من «قواعد الشعر» لثعلب (ت ٢٩١هـ)
الإفراط في الإغراق
كقول امرئ القيس:
وقد أغتدي والطيرُ في وكناتهابمنجردٍ قيد الأوابدِ هيكلِ
وكقول النابغة:
بأنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌإذا طلعتْ لم يبدُ منهم كوكبُ
وكقول طرفة يصف سيفاً:
أخي ثقةٍ لا ينثني عن ضريبةٍإذا قال مهلاً قال حاجزُه قَدِ
وكقول الحطيئة يمدح ابن شماس:
متى تأتهِ تعشُو إلى ضوءِ نارِهتجدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ موقدِ
وكقول ابن الرعلاء الغساني يصف سعَة طعنة:
وغموسٍ تضلُّ فيها يد الآسي ويعيى طبيبُهَا بالدواءِ
وكقول تأبطَ شراً يمدح شمس بن مالك:
ويسبقُ وفدَ الريحِ من حيث ينتحيبمنخرقٍ من شدِّهِ المتداركِ
وكقول قيس بن الخطيم:
وإنِّي لدى الحرب العوان موكَّلٌبإقدامِ نفسٍ ما أريد بقاءها
وكقول قيس بن سعد بن عبادة في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁:
لو عدد الناسُ ما فيه لما برحتْتُثنى الخناصرُ حتى تنفذ العددُ
وكقول أعشى باهلة في المنتشر بن وهب:
لا يأمنُ الناسُ ممساهُ ومصبحهُفي كل أوبٍ وإن لم يغزُ ينتظرُ
وكقول الآخر:
والله لو بكَ لم أدَعْ أحداًإلا قتلْتُ لفاتنِي الوترُ
وكقول رجل من بني تميم يمدح قومه:
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهمُلأية حرب أم لأي مكانِ
وكقول المرار:
رمى رميةً لو قسمت بين عامرٍوذبيانها لم يبقَ إلا شريدها
وكقول ابن جبلةَ يمدح حميداً:
لولاك ما كان سدًى ولا ندًىولا قريشٌ عرفت ولا العربْ
وقال في لطافة المعنى: وهو الدلالة بالتعريض على التصريح.
كقول امرئ القيس:
أمرخٌ خيامهمُ أم عُشرْأمِ القلبُ في إثرهمْ منحدرْ
المَرْخ الزَّنْد، والعُشَر الزَّنْدَة، فالزَّند قائم، والزَّندة مسطوحةٌ على الأرض، وفيها فرض، فيوضع طرف عود المرخ القائم في الفرض الذي في لوح العشر المسطوح، ثم يدار فيورى ناراً؛ فقال
امرؤ القيس: أهم مقيمون كعود المرخ، أم قد حطوا للرحلة كانسطاح العشر، أم قد ارتحلوا، فالقلب في إثرهم منحدر؟ وفيه أقوال أخر كلها يدل على الإيماء الذي يقوم مقام التصريح لمن يحسن فهمه واستنباطه.
وكقول امرئ القيس أيضاً:
وخليلٍ قد أفارقهثم لا أبكي على أثرهْ
وكقول مهلهل بن ربيعة:
يبكَى علينا ولا نَبكي على أحدٍلنحنُ أغلظُ أكباداً من الإبل
وكقول جرير:
وإني لأستحيي أخي أن أرى لهعليَّ من الفضل الذي لا يرى لِيَا
يريد أن أرى له نعمة عليَّ لا يرى لي مثلها عليه.
وكقول الأعرابي:
وقد جعل الوَسْميُّ ينبتُ بينناوبين بنى رُومانَ نبعاً وشوحطا
يريد التغالب على الماء والكلأ.
وكقول عروة بن الورد:
أقسم جسمي في جسوم كثيرةوأحسُو قراحَ الماء والماء باردُ
يريد: أوثر أضيافي بزادي.
وكقول نصيب في سليمان بن عبد الملك:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهلهولو سَكتُوا أثنَتْ عليك الحقائبُ
يقول: لما فيها من عطائك.
وكقول المثقب العبدي:
يجزي بها الجازون عنى ولويمنعُ شربي لسقتني يدي
يعني سيفه.
وكقول الآخر:
وكمْ منْ قاذفٍ لك نال حظاًفصادف ما يريدُ وما تريدُ
وصف رجلاً دعياً نسبه إلى دعوته فصادف ما يريد من إثباته نسبهُ، وصادف الشاعرُ ما يريد من بره وإجزاله عطيته.
وكقول الأعرابي:
عجبتُ لهذه زجرتْ بعيرَيفأقبل كلبنَا فرحاً يدورُ
ويخشى شرها جملي، وكلبييرجِّي خيرها فيما يخيرُ
يعني زجره بعيره إذا أراد أن يثور به يرجوه بشفتهِ؛ فالبعير يكرهها للرحلة، والكلب يرجوها، لأنه دعاءٌ له. وفيه قول آخر.
وكقول الشاعر يصف إبلاً واردة:
جاءتْ تهضُّ الأرضَ أي هضٍّتدفعُ عنها بعضهَا ببعضِ
يعني أنها مستوية في الحسن، فكلما رأيتَ واحدة، قلت: هذهَ!!، وفيه تفسيرات أخر.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٩٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع