من «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» للآمدي (ت ٣٧٠هـ)
ذكر ما وصفا به قصائدهما
قال أبو تمام:
كشفت قناع الشعر عن حر وجههوطيرته عن وكره وهو واقع
بغر يراها من يراها بسمعهويدنو إليها ذو الحجا وهو شاسع
يود وداداً أن أعضاء جسمهإذا أنشدت شوقاً إليها مسامع
وهذا البيت من أحسانه المشهور المعروف.
وقال:
فدونكها لولا ليان نسيبهالظلت صلاب الصخر منها تصدع
وقال:
جلامد تخطوها الليالي وإن سرتلها موضحات في رؤوس الجلامد
أي تخطوها الليالي ولا تؤثر فيها، «وإن سرت» يعني الليالي، «لها موضحات في رؤوس الجلامد» يريد تأثير الجلامد في الحجارة ولا تؤثر في القصيدة، والموضحات: جمع موضحة، وهي الشجة التي قد أبدت عن العظم.
وقال:
كل يوم نوع يقفيه نوعوعروض يتلوه قبل عروض
وقواف قد ضج منها لما استعــمل فيها المرفوع والمخفوض
المديح الجزيل والشكر والكدومر العتاب والتحريض
وما كان ينبغي أن ينسب مرفوع القوافي ومخفوضها إلى الضجيج في مدح الممدوح، وإن كان مذهباً غير خطأ، والأجود هو المذهب الآخر، وذلك قوله:
يهيجها بذكرك قرن فكرإذا حرنت فتسلس في القياد
وقال البحتري:
تطوع القوافي فيكم فكأنهاتسيل إليكم من علو قصيدها
وكم لي من محبوكة الوشي فيكمإذا أنشدت قام امرؤ يستعيدها
وقول أبي تمام: «قد ضج منها المرفوع والمخفوض» ليس بضد لهذا المعنى، لكنه خلاف له، ولأنه لم يرد بضجيج القوافي أنها تعسرت عليه، ولا حزنت، وإنما ذهب إلى أن الاستعمال كثر عليها فملت، وليست من الاستعارة الحلوة.
وقال: «المديح الجزيل والشكر والكد»، فما وجه اقتران الكد بالشكر، وهي لفظة لا تليق بألفاظ البيت، وما أقرب معناها من معنى ضجيج القوافي.
وقال أبو تمام:
قد جاء من وصفك التفسير معتذراًبالعجز إن لم يغثني الله والجمل
وقد لبست أمير المؤمنين بهاحلياً نظاماه بيت سار أو مثل
غريبة تونس الآداب وحشتهافما تحل على قوم فترتحل
وقوله: «إن لم يغثني الله والجمل» هو كما يقول القائل: أنا أعجز عن شرح فضائل فلان، وما فيه على التعديد: هو أجود الناس وأدمث الناس، ونحو هذا مما جرت به العادة، وقوله: «والجمل» أي: هذه الجمل التي أجملتها ولكني أجمل لك القول، وأقصره، ولا أطيله.
وقال في تقصير شكره عن الواجب:
فإن يك أربى عفو شكري على ندىأناس لقد أربى نداه على جهدي
وقصر قولي عنه من بعد ما أرىأقول وأشجى أمة وأنا وحدي
بغيت بشعري فاعتلاه بجدهفلا يبغ في شعر له أحد بعدي
والبحتري أبداً يسلك هذه الطريقة ولا يكاد يجعل نيل أحد ولا معروفه فوق شكره ومدحه، ولذلك قال:
لأشكرنك إن الشكر نائلهأبقى على حالة من نائل النشب
وقال في الفتح بن خاقان:
وإني لمحقوق بأن لا يطولنينداه إذا ما طلته بالقصائد
يحكن له حوك البرود لزينةوينظمن من جدواه نظم القلائد
وحسب أخي النعمى جزاء إذا امتطىسوائر من شعر على الدهر خالد
وقال أبو تمام في هذا المعنى:
إن القوافي والمساعي لم تزلمثل النظام إذا أصاب فريدا
هي جوهر نثر فإن ألفتهبالنظم صار قلائداً وعقودا
في كل معترك وكل مقامةيأخذن منه ذمة وعهودا
فإذا القصائد لم تكن خفراءهالم ترض منها مشهداً مشهودا
من أجل ذلك كانت العرب الألييدعون هذا سؤدداً محدودا
وتند عندهم العلى إلا علىجعلت لها مرر القصيد قيودا
قوله: «يأخذن منه ذمة وعهودا» يعني المساعي يأخذن من الشعر، «فإذا القصائد لم تكن خفراء المعالي» بأن تضمها وتنظمها «لم ترض منها مشهداً مشهودا» أراد أن يقول: لم يذكر منها مشهد، ولم يرو، ولم يتحدث به، فجعل مكان هذا «لم ترض»، وذلك أن الشعر يقيد المآثر، والحديث عنها منثوراً يقع فيه الزيادة والنقص، ثم ينسى، فهذا هو السؤدد المحدود الذي لم يتفق له من يقيده بالشعر، وقد أوضح هذا المعنى بالبيت الأخير، وكل حسن جميل.
وقال البحتري:
أيذهب هذا الدهر لم ير موضعيولم يدر ما مقدار حلي ولا عقدي
ويكسد مثلي وهو تاجر سؤدديبيع ثمينات المكارم والحمد
سوائر شعر جامع بدد العلىتعلقن من قبلي وأتعبن من بعدي
يقدر فيها صانع متعمللإحكامها تقدير داود في السرد
خليلي لو في المرخ أقدح إذ أبىرجال مؤاتاتي إذاً لكبا زندي
وما صادفتني كدية دون مدحهمفكيف أراني دون معروفهم أكدي
أأضرب أكباد المطايا إليهممطالبة مني وحاجاتهم عندي
قوله: «سوائر شعر جامع بدد العلى» كما قال أبو تمام:
«إلا على جعلت لها مرر القصيد قيودا»
وقوله: «لو في المرخ ....» فالمرخ أكثر الشجر ناراً، إذا قدح يوري، وفي المثل: «في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار»، أي: استكثر من النار، يقول: لو قدحت فيه لكبا زندي، أي لم يور، يذم زمانه وتعذر الأشياء عليه فيه، وهذا من إحسانه المشهور في وصفه لشعره.
وقال أبو تمام:
كما علم المستشعرون بأنهمبطاء عن الشعر الذي أنا قارض
كأني دينار ينادي ألا فتىيبارز إذ ناديت من ذا يعارض
فلا تنكروا ذل القوافي فقد رأىمحرمها أني له الدهر رائض
وهذا مرعى ولا كالسعدان، والبيت الأوسط بيت الركاكة.
وقال أيضاً:
فإن أنا لم يحمدك عني صاغراًعدوك فاعلم أنني غير حامد
بسياحة تنساق من غير سائقوتنقاد في الآفاق من غير قائد
إذا شردت سلت سخيمة شانيءوردت عزوباً من قلوب شوارد
أفادت صديقاً من عدو وغادرتأقارب دنياً من رجال أباعد
محببة ما إن تزال ترى لهاإلى كل أفق وافداً غير وافد
ومحلفة لما ترد أذن سامعفتصدر إلا عن يمين وشاهد
قوله: «فإن أنا لم أحمدك عني صاغراً عدوك»، يريد إنشاد العدو للقصيدة لحسنها، ونحو ذلك قول البحتري:
ليواصلنك ركب شعر سائريرويه فيك لحسنه الأعداء
وقوله: «إذا شردت سلت سخيمة شانيء»، و «أفادت صديقاً من عدو»، يعني نفسه بهذا لا الممدوح، لأن جليل المدح يزيد على عداوة العدو وشناءة الشانيء وحسد الحاسد، وإنما يريد سلت سخيمة الشانيء إذا سمع إحساني، وصار العدو لي بذلك صديقاً، وصار الغريب كالقريب، وكالذي مني، وقد بين ذلك بقوله: «محببة».
ونحو هذا قول البحتري:
مكرمة الأسباب فيها وسائلإلى غير ما يحبى بها وذرائع
تنال منال الليل في كل وجهةوتبقى كما تبقى النجوم الطوالع
وقوله: «تنال منال الليل في كل وجهة» أي في سيرها الآفاق، وهذا لا شيء أبلغ منه ولا ألطف، وأظنه أخطر بباله قول النابغة:
فإنك كالليل الذي هو مدركي
وقال في نحوه:
بلغن الأرض لم يلغبن فيهاوبعض الشعر يدركه اللغوب
وقال في نحوه:
تبيت أمام الريح منها طليعةوغدوتها شهر وروحتها شهر
وقال أبو تمام:
وسيارة في الأرض ليس بنازحعلى وخدها حزن سحيق ولا سهب
تذر ذرور الشمس في كل بلدةوتمضي جموحاً ما يرد لها غرب
قوله: «تذر ذرور الشمس» أحسن من كل ما مضى وأجود وألطف.
وقال:
نظمت له شعراً من الشعر تنضب الــبحور وما داناه من حليها عقد
تسير مسير الريح مطرفاتهوما السير منها لا العنيق ولا الوخد
تروح وتغدو بل يراح ويغتدىبها وهي حيرى لا تروح ولا تغدو
تقطع آفاق البلاد سوابقاًوما ابتل منها لا عذار ولا خد
قوله: «تسير مسير الريح مطرفاته» يعني مطرفات الشعر، أي مستحدثاته.
وقول البحتري:
وقول البحتري: «تبيت أمام الريح منها طليعة» أبلغ من هذا، وقد جعل فروة بن حميضة الأسدي الريح طليعة، فقال يهجو عمارة بن عقيل:
يخشى الرياح بأن تكون طليعةأو أن تحل به عقوبة ناذر
وقول البحتري أوكد، لأنه جعل قصيدته طليعة أمام الريح.
وقال أبو تمام:
فما بال وجه الشعر أغبر قاتموأنف العلى من عطلة الشعر راغم
ثم قال بعد بيت واحد:
فقد هز عطفيه القريض توقعاًلعدلك مذ ردت إليك المظالم
والذي وجهه أغبر قاتم لا يهز عطفيه، لأن هز العطف لا يكون إلا من المرح والأشر، ولا تكون المناقضة إلا هكذا، وهذا كله إنما يجلبه الشر والاستقصاء لما يكفي منه البلغة.
وقال في قصيدة يعتذر فيها إلى ابن أبي دؤاد:
خذها مثقفة القوافي ربهالسوابغ النعماء غير كنود
حذاء تملأ كل إذن حكمةوبلاغة وتدر كل وريد
كالطعنة النجلاء من يد ثائربأخيه أو كالضربة الأخدود
كالدر والمرجان ألف نظمهبالشذر في عنق الفتاة الرود
كشقيقة البرد المنمنم وشيهفي أرض مهرة أو بلاد تزيد
يعطى لها البشرى الكريم ويحتبىبردائها في المحفل المشهود
بشرى الغني أبي البنات تتابعتبشراؤه بالفارس المولود
كرقى الأساود والأراقم طالمانزعت حمات سخائم وحقود
والاعتذارات لا تختم بتقريض الشعر، وأن يقول: «خذها» وخاصة هذا الطويل المستقصى المعاني، لأنه في ذلك يقرض اعتذاره لإعجابه به، وهذا قبيح ومجانب للعادات، والأحسن أن يختم الاعتذار بمثل ما ختم به اعتذاره إلى موسى بن إبراهيم، وهو قوله:
فإن يك جرم عن أو تك هفوةعلى خطأ مني فعذري على عمد
وهذا يصلح أن يقال بعد وقوع العذر والرضى، وكذلك قول البحتري خاتماً لاعتذاره إلى الفتح:
ومثلك إن أبدى الفعال أعادهوإن صنع المعروف زاد وتمما
وقوله:
ولا عذر إلا أن بدء إساءةلها من زيادات الوشاة تمام
ويختم الاعتذار قبل وقوع الصفح بمثل قول أبي تمام:
ومن يأذن إلى الواشين تسلقمسامعه بألسنة حداد
وبمثل قول البحتري:
واحترس من ضياع حلمك في الجفــوة والإنقباض إن ضاع حلمي
ولولا الإطالة لذكرت من خواتم الشعر في الاعتذارات ما يؤكد هذا ويزيد في بيانه.
وقال أبو تمام:
جاءتك من نظم اللسان قلادةسمطان فيها اللؤلؤ المكنون
حذيت حذاء الحضرمية أرهفتوأجابها التخضير والتلسين
إنسية وحشية كثرت بهاحركات أهل الأرض وهي سكون
ينبوعها خضل وحلي قريضهاحلي الهدى ونسجها موضون
أما المعاني فهي أبكار إذافضت ولكن القوافي عون
أحذاكما صنع الضمير يمدهجفر إذا نضب الكلام معين
ويسيء بالإحسان ظناً لا كمنهو بابنه وبشره مفتون
وهذا كله جيد بالغ، ومن إحسانه المشهور، وأجود منه قوله:
نفق المديح ببابه فكسوتهعقداً من الياقوت غير مثقب
أولى المديح بأن يكون مهذباًما كان منه في أغر مهذب
غربت خلائقه وأغرب واصففيه فأحسن مغرب في مغرب
لما كرمت نطقت فيك بمنطقحق فلم آثم ولم أتحوب
ومتى امتدحت سواك كنت متى يضقعني له صدق المقالة أكذب
وقال البحتري:
وما عدلت عنك القصائد معدلاًولا تركت فضلاً لغيرك يحسب
ينظم منها لؤلؤ في سلوكهومن عجب تنظيم ما لا يثقب
يسر افتناني معشراً ويسوءهمويخلد ما افتن فيه وأسهب
ولم يبق كر الدهر غير علائقمن القول ترضي السامعين وتطرب
قوله: «ومن عجب تنظيم ما لا يثقب»، وقول أبي تمام: «غير مثقب» معنى متداول.
وقال أبو تمام:
إذا أنشدت في القوم ظلت كأنهامسرة كبر أو تداخلها عجب
مفصلة باللؤلؤ المنتقى لهامن الشعر إلا أنه اللؤلؤ الرطب
أراد: مفصلة باللؤلؤ من الشعر، أي بلؤلؤ الشعر، لا بلؤلؤ الصدف، ولم يرد المنتقى من الشعر، لأنه يكون مسروقاً من الشعر، وذلك عيب فاحش على الشاعر أن يعترف به.
وقوله: «إلا أنه اللؤلؤ الرطب» أي: محدث من اختراعه، ولم يكن سبق إليه.
وقال البحتري:
لأشكرنك إن الشكر نائلهأبقى على حالة من نائل النشب
بكل شاهدة للقوم غائبةعنهم جميعاً ولم يشهد ولم يغب
مرصوفة باللآلي من نوادرهامسبوكة اللفظ والمعنى من الذهب
ولم أحابك في مدح تكذبهبالفعل منك وبعض المدح من كذب
قوله: «لم أحابك في مدح تكذبه»، وقول أبي تمام: «وإذا امتدحت سواك ...» معنى قد تداولته الشعراء أيضاً وأكثرت فيه.
وقال أبو تمام:
إليك أثرت من تحت التراقيقوافي تستدر بلا عصاب
من القرطات في الآذان تبقىبقاء الوحي في الصم الصلاب
عراض الجاه تجزع كل وادمكرمة وتفتح كل باب
مضمنة كلال الركب تغنيغناء الزاد عنهم والركاب
إذا عارضتها في يوم فخرمسحت خدود سابقة عراب
تصير بها وهاد القوم هضباًوأعلاماً وتثلم في الروابي
قوله: «تستدر بلا عصاب» كما يفعل بالناقة عند الحلب، وهي العصوب، وإنما قيل لها ذلك، لأنها لا تدر حتى يعصب فخذاها.
وقوله: «تصير بها وهاد القوم هضباً» يريد أحسابهم التي لا تذكر وقد نسيت يرفعها الشعر من الانخفاض إلى الارتفاع، وقوله: «وتثلم في الروابي» يعني من جزالة لفظها وصلابته، أو لعله ذهب إلى نحو قوله: «تجزع كل واد» أي تقطع وتشق، وإنما يقطع بها في السير.
وقوله: «من القرطات في الآذان» يريد أن الآذان إذا سمعتها لم تنسها لحسنها، فتكون كأنها قرط في الآذان لا تفارقها، وقوله: «بقاء الوحي في الصم الصلاب» يريد الكتاب في الحجر، وهذا جار في عادات الناس أن يقولوا: مثل النقش في الحجر.
وقول البحتري: «وتبقى كما تبقى النجوم الطوالع» من قولهم: ما طلع نجم، وما لاح كوكب، ونحو هذا.
وقوله: «مسحت وجوه سابقة عراب» من قول تميم بن أبي بن مقبل يصف البيت من شعره:
أغر غريباً يمسح الناس وجههكما تمسح الأيدي الجواد المشهرا
أي: هو من جنس ما يمسح الناس وجهه لحسنه، لا أن هناك له وجه يمسح.
وقال البحتري:
جئناك نحمل ألفاظاً مدبجةكأنما وشيها من يمنة اليمن
تهدي القريض إلى رب القريض معاًكحامل العصب يهديه إلى عدن
من كل زهراء كالنوار مشرقةأبقى من الزمن الباقي من الزمن
قوله: «أبقى من الزمن الباقي من الزمن» من إغراقات أبي تمام، إلا أن هذا ليس بمستكره اللفظ ولا مما ينبو عنه القلب.
وقال البحتري:
تبلى الخطوب وأحداث الزمان ولاتبلى القوافي مثولاً والأعاريض
وقال أبو تمام:
فليلقينك حيث كنت قصائدفيها لأهل المكرمات مآرب
فكأنما هي في السماع جنادلوكأنما هي في القلوب كواكب
وإنما جعلها في السماع جنادل، وفي القلوب كواكب، ففرق بين السمع والقلب في التقسيم وحالهما واحدة، لأن الأشياء تتصور في القلوب ولا تتصور في الأسماع، فجعل جزالة اللفظ للأذن، وحسن المعاني للقلب.
وقال:
أما القوافي فقد حصنت غرتهافما يصاب دم منها ولا سلب
منعت إلا من الأكفاء ناكحهاوكان منك عليها العطف والحدب
ولو عضلت عن الأكفاء أيمهاولم يكن لك في أطهارها أرب
كانت بنات نصيب حين ضن بهاعن الموالي ولم تحفل بها العرب
قد فسر معنى البيت الأول بالثاني بقوله: «فما يصاب دم منها ولا سلب»، لأنه منع القصائد أن تقال إلا في كفء سيد رئيس، فما يصاب دم منها ولا سلب، لأنها إن قيلت في وضيع لئيم، فكأنها مما أصيب فذهب دمع وسلبه، وهذا محذو على قول ابن هرمة:
كأن قصائدي لك فاصطنعنيكرائم قد عطلن عن النكاح
وقال:
خذها مغربة في الأرض آنسةبكل فهم غريب حين تغترب
من كل قافية فيها إذا اجتنيتمن كل ما يشتهيه الهائم الوصب
الجد والهزل في توشيع لحمتهاوالنبل والسخف والأشجان والطرب
لا يستقي من جفير الكتب رونقهاولم تزل تستقي من بحرها الكتب
حسيبة في صميم المدح منصبهاإذ أكثر الشعر ملقى ما له حسب
قوله: «الجد والهزل في توشيع لحمتها» بيت في غاية الحمق، ومن يمدح وزيراً فلم يضمن قصيدته الهزل والسخف؟، وإن كان هناك ما يدل على هذا فلم نبه عليه واعترف به؟، لعمري إن قوله فيها: وزير حق ووالي شطرة ورحا ... ديوان ملك وشيعي ومحتسب
سخف يزيد على كل سخف.
وقوله:
إن القصائد يممتك شوارداً فتحرمت بنداك قبل تحرمي
ما عرست حتى أتاك بفارسريعانها والغزو قبل المغنم
فجعلت قيمها الضمير ومكنتمنه فصارت قيما للقيم
خذها فما زالت على استقلالهامشغولة بمثقف ومقوم
تدر الفتى من الرجاء وراءهاوترود في كنف الرجاء القشعم
زهراء أحلى في الفؤاد من المنىوألذ من ريق الأحبة في الفم
وهذا البيت من إحسانه المشهور.
وكان محمد بن الهيثم مقيماً بفارس، وأنفذ أبو تمام هذه القصيدة إليه، أظن ذاك قبل مقدمه عليه، فلذلك قال: «حتى أتاك بفارس ريعانها»، وريعان كل شيء أوله، وإنما أراد: حتى أتاك سابقها، أي: حتى أتتك سابقة، وقوله: «والغزو قبل المغنم» لأنه قصده إلى فارس، وقوله: «فجعلت قيمها الضمير» أراد أن يقول: فجعلت قلبك قيمها، يعني بالتأمل والتدبر، «ومكنت منه» بحسن معانيها «فصارت قيماً للقيم» أي على القيم، وهذا من إغراقه المكروه واستعاراته المتعسفة، وقوله: «بمثقف ومقوم» أي: بتثقيف وتقويم، وقوله: «تذر الفتى من الرجاء وراءها» يعني من الرجاء، أي: لا أرجو إلا السادة والعظماء.
وقال أبو تمام:
يا خاطباً مدحي إلي بجودهولقد خطبت قليلة الخطاب
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجىوالليل أسود رقعة الجلباب
بكراً تورث في الحياة وتنثنيفي السلم وهي كثيرة الأسلاب
ويزيدها مر الليالي جدةوتقادم الأيام حسن شباب
قوله: «تورث في الحياة» أي تصير ميراثاً لولد الممدوح وأهله قبل وفاته،
لأن افتخارهم بما فيها من مناقبه في حياته كفخرهم بها بعد وفاته، وقوله: «كثيرة الأسلاب» أي: يؤخذ من معانيها غصباً وسلباً وليس هناك حرب.
وقال أبو تمام:
إليك بعثت أبكار المعانييليها سائق عجل وحادي
جوائر عن ذنابى القوم حيرىهوادي بالجماجم والهوادي
شداد الأسر سالمة النواحيمن الإقواء فيها والسناد
لها في الهاجس القدح المعلىوفي كتب القوافي والعماد
منزهة عن السرق المورىمكرمة عن المعنى المعاد
قوله: «جوائر عن ذنابى القوم» مثل قوله: «تذر الفتى من الرجاء وراءها».
ولله در أبي عبادة إذ يقول:
ويلؤم سائل البخلاء حرصاًوإسرافاً كما لؤم البخيل
«الإسراف» الطمع.
وقول أبي تمام: «لها في الهاجس القدح المعلى»، والهاجس الفكر والخاطر، و «القدح»: السهم من سهام الميسر، و «المعلى»: أكثرها نصيباً، وهذا تمثيل مستقيم، إلا أن قوله: «في كتب القوافي والعماد» ركاكة منه، وأي فضل لقافية هذه القصيدة على سائر القوافي حتى يجعل لها القدح المعلى والعماد؟، إن كان أراد هذه الألف قبل الدال، فإنه لا يقال فيها «عماد»، وإنما يقال لها «الردف»، وأظنه أراد بالعماد إقامة الوزن، وذهب إلى العروض، يقال: عمد وعماد، كما يقال: جمل وجمال، أي: في كتب القوافي والعروض، وهذا اختلال قبيح وعي، وزيادة وصف لم يكن به إليه حاجة ولو أسقط البيت.
وقال:
تلك القوافي قد أتينك نزعاًتتجشم التهجير والتغليسا
من كل شاردة تغادر بعدهاحظ الرجال من القريض خسيسا
وجديدة المعنى إذا معنى التيتشقى بها الأسماع كان لبيسا
تلهو بعاجل حسنها وتعدهاعلقاً لأعجاز الزمان نفيسا
من دوحة الكلم التي لم ينفككوقفاً عليك رصينه محبوسا
كالنجم إن سافرت كان مواكباًوإذا حططت الرحل كان جليسا
ومعنى هذا البيت من معانيه اللطيفة المشهورة، قوله: «لأعجاز الزمان» أراد بالأعجاز أواخر الزمان، وهذا لفظ وإن كان معناه صحيحاً، فإنه لا يكاد يستعمل بأن يقال: إذا عجز الزمان كذا وكذا، وإنما يقال: إذا كان في آخر الزمان، وإنما قال: أعجاز الزمان، من أجل قوله: «تلهو بعاجل حسنها»، فأراد أن يطابق بين عاجل وآجل، فلم يستو له آجل الزمان، فجعل مكانه أعجاز الزمان، ولو قال: أغبار الزمان، وغبر الزمان: باقي الزمان، كان أحسن من أعجاز الزمان، لأن غابر الأيام لفظ مستعمل حسن، فإذا وقع في موقع المستعمل ما هو في معناه وليس بمستعمل في ذلك قبح وهجن، ولكن ليست لأبي تمام عناية باللفظ كعنايته بالمعاني، فهو إذا جاءه المعنى أورده بأي لفظ استوى له، والبحتري عنايته مصروفة إلى تخير الألفاظ كما يتخير المعاني وذلك قوله:
بمنقوشة نقش الدنانير يبتغيلها اللفظ مختاراً كما ينتقى التبر
وقوله:
مرصوفة باللآلي من نوادرهامسبوكة اللفظ والمعنى من الذهب
وقال أبو تمام:
إليك أرحنا عازب الشعر بعدماتمهل في روض المعاني العجائب
غرائب لاقت في فنائك أنسهامن المجد فهي الآن غير غرائب
ولو كان يفنى الشعر أفنته ما قرتحياضك منه في العصور الذواهب
ولكنه صوب العقول إذا انجلتسحائب منه أعقبت بسحائب
وهذا من أحسانه المعروف المشهور المذكور الذي لا يدفع، وإن كان مبنياً على قول أوس بن حجر:
أقول بما صبت علي غمامتيودهري في حبل العشيرة أحطب
وبيت أبي تمام أجود لفظاً وسبكاً وتلخيصاً للمعنى، وهو أحق به.
وقال أبو تمام:
ووالله لا أنفك أهدي شوارداًإليك يحملن الثناء المنخلا
تخال به برداً عليك محبراًوتحسبه عقداً عليك مفصلا
ألذ من السلوى وأطيب نفحةمن المسك مفتوقاً وأيسر محملا
أخف على قلب وأثقل قيمةوأقصر في سمع الجليس وأطولا
ويزهى له قوم ولم يمدحوا بهإذا مثل الراوي به أو تمثلا
وهذا أيضاً من جيد هذا الباب ومشهوره.
وقال:
سوف أكسوك ما يعفي عليكمن ثناء كالبرد برد الصناع
حسن هاتيك في العيون وهذيحسنها في القلوب والأسماع
وقال:
أرى الداليتين على جفاءلديك وكل واحدة نضار
إذا ما شعر قوم كان ليلاًتبلجتا كما انشق النهار
وهذا غاية في حسنه لفظاً ومعنى لو كان اقتصر عليه ولكنه شره إلى أن قال:
فإن كانت قصائدهم جدوباًتلونتا كما ازدوج البهار
أغرتهما وغيرهما محلىبجودك والقوافي قد تعار
فقوله: «وإن كانت قصائدهم جدوباً» هو كقوله: «إذا ما شعر قوم كان ليلاً» يريد مظلمة من المعاني، مجدبة منها، وقوله: «تلونتا كما ازدوج البهار» هو معنى قوله: «تبلجتا كما انشق النهار»، وإنما يريد تبلجتا بالمعاني، وكذلك تلونتا، وهذا وإن كان توكيداً للأول، وكان سائغاً جائزاً، فهو منحط المعنى عن الأول انحطاطًا كثيراً، فكأنه إنما شانه ونقصه ولم يزده.
وقال البحتري:
ألست الموالي فيك نظم قصائدهي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما
ثناء كأن الروض منه منوراًضحى وكأن الوشي منه مسهما
وقال:
أحسن أبا حسن بالشعر إذ جعلتعليك أنجمه بالمدح تنتثر
فقد أتتك القوافي غب فائدةكما تفتح غب الوابل الزهر
وهذا ما لا شيء أحسن منه ولا أصح منه.
وقال في مثله:
قد تلافى القريض جودك فارتــث لقى مشفياً على الإنقراض
نعم أبدت المصون المغطىمنه تحت الجفون والإغماض
كالغوادي أظهرن كل خفيمستسر في زاهرات الرياض
وقال في نحوه:
إن هذا القريض نبت من القول يزيد الفعال في إيناعه
وهذا كله غاية في حسنه وصحته.
وقال:
هل يثرين في ابن نصر من تطولهقول على ألسن الراوين مقروض
مثل الحلي جلته كف صائغهفيه خليطان تذهيب وتفضيض
وأرسلت أفواف القوافي شوافعاًإليك وقد يجدي لديك رسولها
زواهر نور ما يجف جنيهاوأنجم ليل ما يخاف أفولها
وقال:
فله في مدائحي حكمه الأوفي ولي في نواله الغمر حكمي
كل مشهورة يؤلف منهابين درية الكواكب نظمي
أينما قام منشد لاح نجميتلالا منها على إثر نجم
وقال:
إليك القوافي نازعات قواصديسير ضاحي وشيها وينمنم
ومشرقة في النظم غر يزيدهابهاء وحسناً أنها لك تنظم
ضوامن للحاجات إما شوافعاًمشفعة أو حاكمات تحكم
وكأين غدت لي وهي شعر مسيروراحت علي وهي مال مسوم
وهذا معنى في غاية الصحة والاستقامة والحسن.
وقال أبو تمام:
لم تسق بعد الهوى ماء أقل قذىكماء قافية يسقيكه فهم
من كل بيت يكاد الميت يفهمهحسناً ويعبده القرطاس والقلم
يظل سالكه والفكر مالكهكأنه مستهام أو به لمم
مالي ومالك مثل وهي منشدةإلا زهير وقد أصغى له هرم
قوله: «كماء قافية يسقيكه فهم»، جعل للقافية ماء يسقى، وجعل فيه قذى إلا أن قذاة أقل قذى من كل ماء الهوى، وجعل للهوى أيضاً ماء قليل القذى، وهذه استعارة في غاية الركاكة والقبح والبعد من صواب الاستعارات، لأن الهوى بأن توصف بكثرة القذى أولى من أن توصف بقلته، وقال: «يسقيكه فهم» فحرك الهاء، وهو يريد فهم قائلها، ولم يرد القافية نفسها، وإنما أراد القصيدة.
وقوله: «يظل سالكه» أي سالك الفهم الذي يسلك في المعنى، والفكر مالكه، «كأنه مستهام» يعني الفهم لكثرة تردده وتسكعه.
وقوله: «من كل بيت يكاد الميت يفهمه»، فالأحياء ما فهمته فهلا عن الموتى؟!
وقال أبو تمام في أبي المغيث:
خذها فما نالها بضرموت جرير ولا العيث
وكن كريماً تجد كريماًفي شكره يا أبا المغيث
حكى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح أن أبا تمام أنشد أبا المغيث هذه القصيدة وعنده يوسف بن المغيرة القشيري وكان شاعراً عالماً أديباً فقال لأبي المغيث: قد هجاك بقوله: «كن كريماً» وهذا لا يقال لكريم، وإنما يقال للئيم، فهجا أبو تمام يوسف بن المغيرة فقال:
أيوسف جئت بالعجب العجيبتركت الناس في أمر مريب
أما لو أن جهلك كان علماًإذاً لنفذت في علم الغيوب
سمعت بكل داهبة نآدولم أسمع بزجاج أديب
وغرض أبي تمام في هذا معروف، وإنما أراد: كن كريماً في أمري، ولكن ليس بجيد أن يقول في مدح رجل:
بنان موسى إذا استهلتكانت ضروباً من الغيوث
حيث الندى والسدى جميعاًوملجأ الخائف الكريث
ثم يقول بعد ذلك: «وكن كريماً»، ولو قال:
واعجل بجود تجد عجولاًبشكره
كان أحسن وأجمل، وليس بمنكر أن يقول الشاعر للممدوح: «كن كريماً»، إذا كان ممن يقال لمثله، بعد ألا يكون قدم مدحاً فاخراً يكون هذا نقصاً له.
وقال البحتري:
أيغضب أن يعاتب بالقوافيوفيها المجد والشرف الحسيب
وكم من آمل هجوي ليحظىبذكر منه يصعد أو يصوب
فكيف بسير متنخلاتتجوب من الفيافي ما تجوب
ينافس سامع فيها أباهإذا جعلت بسؤدده تهيب
فهذا ماوجدته لهما في وصف قصائدهما، فأما أبو تمام فقد مضى له عين نادر وجيد بالغ ورديء سقوط، وقد ذكرت جودة الجيد في موضعه ورداءة الرديء، فأما العين النادر فقوله:
يود وداداً أن أعضاء جسمهإذا أنشدت شوقاً إليها مسامع
وقوله:
كالنجم إن سافرت كان مواكباًوإذا حططت الرحل كان جليسا
وقوله -وإن كان محذواً على قول أوس بن حجر-:
ولكنه صوب العقول إذا انجلتسحائب منه أعقبت بسحائب
وقوله:
زهراء أحلى في القلوب من المنىوألذ من ريق الأحبة في الفم
وقوله:
تداركه إن المكرمات أصابعوإن حلي الشعر فيها خواتم
وأما البحتري فقد مضى له عين نادر وجيد بالغ ولم يمض له رديء، فأما العين فقوله:
فقد أتتك القوافي غب فائدةكما تفتح غب الوابل الزهر
وهذا معنى في غاية الحسن والحلاوة، والبيت أيضاً قائم بنفسه وغير محتاج إلى ما قبله.
وقوله:
كالغوادي أظهرن كل خفيمستسر في زاهرات الرياض
وهذا محتاج إلى ما قبله.
وقوله:
وكأين غدت لي وهي شعر مسيروراحت علي وهي مال مسوم
فأقول في الموازنة بينهما: إن عيون شعر أبي تمام أجود من عيون شعر البحتري، وهما في جيدهما متساويان، وأطرح إساءات أبي تمام في هذا الباب فلا أعتد بها.
وقد مدحت الأوائل أشعارهما ووصفتها، فقال كعب بن زهير:
فمن للقوافي شابها من يحوكهاإذا ما ثوى كعب وفوز جرول
يقول فلا يعيى بشيء يقولهومن قائليها من يسيء ويعمل
يقومها حتى تلين متونهافيقصر عنها كل ما يتمثل
كفيتك لا تلقى من الناس شاعراًتنخل منها مثل ما انتخل
وقال تميم بن أبي بن مقبل:
إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترىلها قائلاً بعدي أطب وأشعرا
وأكثر بيتاً شارداً ضربت بهحزون جبال الشعر حتى تيسرا
أغر غريباً يمسح الناس وجههكما تمسح الأيدي الجواد المشهرا
وقال سويد بن كراع -جاهلي إسلامي-:
أبيت بأبواب القوافي كأنماأصادي بها سرباً من الوحش نزعا
أكالئها حتى أعرس بعد مايكون سحيراً أو بعيد فأهجعا
عواصي إلا ما جعلت وراءهاعصا مربد تغشى نحوراً وأذرعا
أهبت بغر الآبدات فراجعتطريقاً أملته القصائد مهيعا
بعيدة شأو لا يكاد يردهالها طالب حتى يكل ويظلعا
إذا خفت أن تروى علي رددتهاوراء التراقي خشية أن تطلعا
وجشمني خوف ابن عفان ردهافثقفتها حولاً جريداً ومربعا
وقد كان في نفسي عليها زيادةفلم أر إلا أن أطيع وأسمعا
وقال المسيب بن علس:
فلأهدين مع الرياح قصيدةمني مغلغلة إلى القعقاع
ترد المياه فلا تزال غريبةفي القوم بين تمثل وسماع
قوله: «وسماع» لأنهم كانوا يتغنون في النشيد.
أخذ أبو تمام قوله: «فلأهدين مع الرياح قصيدة» فقال:
تسير مسير الريح مطرفاتهوما السير منها لا العنيق ولا الوخد
النص من طبعتي دار المعارف (الرابعة) ومكتبة الخانجي (١٩٩٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين. الكتاب ناقص في أصوله. مصادر الموقع