من «فوات الوفيات» لمحمد بن شاكر الكتبي (ت ٧٦٤هـ)
شمس الدين ابن العفيف التلمساني
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
محمد بن سليمان بن علي، شمس الدين ابن الشيخ عفيف الدين التلمساني؛ قال القاضي شهاب الدين ابن فضل الله في حقه: نسيم سرى، ونعيم جرى، وطيف لا بل أخف موقعاً منه في الكرى، لم يأت إلا بما خف على القلوب، وبرئ من العيوب، رق شعره فكاد أن يشرب، ودق فلا غرو للقضب أن ترقص والحمام أن يطرب، ولزم طريقة دخل فيها لا استئذان، وولج القلوب ولم يقرع باب الآذان، وكان لأهل عصره ومن جاء على آثارهم افتتان بشعره وخاصة أهل دمشق فإنه بين غمائم حياضهم ربي، وفي كمائم رياضهم حبي، حتى تدفق نهره، وأينع زهره، وقد أدركت جماعة من خلطائه لا يرون عليه تفضيل شاعر، لا يروون له شعراً إلا وهم يعظمونه كالمشاعر، لا ينظرون له بيتاً إلا كالبيت، ولا يقدمون عليه سابقاً حتى لو قلت ولا امرأ القيس لما باليت، ومرت له ولهم بالحمى أوقات لم يبق من زمانها إلا تذكره، ولا من إحسانها إلا تشكره، وأكثر شعره لا بل كله رشيق الألفاظ، سهل على الحفاظ، لا يخلو من الألفاظ العامية، وما تحلو به المذاهب الكلامية، فلهذا علق بكل خاطر، وولع به كل ذاكر، وعاجله أجله فاخترم، وحرم أحباه لذة الحياة وحرم.
فمن شعره:
بلا غيبة للبدر وجهك أجملوما أنا فيما قلته متجمل
ولا عيب عندي فيك لولا صيانةلديك بها كل امرئ يتبذل
لحاظك أسياف ذكور فما لهاكما زعموا مثل الأرامل تغزل
وما بال برهان العذار مسلماًويلزمه دور وفيه تسلسل
وعهدي أن الشمس بالصحو آذنتفما بال سكري من محياك يقبل
كأنك لم تخلق لغير نواظرتسهدها وجداً وقلباً تعلل
حبيبي ليهن الحسن أنك حزتهويهن فؤادي أنه لك منزل
إذا كنت ذا ود صحيح فلم يكنيضرني العذال حيث تقولوا
رأوا منك حظي في المحبة آخراًلذا حرفوا عني الحديث وأولوا وقال أيضاً:
بعينيك هذي الفاترات التي تسبييهون علي اليوم يا حبي
إذا ما رأت عيني جمالك مقبلاًوحقك يا روحي سكرت بلا شرب
وإن هز عطفيك الصبا متمايلاًأضاع الهوى نسكي وغيبت عن لبي
فدعني وهذا الخد أعصر في فميعناقيد صدغيه وحسبي به حسبي
لو أن تجار اللؤلؤ الرطب شاهدواثناياك ما عنوا على اللؤلؤ الرطب
أيا ساقي الكاس الذي زاده خدهعليها احمراراً عد بالكاس عن صحبي
وما ذاك بخلاً بالمدام وإنماإذا حلت لم آمن عليهم من السلب
وبالله قل لي أيها الظبي كيف قدتعلمت صيد الأسد في شرك الهدب
وماذا الذي قد بعت فاسترهنت بهلديك الربى رهناً كثيباً من الكثب
فخذ قصة الشكوى من الأعين التينفيت لذيذ النوم عنها بلا ذنب
ولا تعتبن صباً تهتك سترهعليك فهتك الستر أليق بالصب وقال أيضاً:
أعز الله أنصار العيونوخلد ملك هاتيك الجفون
وضاعف بالفتور لها اقتداراًوإن تك أضعفت عقلي وديني
وأبقى دولة الأعطاف فيناوإن جارت على القلب الطعين
وأسبغ ظل ذاك الشعر يوماًعلى قد به هيف الغصون
وصان حجاب هاتيك الثناياوإن ثنت الفؤاد إلى شجون
وقال أيضاً:
أسير ألحاظ لخد أسيلكليم أحشاء لطرف كليل
في حب من حظي كشعر لهلكن قصير ذا وهذا طويل
ليس خليلاً لي ولكنهأضرم في الأحشاء نار الخليل
يا ردفه جرت على خصرهرفقاً به ما أنت إلا ثقيل
وقال أيضاً:
في غزلي من لحظ ذاك الغزالأخبار صب قتلته النبال
غصن سقته أدمعي ثم ماأثمر لما مال إلا الملال
حل ثلاثاً يوم حمامهذوائباً تعبق منها الغوال
فقلت والقصد ذؤاباتهيا سهري في ذي الليالي الطوال
وقال أيضاً:
لم أنس لما زارني مقبلاًأولاني الوصل وما ألوى
وقعت بالرشف على ثغرهوقع المساطيل على الحلوى وقال أيضاً:
رأى رضاباً عن تسليه أولو العشق سلوا
ما ذاقه وشاقههذا وما وكيف لو
وقال:
يا من أطال التجنيوقد أسا في التوخي
أسرفت تيهاً وعجباًوكثرة الشد يرخي وقال أيضاً:
بحق هذي الأعين الساحرةوحسن هذي الوجنة الزاهره
خف في الهوى إثمي يا قاتليفاليوم دنيا وغداً آخره
قلبي مصر لك ما بالهقد ذاب من أخلاقك القاهره وقال أيضاً:
أحلى من الشهد من هويت وكمشقت به في الهوى مرارات
وكيف لا تستطاب ريقتهوثغره سكر سنينات وقال أيضاً:
يا خاله خضرة بعارضهحرستها عن متيم مغرى
كف عن العاشقين مقتصراهل أنت إلا حويرس الخضرا
وقال أيضاً:
مثل الغزال نظرة ولفتةممن ذا رآه مقبلاً ولا افتتن
أعذب خلق الله ثغراً وفماًإن لم يكن أحمق بالحسن فمن
في ثغره وخده وشكلهالماء والخضرة والوجه الحسن وقال أيضاً:
حللت بأحشاء لها منك قاتلفهل أنت فيها نازل أو منازل
أرى الليل مذ حججت ما حال لونهعلى أنه بيني وبينك حائل
أيسعدني يا طلعة البدر طالعومن شقوتي خط بخديك نازل
شطر ولو أن قساً واصف منك وجنة... لأعجزه نبت بها وهو باقل على كل أمر منك عون فربما يعين الذي أبلى بما أنت فاعل
وبي ساحر باللحظ للخد حارسوذابل أعطاف لدمعي نازل
وشعر كليلي كان طولاً فما لهقصير كحظي هل لذاك دلائل
نعم قد تناهى في الغرام تطاولاً" وعند التناهي يقصر المتطاول " وقال أيضاً:
ما بين هجرك والنوىقد ذبت فيك من الجوى
وحياة وجهك لا سلاعنك المحب ولا نوى
يا فاتني بمعاطفسجدت لها قضيب اللوى
يا من حكى بقوامهقد القضيب إذا التوى
ما أنت عندي والقضيب اللدن في حال سوا
هذاك حركه الهواء وأنت حركت الهوى
وقال أيضاً:
تمشى بصحن الجامع اليوم شادنعلى قده أغصان بان النقا تثني
فقلت ولد لاحت عيه حلاوةألا فانظروا هذي الحلاوة في الصحن
وقال أيضاً:
بدا وجهه من فوق أسمر قدهوقد لاح من ليل الذوائب في جنح
فقلت عجيباً كيف لم يذهب الدجىوقد طلعت شمس النهار على رمح وقال أيضاً:
وهل فيه من شيء أن طرفهلكل فؤاد في البرية صائد
وأن محياه إذا قابل الدجىأضاء به جنح من الليل راكد
فكم يتجافى خصره وهو ناحلوكم يتحالى ريقه وهو بارد
وكم يدعي صوناً وهذي جفونهبفترتها للعاشقين مواعد وقال أيضاً:
للعاشقين بأحكام الغرام رضىفلا تكن في الهوى بالعذل معترضا
روحي الفداء لأحبابي وإن نقضواعهد الوفي الذي للعهد ما نقضا
قف واستمع سيرة الصب الذي قتلوافمات في حبهم لم يبلغ الغرضا
رأى فحب فرام الوصل فامتنعوافرام صبراً فأعيا نيله فقضى
وقال أيضاً موشح:
بدر عن الوصل في الهوى عدلا... مالي عنه إن جار أو عدلا مذهب مترك اللحظ لفظه خنث...
إليه تصبو الحشا وتنبعث... أشكو إليه وليس يكترث...
دعا فؤادي بأن يذوب قلى... الموت والله إذ دعا وقلى أقرب لم يبق لي مقلة ولا كبد... والقلب فيه أودى به الكمد... وليس يلفى لهجره أمد...
لا تعجبوا أن غدوت محتملا... لكن قلبي إن كان عنه سلا أعجب بالحسن كل العقول قد نهبا... والحزن كل القلوب قد وهبا... شمس ولكنني لديه وهبا...
فانظر لذاك القوام كيف جلاغصن وكم بالجمال منه جلا غيهب
وقال ذوبيت:
قاسيت بك الغرام والهجر سنينما بين بكاء وأنين وحنين
أرضيك ولا تزداد إلا غضباًالله كما أبلى بك القلب يعين
وقال أيضاً:
يا من بفؤادي نار وجدي غادرمن قاس إليك حسنه من فاخر
لا تخش إذا ما قيل هذا حسنعن غيرك فالشيخ غداً شيء آخر وقال أيضاً:
يا من غدت القلوب في حكم يديهذا صبك كم تهدي تجنيك إليه
عذل وتسهيد ووجد وقلىما تم على الكلاب ما تم عليه
وقال أيضاً:
لا تعتقدوا عذاره الفتانقد وشح ورد الخد بالريحان
ذا خالقه قد خط في وجنتهلاماً كتبت بالقلم الريحاني وقال أيضاً:
يا ممرض جسم صبه بالتيهأوردت فؤاده بحار التيه
لا يطلب مضنى مغرم فيه سوىإبلاغ حويجة له في فيه وقال أيضاً:
كم يشمت بي في حبك العذالكم يكثر فيك القيل بي والقال
والصبر بكل حالة أليق بيأحتاج أداريك ويمشي الحال وقال أيضاً:
إن صد وراح للجفا يعتمدأو زال وداده الذي أعتقد
فالأمر له وما عليه حرجلا يدخل بينه وبيني أحد
وقال أيضاً:
وقد أصبح آخر الهوى أولهفالعاذل في هواك ما لي وله
بالله عليك خل ما أولهوارحم دنفاً حشو حشاه
وله وكانت وفاة شمس الدين المذكور في شهور سنة ثمان وثمانين وستمائة بدمشق، وكان مولده بالقاهرة في عاشر جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وستمائة.
ورثاه والده الشيخ عفيف الدين وذكر أخاه أيضاً:
ما لي بفقد المحمدين يدمضى أخي ثم بعده الولد
يا نار قلبي وأين قلبي أويا كبدي لو يكون لي كبد
يا بائع الموت مشتريه أنافالصبر ما لا يصاب والجلد
أين البنان التي إذا كتبتوعاين الناس خطها سجدوا
أين الثنايا التي إذا ابتسمتأو نطقت لاح لؤلؤ نضد
ما فقدتك الإخوان يا ولديوإنما شمس أنسهم فقدوا
محمد يا محمد عدداًوما لما ليس ينتهي عدد " منها ":
ماذا على الغاسلين إذ قرب الأم لاك منه لو أنهم بعدوا
قد حملت نفسه العلوم إلى ال فردوس والنعش فوقه الجسد
أبكيت خالاتك الضواحك من قبل وما صفاتك النكد
بي كبر مسنى وأمك قد شاخت فمن أين لي يرى ولد
وهبه قد كان لي فمثلك لا يرجى وأين الزمان والأمد " منها ":
يا ليتني لم أكن أباً لك أويا ليت ما كنت أنت لي ولد
قيل: إنه عمل مرة جماعة سماعاً حسناً وكان فيه جماعة ملاح، فبعثوا منهم مليحاً إلى شمس الدين يطلبونه من والده، فلما جاء الرسول كتب والده على يده:
أرسلتما لي رسولاً في رسالتهحلو المراشف والأعطاف والهيف
وقدتما ويسير ذاك أنكماوقدتما النار في بادي الضنا دنف
فلما حضر ولده وبلغته الواقعة واطلع على مجيء الرسول كتب إلى والده:
مولاي كيف انثنى عنك الرسول ولمتكن لوردة خديه بمرتشف
جاءتك من بحر ذاك الحسن لؤلؤةفكيف ردت بلا ثقب إلى الصدف؟
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع