع شكلاً لأخلاق حسين ذي الجود والإحسان
فكأن الأشجار تعلو رباهابنثير الياقوت والمرجان
وكأن الصبا تردد فيهابنسيم الكافور والزعفران
هذه أبيات كما تراها في لينها وخنوثتها وشدة تكلفها، ولكن تلك على كل حال أشف.
وقال البحتري:
أحرام أن ينجز الموعود
ذهبت جدة الشتاء ووافانا شبيهاً بك الربيع الجديد
أفق مشرق وجو أضاءتفي سنا نوره الليالي السود
وكأن الحوذان والأقحوان الــغض نظمان لؤلؤ وفريد
قطرات من السحاب وروضنثرت وردها عليه الخدود
وليال كسين من رقة الصيــف فخيلن أنهن برود
الرياح التي تهب نسيموالنجوم التي تطل سعود
ودنا العيد وهو للناس حتىيتقضى وأنت للعيد عيد
وهذا من حلو ألفاظه ونسجه، غير أنه أساء في قوله: «فخيلن أنهن برود»، لأن البرود لا توصف بالرقة، وإنما توصف بالمتانة والصفاقة، وإذا وصف الشيء ذو الألوان قيل: كأنه برد، لأن البرد قل ما يكون غزله من نسج لون
واحد، وإنما يكون من ألوان، فإنما علق هذا من قول أبي تمام -الذي أخطأ كل الخطأ- يصف الحلم:
رقيق حواشي الحلم لو أن حلمهبكفيك ما ماريت في أنه برد
وقد ذكرت هذا في أغاليطه، ولست أدري كيف ذهب مثله على البحتري مع جودة طبعه وكثرة مذاهبه.
وقال أبو تمام:
ألا صنع البين الذي هو صانع
كأن السحاب الغر غيبن تحتهاحبيباً فما ترقا لهن مدامع
ربى شفعت ريح الصبا لرياضهاإلى الغيث حتى جاد وهو هوامع
فبشر الضحى غدواً لهن مضاحكوجنب الثرى ليلاً لهن مضاجع
كساك من الأنوار أبيض ناصعوأصفر فاقع وأحمر ساطع
والأبيات الثلاثة صالحة، وهذا البيت أتيت به من أجلها، لا طائل فيه.
وقال أيضاً يصف الربيع، وهي أرجوزة رديئة شديدة الاضطراب وجدت في كتاب أبي سعيد السكري هذا القدر:
إن الربيع أثر الزمان
لو كان ذا روح وذا جثمان
لكان بساماً من الفتيان
بوركت من وقت ومن أوان
فالأرض نشوى من ثرى نشوان
تختال في مفوف الألوان
في زاهر كالحدق الرواني
من ناضر وفاقع وقاني
عجبت من ذي فكرة يقظان
رأى جفون زهرة الأفنان
فشك أن كل شيء فان
كان الغرض في ترتيب الموازنة أن أبدأ بأنواع المناسب التي ذكراها في ابتداء قصائدهما قبل المدح، ولما ذكرت ما كان من وصفهما للخمر والرياض في
القصائد وجب أن أذكر ما كان من الأشعار القائمة بأنفسها في غير قصائد المدح ليكون الباب باباً واحداً.
ومن أليق الأشياء بوصف السحاب وصف الأمطار، وكان الأولى بالتأليف أن يكون قبل ذكر الرياض، وأنا الآن أجعل بابها في هذا الموضع، ليكون كل نوع مع شكله ونظيره.
وقد مضى من ذكر السحائب والأمطار في باب «الدعاء للمنازل والربوع بالسقيا» ما مضى، وهذا الباب طريقه غير ذلك الطريق.
قال أبو تمام:
حماد من نوء له حماد
في ناحرات الشهر لا الدآدي
أطلق من ضيق ومن توادي
فجاء يحدوها فنعم الحادي
سارية مسمحة القياد
مسودة مبيضة الأيادي
سهادة نوامة بالوادي
كثيرة التعريس بالوهاد
نزالة عند رضى العباد
قد جعلت للغيث بالمرصاد
كأنه ضمائر الأغماد
ثم برعد صخب الإرعاد
يسلقها بألسن حداد
لما سرت في حاجة العباد
ولحق الأعجاز بالهوادي
فاختلط السواد بالسواد
أظفرت الثرى بما يغادي
ورويت هاماته الصوادي
كم قد جلت لمقتر عن زاد
وعن رواء سنة جماد
وجلبت من رزقه العتاد
من القلاص الخور والجلاد
والمقربات الصفوة الجياد
ومن حبير اليمنة الأبراد
من أتحميات ومن وراد
هدية من صمد جواد
حتى تحل بالصعيد الثادي
قوله: «حماد» أي: احمدوه من نوء، كما تقول للجماعة: نزال، أي: انزلوا، وكذلك تقول للواحد.
وقوله: «في ناحرات الشهر» يريد الأيام التي هي أوائل الشهر التي نحرته، أي جاءت في نحره، و «الدآدي» الثلاثة الأيام التي هي أواخر الشهر.
و «الثأد» مهموز هو الندى، فجعل «الثأد» في مكان «الثئد»، وخفف وأسقط الهمزة من أجل القافية.
وقال أيضاً:
لم أر عيراً جمة الدؤوب
تواصل التهجير بالتأويب
أبعد من أين ومن لغوب
منها غداة الشارق المهضوب
نجائباً وليس م نجيب
شبابة الأعناق بالعجوب
كالليل أو كاللوب أو كالنوب
منقادة لعارض غربيب
كالشيعة التفت إلى النقيب
أخذه بطاعة الجنوب
ناقضة لمرر الخطوب
تكف غرب الزمن العصيب
محاءة للأزمة اللزوب
محو استلام الركن للذنوب
لما بدت للأرض من قريب
تشوفت لوبله السكوب
تشوف المريض للطبيب
وطرب المحب للحبيب
وفرحة الأديب بالأديب
وخيمت صادقة الشؤبوب
وقام فيها الرعد كالخطيب
وحنت الريح حنين النيب
والشمس ذات شارق محجوب
قد غربت من غير ما غروب
والأرض في ردائها القشيب
في زاهر من نبتها رطيب
بعد اشهباب الثلج والضريب
كالكهل بعد السن والتحنيب
تبدل الشباب بالمشيب
كم آنست من حاجر غريب
وغلبت من الثرى المغلوب
ونفست عن بارض مكروب
وسكنت من نافر الجنوب
وأقنعت من بلد رغيب
تحفظ عهد الغيث بالمغيب
لذيذة الريق مع الصبيب
كأنها تهمي على القلوب
وهذا كله جيد نادر لفظاً ومعنى، وهو من أحسانه المشهور.
وقال أيضاً:
الروض من بين مغبوق وصطبحمن ريق مكتفلات بالثرى دلح
دهم إذا ضحكت في أرضه طفقتعيون نوارها تبكي من الفرح
وقال:
أما ترى ما أصدق الأنواءا
قد أفنت الحجرة واللأواء
فلو عصرت الصخر صار ماءا
من ليلة من وبلها ليلاءا
إن هي عادت ثنية عداءا
أصبحت الأرض بها سماءا
وقال أيضاً:
سارية لم تكتحل بغمض
كدراء ذات هطلان محض
موقرة من خلة وحمض
تمضي وتبقي نعماً لا تمضي
قضت بها السماء حق الأرض
وهذا كله جيد لطيف المعنى.
وقال:
يا سهم للبرق الذي استطارا
بات على رغم الدجى نهارا
حتى إذا ما أنجد الأبصارا
وبلاً جهاراً وندى سرارا
آض لنا ماء وكان نارا
وهذا أيضاً جيد نادر.
وقال البحتري في صفة الغيث:
ذات ارتجاز بحنين الرعدمجرورة الذيل صدوق الوعد
مسفوحة الدمع بغير وجدلها نسيم كنسيم الورد
ورنة مثل زئير الأسدولمع برق كسيوف الهند
جاءت بها ريح الصبا من نجدفانتثرت مثل انتثار العقد
فراحت الأرض بعيش رغدمن وشي أنوار الربا في برد
كأنما غدراتها في الوهديلعبن من حبابها بالنرد
وهذا الذي أبر البحتري فيه على كل حسن.
وقال أبو تمام -ويجب أن يكتب في أول الباب قبل الرجز-:
ديمة سهلة القياد سكوبمستغيث بها الثرى المكروب
لو سعت بقعة لإعظام نعمىلسعى نحوها المكان الجديب
لذ شؤبوبها وطاب فلو تســطيع قامت فعانقتها القلوب
فهي ماء يجري وماء يليهوسحاب تنشا وأخرى تصوب
كشف الروض رأسه واستسر الــمحل فيها كما استسر المريب
وإذا الري بعد محل وجرحان لديها يبرين أو ملحوب
أيها الغيث حي أهلاً بمغداك وعند السرى وحين تؤوب
وهذه أيضاً معان حسنة وطريقة حلوة ذهب فيها إلى بعض ما ذهب إليه في الأرجوزة التي على الباء، وليس للبحتري في وصف السحاب غير هذه الأرجوزة التي ذكرتها، إلا أن يكون البيت والبيتان متفرقة في القصائد.
ولست أفضل أحدهما على الآخر في هذا الباب، لأنهما جميعاً انتهيا إلى كل غاية وإحسان.
ومما لم يقل فيه أبو تمام شيئاً وصف الأبنية والبرك، وقد قال البحتري في ذلك وأحسن كل الإحسان، وأتى فيه من ذكر الرياض والمياه بما وجب أن يوصل بهذه الأبيات التي تقدمت.
قال البحتري:
حلفت لها بالله يوم التفرق
تلفت من أعلى دمشق ودونناللبنان هضب كالغمام المعلق
إلى الحيرة البيضاء والكرخ بعدماذممت مقامي بين بصرى وجلق
إلى معقلي عزي وداري إقامتيوقصد التفاتي بالهوى وتشوقي
مقاصير ملك أقبلت بوجوههاعلى منظر من عرض دجلة مونق
كأن الرياض الحو يكسين حولهاأفانين من أفواف وشي منمق
إذا الريح هزت نورهن تضوعتروائحه من فأر مسك مفتق
كأن القباب البيض والشمس طلقةتضاحكها أنصاف بيض مفلق
ومن شرفات في السماء كأنهاقوادم بيضان الحمام المحلق
وهذا من الحسن والصحة كما تراه.
وقال أيضاً في مدح المعتز:
لما كملت روية وعزيمةأعملت رأيك في ابتناء الكامل
وغدوت من بين الملوك موفقاًمنه لأيمن حلة ومنازل
ذعر الحمام وقد ترنم فوقهمن منظر خطر المزلة هائل
رفعت لمنخرق الرياح سموكهوزهت عجائب حسنه المتخايل
وكأن حيطان الزجاج بجوهلجج يمجن على جنوب سواحل
وكأن تفويف الرخام إذا التقىتأليفه بالمنظر المتقابل
حبك الغمام رصفن بين منمرومسير ومقارب ومشاكل
لبست من الذهب الصقيل سقوفهنوراً يضيء على الظلام الحافل
فترى العيون يجلن في ذي رونقمتلهب العالي أنيق السافل
وكأنما نشرت على بستانهسيراء وشي اليمنة المتواصل
أغنته دجلة أن تلاحق فيضهاعن صوب منسجم الرباب الهاطل
وتنفست فيه الصبا فتعطفتأشجاره من حيل وحوامل
مشى العذارى الغيد رحن عشيةمن بين خالية اليدين وعاطل
وقال في «الصبيح والمليح» قصري المتوكل:
إنما العيش أن تكون اللياليمفضلات طولاً على الأيام
قد صفا جانب الهواء ورقتلذة الماء في مزاج المدام
واستتم الصبيح في خير وقتفهو مغنى أنس ودار مقام
ناظر وجهة المليح فلو ينــطق حياه معلناً بالسلام
ألبسا بهجة وقابل ذا ذاك فمن ضاحك ومن بسام
كالمحبين لو أطاقا لقاءأفرطا في العناق والإلتزام
تنفذ الريح جريها بين قطريـيه فتكبو من ونية وسآم
مستمد بجدول من عباب الــماء كالأبيض الصقيل الحسام
فإذا ما توسط البركة الخضــراء ألقت عليه صبغ الرخام
فتراه كأنه ماء بحريخدع العين وهو ماء غمام
والدواليب إذ يدرن ولا ناضح يمشي بهن غير النعام
بدع أنشئت لأولي عباد اللــه بالركن والصفا والمقام
إن خير القصور أصبح موهوباً بكره العدى لخير الأنام
جاور الجعفري وانحاز شبداز إليه كالراغب المعتام
حلل من منازل الملك كالأنــجم يلمعن من سواد الظلام
معجبات تعي الصفات فما تدرك إلا بالظن والأوهام
فكأنا نحسها بالأمانيأو نراها في طارق الأحلام
غرف من بناء دين ودنيايوجب الله فيه أجر الإمام
شوقتنا إلى الجنان فزدنافي اجتناب الذنوب والآثام
وقال يصف بركة المتوكل:
ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها
يا من رأى البركة الحسناء رؤيتهاوالآنسات إذ لاحت مغانيها
تحسبها أنها في فضل زينتهاتعد واحدة والبحر ثانيها
ما بال دجلة كالغيرى تنافسهافي الحسن طوراً وأطواراً تباهيها
أما رأت كاليء الإسلام يكلؤهامن أن تعاب وباني المجد يبنيها
كأن جن سليمان الذين ولواإبداعها وأدقوا في معانيها
فلو تمر بها بلقيس عن عرضقالت هي الصرح تمثيلاً وتشبيهاً
تنحط فيها وفود الماء معجلةكالخيل خارجة من حبل مجريها
إذا علتها الصبا أبدت لها حبكاًمثل الجواشن مصقولاً حواشيها
فرونق الشمس أحياناً يضاحكهاوريق الغيث أحياناً يباكيها
إذا النجوم تراءت في جوانحهاليلاً حسبت سماء ركبت فيها
لا يبلغ السمك المحصور غايتهالبعد ما بين قاصيها ودانيها
يعمن فيها بأسواط مجنحةكالطير تنقض في جو خوافيها
لهن صحن رحيب في أسافلهاإذا انحططن وبهو في أعاليها
صور إلى صورة الدلفين يؤنسهامنه وفاء بعينيه يناجيها
تغني بساتينها القصوى برؤيتهاعن السحائب منهلاً عزاليها
كأنها حين لجت في تدفقهايد الخليفة لما سال واديها
وزادها زينة من بعد زينتهاأن اسمه يوم يدعى من أساميها
محفوفة برياض لا تزال ترىريش الطواويس تحكيه ويحكيها
فهذا من مشهور إحسان البحتري.
وإذ قد ذكرت الأبنية فمن الواجب أن أثبت في هذا الموضع قصيدته التي
على السين، التي يصف فيها إيوان كسرى، وهي التي أجمع الناس على استحسانها، والاعتراف بالفضل له فيها، وما زلت أسمع أهل العلم بالشعر يقولون أنهم لا يعرفون سينية أجود منها:
صنت نفسي عما يدنس نفسيوترفعت عن جداً كل جبس
وتماسكت حين زعزعني الدهــر التماساً منه لتعسي ونكسي
بلغ من صبابة العيش عنديطففتها الأيام تطفيف بخس
وبعيد ما بين وارد رفهعلل شربه ووارد خمس
وكأن الزمان أصبح محمولاً هواه مع الأخس الأخس
واشترائي العراق خطة غبنبعد بيعي الشام بيعة وكس
لا تزرني مزاولاً لاختباريعند هذي الجلى فتنكر مسي
وقديماً عهدتني ذا هناتآبيات على الدنيات شمس
ولقد رابني نبو ابن عميبعد لين من جانبيه وأنس
فإذا ما جفيت كنت حرياًأن أرى غير مصبح حيث أمسي
حضرت رحلي الهموم فوجهــت إلى أبيض المدائن عنسي
أتسلي عن الحظوظ وآسىلمحل من آل ساسان درس
ذكرتنيهم الخطوب التواليولقد تذكر الخطوب وتنسي
وهم خافضون في ظل عالمشرف يحسر العيون ويخسي
مغلق بابه على جبل القبــق إلى دارتي خلاط ومكس
حلل لم تكن كأطلال سعدىفي قفار من البسابس ملس
ومساع لولا المحاباة منيلم تطقها مسعاة عبس وعنس
نقل الدهر عهدهن عن الجدة حتى غدون أنضاء ليس
وكأن الإيوان من عدم الأنــس وإخلاله بنية رمس
لو تراه علمت أن اللياليأحدثت فيه مأتماً بعد عرس
وهو ينبيك عن عجائب قوملا يشاب البيان فيهم بلبس
وإذا ما رأيت صورة أنطاكية ارتعت بين روم وفرس
والمنايا مواثل وأنوشروأن يزجي الصفوف تحت الدرفس
وعراك الرجال بين يديهفي خفوت منه وإغماض جرس
من مشيح يهوي بعامل رمحومليح من السنان بترس
تصف العين أنهم جد أحياء لهم بينهم إشارة خرس
يعتلي فيهم ارتيابي حتىتتقراهم يداي بلمس
قد سقاني ولم يصرد ألو الغوث على العسكرين شربة خلس
من مدام تقولها وهي نجمضوأ الليل أو مجاجة شمس
وتراها إذا أجدت سروراًوارتياحاً للشارب المتحسي
أفرغت في الزجاج من كل قلبفهي محبوبة إلى كل نفس
فتوهمت أن كسرى أبر ويــز معاطي والبلهبذ أنسي
حلم مطبق على الشك عينيأم أمان غيرن ظني وحدسي
وكأن الإيوان من عجب الصنــعة جوب في جنب أرعن جلس
يتظنى من الكآبة إذ يبــدو لعيني مصبح أو ممسي
مزعجاً بالفراق عن أنس إلفعز أو مرهفاً بتطليق عرس
عكست حظه الليالي وبات الــمشتري فيه وهو كوكب نحس
فهو يبدي تجلداً وعليهكلكل من كلاكل الدهر مرسي
لم يعبه أن بز من بسط الديــباج واستل من ستور الدمقس
مشمخر تعلو له شرفاترفعت في رءوس رضوى وقدس
لابسات من البياض فما تبــصر منها إلا سبائخ برس
ليس يدرى أصنع إنس لجنسكنوه أم صنع جن لإنس
غير أني أراه يشهد أن لميك بانيه في الملوك بنكس
وكأني أرى المراتب والقوم إذا ما بلغت آخر حسي
وكأن الوفود ضاحين حسرىمن وقوف خلف الزحام وحبس
وكأن القيان وسط المقاصيــر يرجعن بين حو ولعس
وكأن اللقاء أول من أمــس ووشك الفراق أول أمس
وكأن الذي يريد اتباعاًطامع في لحاقهم صبح خمس
عمرت للسرور دهراً فصارتللتعزي رباعهم والتأسي
فلها أن أعينها بدموعموقفات على الصبابة حبس
ذاك عندي وليست الدار داريباقتراب منها ولا الجنس جنسي
غير نعمى لأهلها عند أهليغرسوا من زكائها خير غرس
أيدوا ملكنا وشدو قواهبكماة تحت السيوف وحمس
وأعانوا على كتائب أرياط بطعن على النحور ودعس
وأراني من بعد أكلف بالأشــراف طراً من كل سنخ وأس
قوله: «وهي نجم» يريد: سقوط نجم، من وهي الشيء يهي، إذا سقط وانحل، وإنما يعني ضوء النجم إذا انقض، وغيرنا يزعم أن تلك نار في الجو، وليست من النجم، وهذا ضد ما عليه العرب في كلامها ومعانيها، وخلاف الإسلام والقرآن، ونصب «وهي نجم» لأن قوله: «تقولها» بمعنى تظنها.
وقوله: «أو مجاجة شمس» يعني ضوء الشمس وهو مجاجها على الحقيقة، لأنها تمجه على الأرض.
وقوله: «من وقوف الزحام وحبس» يعني: من وقوفهم وحبسهم، فالوقوف والحبس -ها هنا- مصدران وليسا جمعين لواقف وحبيس، لأن جمع حبيس: حبس بالضم، وقد جاء في قوافيه «حبس».
وقوله: «أوشك الفراق أول أمس» يريد بأول أمس، أول نهار أمس، أي: كان اللقاء في مثل أول من أمس، أي: في اليوم الذي قبل أمس، والفراق في صدر يوم أمس، فلا يكون بينهما إلا الليلة بين اليومين، لأنه أراد التقريب بينهما، ولو أراد بأول من أمس ما أراده بأول أمس لم يكن في ذاك فائدة.
وقوله:
وكأن الذي يريد اتباعاًطامع في لحاقهم صبح خمس
أي: لا يقدر على لحاقهم وأدراكهم إلا بعد خمس ليال، ضرب «خمس ليال» مثلاً.
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع