من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
ابن الخل
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أحمد بن المبارك بن أحمد بن عبد الله بن الخل؛ ولد سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، وتوفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة، ﵀؛ كان فاضلاً أديباً شاعراً، وهو أخو الفقيه ابن الخل شارح التنبيه؛ من شعره ذوبيت:
ساروا وأقام في فؤادي الكمدلم يلق كما لقيت منهم أحد
شوقٌ وجوى ونار وجدٍ تقدمالي جلدٌ، ضعفت، مالي جلد وله أيضاً:
هذا ولهي وقد كتمت الولهاصوناً لحديث من هوى النفس لها
يا آخر محنتي ويا أوّلهاآيات غرامي فيك من أوّلها
وله في بعض الوعاظ:
ومن الشقاوة أنهم ركنوا إلىنزغات ذاك الأحمق النمّام
شيخٌ يبهرج دينه بنفاقهونفاقه منهم على أقوام
وإذا رأى الكرسيّ تاه بأنفهأي أنّ هذا موطني ومقامي
ويدقّ صدراً ما انطوى إلاّ علىغلٍّ يواريه بكفّ عظام
ويقول أيش أقول، من حصرٍ بهلا لازدحام عبارةٍ وكلام
ابن خلكان
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان قاضي القضاة شمس الدين الإربلي الشافعي؛ ولد باربل سنة ثمان وستمائة، وسمع بها صحيح البخاري من ابن مكرم الصوفي، وأجاز له المؤيد الطوسي، وروى عنه البرزالي والمزي. وكان فاضلاً بارعاً متقناً عارفاً بالمذهب، حسن الفتاوي، بصيراً بالعربية، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة، وافر الحرمة، وصنف كتاب وفيات الأعيان وقد اشتهر كثيراً. وله مجاميع أدبية.
قدم الشام في شبيبته، وتفقه بالموصل على كمال الدين ابن يونس، وبحلب على بهاء الدين ابن شداد وغيرهما، ودخل مصر وسكنها وتأهل بها، وناب بها في القضاء عن بدر الدين السنجاري، ثم قدم الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفرداً بالأمر، ثم أقيم معه في القضاء سنة أربع وستين شمس الدين ابن عطا الحنفي وزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي وشمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر الحنبلي، وكان الحنفي قبل ذلك نائباً للشافعي. ثم عزل عن القضاء سنة تسع وستين بالقاضي عز الدين ابن الصايغ، ثم عزل ابن الصايغ بعد سبع سنين به، وقدم من مصر، فدخل دخولاً لم يدخله غيره مثله من الحكام، وكان يوماً مشهوداً، وجلس في منصب حكمه، وتكلم الشعراء، فقال الشيخ رشيد الدين الفارقي:
أنت في الشام مثل يوسف في مص؟ر وعندي أن الكرام جناس
ولكلٍّ سبعٌ شداد وبعد الس؟بع عام فيه يغاث الناس ثاني
وقال سعد الدين الفارقي:
أذقت الشام سبع سنين جدباًغداة هجرته هجراً جميلاً
فلمّا زرته من أرض مصرٍمددت عليه من كفيك نيلا
وقال نور الدين ابن مصعب:
رأيت أهل الشآم طرّاًما فيهم قطّ غير راض
نالهم الخير بعد شرٍّفالوقت بسطٌ بلا انقباض
وعوّضوا فرحةً بحزنمذ أنصف الدهر في التقاضي
وسرهم بعد طول غمقدوم قاض وعزل قاضي
فكلهم شاكرٌ وشاكٍبحال مستقبلٍ وماض
وكان كريماً ممدحاً فيه ستر وعفو وحلم، وحكاياته في ذلك مشهورة؛ ثم عزل بابن الصايغ، وبقي في يده الأمينية والنجيبية إلى أن مات ﵀، سادس رجب سنة إحدى وثمانين وستمائة بالنجيبية جوار النورية، وشيعه الخلايق، ودفن بسفح قاسيون.
وكان وجيه الدين ابن سويد صاحبه وكان يسومه قضاء أشغال كثيرة، ويقضيها فحضر في بعض الأيام ورام منه أمراً متعذراً فاعتذر، فقال وجيه الدين: ما يكون الصاحب صاحباً حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم، فقال له ابن خلكان: يا وجيه الدين، صرنا معك قشل مشل وما ترضى.
ويقال إنه عمل سيرة للملك الظاهر، وأوصل نسبه بجنكزخان، فلما وقف عليه قال: هذا يصلح أن يكون وزيراً، اطلبوه، فطلبوه فبلغ الخبر الصاحب بهاء الدين ابن حنا، فسعى في القضية إلى أن أبطل ذلك، وناسى السلطان عليه، فبقي في القاهرة يركب كل يوم، ويقف في باب القرافة، ويمشي قدام الصاحب إلى أن يوصله إلى بيته، وافتقر حتى لم يبق له غير البغلة لركوبه، وكان له عبد يعمل بابا ويطعمه. وكان الشيخ بهاء الدين ابن النحاس يؤثره، والصاحب بهاء الدين لا يحنو عليه، حتى فاوضه الدوادار وقال له: إلى متى يبقى هذا على هذه الحالة؟ فجهز إلى دمشق على القضاء.
ولما كان بطالاً أمر له بدر الدين الخازن دار بألفي درهم ومائة إردب قمح فأبى من قبولها وقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثديها، ولم يقبل وأصر على الامتناع مع الفاقة الشديدة.
وكان له ميل إلى بعض أولاد الملوك، وله فيه أشعار رائقة، يقال، إنه أول يوم زاره بسط له الطرحة، وقال له: ما عندي أعز من هذه، طأ عليها، ولما فشا أمرهما وعلم به أهله منعوه الركوب، فقال ابن خلكان:
يا سادتي إني قنعت وحقكمفي حبّكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفاًورأيتهم هجري وفرط تجنّبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترىيوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذيألقاه من كمدٍ إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالةلولاك لم يك حملها من مذهبي
ومن البليّة والرزيّة أننيأقضي وما تدري الذي قد حل بي
قسماً بوجهك وهو بدرٌ طالعٌوبليل طرتك التي كالغيهب
وبقامة لك كالقضيب ركبت منأخطارها في الحب أعظم مركب
وبطيب مبسمك الشهيّ البارد العذب النمير اللؤلؤيّ الأشنب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها العهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذّ ليخلع العذار ولجّ فيك مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذليقد جنّ هذا الشيخ في هذا الصبي
فارحم فديتك حرقةً قد قاربتكشف القناع بحق ذيّاك النبي
لا تفضحنّ بحبّك الصبّ الذيجرعته في الحبّ أكدر مشرب
قال القاضي جمال الدين عبد القاهر التبريزي وسيأتي ذكره إن شاء الله: كان الذي يهواه القاضي شمس الدين ابن خلكان الملك المسعود ابن الزاهر صاحب حماة، وكان قد تيمه حبه، وكنت أنا عنده في العادلية، فتحدثنا في بعض الليالي إلى أن راح الناس من عنده، فقال: نم أنت ها هنا، وألقى عليّ فروة قرض وقام يدور حول البركة في بيت العادلية، ويكرر هذين البيتين، إلى أن أصبح، وتوضينا وصلينا، والبيتان المذكوران:
أنا والله هالكٌآيسٌ من سلامتي
أو أرى القامة التيقد أقامت قيامتي ويقال: إنه سأل بعض أصحابه عما يقولوه أهل دمشق فيه فاستعفاه، فألح عليه
فقال: يقولون: إنك تكذب في نسبك، وتأكل الحشيشة، وتحب الصبيان، فقال: أما النسب والكذب فيه فإذا كان لا بد منه كنت أنتسب إلى العباس، أو إلى علي بن أبي طالب، أو إلى أحد الصحابة، وأما النسب إلى قوم لم يبق لهم بقية، وأصلهم قوم مجوس، فما فيه فايدة، وأما الحشيشة فالكل ارتكاب محرم، وإذا كان ولا بد فكنت أشرب الخمر لأنه ألذ، وأما محبة الغلمان فإلى غد أجيبك عن هذه المسألة.
وذكره الصاحب كمال الدين ابن العديم، ونسبه إلى البرامكة. ومن شعره أيضاً:
وسرب ظباء في غدير تخالهمبدوراً بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول عذولي والغرام مصاحبيأما لك عن هذي الصبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترىفقلت له: دعهم يخوضوا ويلعبوا وقال أيضاً:
كم قلت لما أطلعت وجناتهحول الشقيق الغضّ روضة آس
أعذاره الساري العجول بخدّهما في وقوفك ساعة من باس
وقال أيضاً:
لمّا بدا العارض في خدّهبشّرت قلبي بالسلو المقيم
وقلت: هذا عارضٌ ممطرفجاءني فيه العذاب الأليم وقال أيضاً:
وما سرّ قلبي منذ شطّت بك النوىنعيمٌ ولا لهوٌ ولا متصرّف
ولا ذقت طعم الماء إلاّ وجدتهسوى ذلك الماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذّات إلاّ تكلفاوأيّ سرور يقتضيه التكلّف وقال:
أحبابنا لو لقيتم في إقامتكممن الصبابة ما لاقيت في ظعني
لأصبح البحر من أنفاسكم يبساًوالبر من أدمعي ينشق بالسفن وقال:
تمثّلتم لي والديار بعيدةٌفخيل لي أن الفؤاد لكم مغنى
وناجاكم قلبي على البعد والنوىفأوحشتم لفظا وآنستم معنى وقال أيضاً:
انظر إلى عارضه فوقهلحاظه يرسل منها الحتوف
تعاين الجنّة في خدّهلكنها تحت ظلال السيوف
وقال في ملاح أربعة يلقب أحدهم بالسيف:
ملاّك بلدتنا بالحسن أربعةبحسنهم في جميع الخلق قد فتكوا
تملكوا مهج العشّاق وافتتحوابالسيف قلبي ولولا السيف ما ملكوا
وقال:
ألا يا سائراً في قفر عمرٍيقاسي في السّرى حزناً وسهلا
قطعت نقا المشيب وجزت عنهوما بعد النّقا إلاّ المصلى وقال:
أيّ ليلٍ على المحبّ أطالهسائق الظّعن يوم زمّ جماله
يزجر العيس طاوياً يقطع المه؟مه عسفاً سهوله ورماله
أيها السّائق المجدّ ترفّقبالمطايا فقد سئمن الرحاله
وأنخها هنيهةً وأرحهاقد براها فرط السرى والكلاله
لا تطل سيرها العنيف فقد برّح بالصّبّ في سراها الإطاله
قد تركتم وراءكم حلف وجدٍبادياً في محلّكم إطلاله
يسأل الربع عن ظباء المصلّىما على الربع لو أجاب سؤاله
ومحالٌ من المحيل جوابٌغير أن الوقوف فيها علاله
هذه سنة المحبّين يبكون على كلّ منزل لا محاله
يا ديار الأحباب لا زالت الأدمع في ترب ساحتيك مُذاله
وتمشى النّسيم وهو عليلٌفي مغانيك ساحباً أذياله
أين عيش مضى لنا فيك ما أس؟رع عنّا ذهابه وزواله
حيث وجه الشباب طلقٌ نضيرٌوالتصابي غضونه ميّاله
ولنا فيك طيب أوقات أنسليتنا في المنام نلقى مثاله
وبأرجاء جوّك الرحب سربٌكلّ عينٍ تراه تهوى جماله
من فتاةٍ بديعة الحسن ترنومن جفون لحاظها مغتاله
ورخيم الدّلال حلو المعانيتتثنّى أعطافه مختاله
ذو قوام تودّ كلّ غصون البان لو أنها تحاكي اعتداله
وجهه في الظلام بدر تمامٍوعذاراه حوله كالهاله
ظبية تبهر العيون جمالاًوغزال تغار منه الغزالة
يا خليلي إذا أتيت ربى الجزع وعاينت روضه وظلاله
قف به ناشداً فؤادي فلي ثمّفؤادٌ أخشى عليه ضلاله
وبأعلى الكثيب بيت أغضّالطّرف عنه مهابةً وجلاله
كلّ من جئته لأسأل عنهأظهر العيّ غيرةً وتباله
أنا أدري به ولكنّ صوناًأتعامى عنه وأبدي جهاله
منزلٌ حبّه عليّ قديمٌفي زمان الصّبا وعصر البطاله
يا عريب الحمى اعذروني فإنيما تجنبت أرضكم عن ملاله
حاش لله غير أنّي أخشىمن عدوّ يسيء فينا المقاله
فتأخرت عنكم قانعاً منطيفكم في المنام يهدي خياله
أتمنّى في النّوم زور خيالٍوالأماني أطماعها قتّاله
يا أهيل النّقا وحق ليالي الوص؟ل ما صبوتي عليكم ضلاله
لي مذ غبتم عن العين نارٌليس تخبو وأدمعٌ هطّاله
فصلونا إن شئتم أو فصدّوالا عدمناكم على كل حاله وقال:
يا ربّ إن العبد يخفي عيبهفاستر بحلمك ما بدا من عيبه
ولقد أتاك وما له من شافعٍلذنوبه فاقبل شفاعة شيبه وقال:
أعديتني بالجوى يا فاتر المقلفصحّ وجدي على ما بي من العلل
وملت عني إلى الواشي فلا عجبٌوالغصن ما زال مطبوعاً على الميل
يا واحد الحسن عدني زورةً حلماًوها يدي إن نومي قد جفا مقلي
يا جيرةً بأعالي الخيف من إضمٍخيّبتم بجفاكم في الهوى أملي
وملتم بجميل الصبر عن دنفٍأجلّ ما يتمنى سرعة الأجل
تجري على الخد مذ غبتم مدامعهوما عسى ينفع الباكي على طلل
وقال أيضاً ﵀:
أيا غادراً خانت مواثيق عهدهلقد جرت في حكم الغرام على الصبّ
وأقصيته من بعد أنسٍ وصحبةٍوما هكذا فعل الأحبّة والصحب
فلله أيّامٌ تقضّت حميدةًبقربك واللّذات في المنزل الرحب
وإذ أنت في عيني ألذّ من الكرىوأشهى إلى قلبي من البارد العذب
فلهفي على ذاك الزمان الذي غدتعليه دموع العين دائمة السّكب
ومذ صرت ترضيني بقولٍ منمّقٍوتظهر لي سلماً أشدّ من الحرب
ثنيت عناني عن هواك زهادةًوإن كنت في أعلى المراتب من قلبي
لأني رأيت القلب عندك ضائعاًتعذبه كيف اشتهيت بلا ذنب
ولم تحفظ الودّ الذي هو بينناولم ترع أسباب المودّة والحب
ولا أنت في قيد المحبّ إذا غداتقلبه الأشواق جنباً إلى جنب
ولا أنت ممّن يرعوي لمقالتيفأشفي قلبي بالشّكيّة والعتب
ولا رمت منك القرب إلاّ جفوتنيوأبعدتني حتى يئست من القرب
وأصغيت للواشي وصدقت قولهوضيّعت ما بيني وبينك بالكذب
فلم يبق لي والله فيك إرادةٌكفاني الذي قاسيته فيك من عجب
ولا لي في حبيك ما عشت رغبةٌأبى الله أن تسبي فؤادي أو تصبي
ومن ذا الذي يقوى على حمل بعض ماتجرعته بالذلّ من خلقك الصعب
فلا ترج منّي بعد ذا حسن صحبةفحسبي سلواً بعض ما قلته حسبي
فلا تعتبنّي قد قطعت مطامعيوخففت حتى في الرسائل والكتب
وقال في المعنى:
أيا معرضاً عنّي بغير جنايةٍأما تستحي من فرط تيهك والعجب
سلوتك فاصنع ما تشاء فإنّهمحا كثرة التقبيح حبك من قلبي
وقال أيضاً ذوبيت:
هذا الصلف الزائد في معناهقد حيرني فلست أدري ما هو
كم يحمل قلبي من تجنيك ولايدري أحدٌ بذاك إلاّ الله وقال أيضاً:
في هامش خدك البديع القانيتصحيح غرام كلّ صبٍّ عاني
قد خرجها الباري فما ألطفهامن حاشيةٍ بالقلم الريحاني وقال أيضاً:
يا سعد عساك تطرق الحي عساكقصداً فإذا رأيت من حلّ هناك
قل صبك ما زال به الوجد إلىأن مات غراماً أحسن الله عزاك
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع