من «الموشى» للوشاء (ت ٣٢٥هـ)
ما وجد على الزنانير والتكك والمناديل
قال عليُّ بن الجَهم: رأيتُ في منطقة واجد الكوفية زُنّاراً منسوجاً مكتوباً فيه:
لستُ أدري أطال ليليَ أم لاكيف يدري بذاك من يتقلّى؟
لو تفرّغتُ لاستطالة ليليوارعْي النجوم كنتُ مُخِلاّ
ورأيتُ جارية في بيعة ماري مريم، في دار الروميّين، بمدينة السلام، كأنها فِلقةُ قمرٍ، خارجةً من الهيكل، في وسطها زُنّارٌ عليه بيتان:
زُنّارُها في خصرها يَطربوريحها من طيبها أطيبُ
ووجهها أحسن من حَلْيهاولونها من لونها أعجبُ
وقرأت في زُنّار وقايةٍ لبعض القصريّات:
أليس عجيباً أنّ بيتاً يَضمّنيوإياك لا نخلو ولا نتكلّمُ
ورأيتُ جارية أُبُلِّيّة لبعض المخنَّثين، وقد علّقت طبلاً في عُنقها بزُنّارٍ عليه مكتوبٌ:
آوَّتاهُ من بدني كلّهفتّتَ مني مَفْصِلاً مَفْصِلا
وعلى تِكّتها مكتوب:
غابوا فأضحى الجسمُ من بعدهملا تُبصر العين له فيّا
واخجْلتا منهم ومن قولهمما ضَرّكَ البُعدُ لنا شيّا
بأيّ وجهٍ أتلقّاهمُإذا رأوني بعدهم حيّا
وكان على تِكّة هاتف جارية العاجي مكتوباً:
ولي عاذلٌ قد شفّ بعَذلهوواشٍ بنَبل الحبّ يرمي مَقاتلي
كفى حَزناً والحمد لله أننيتقطّع قلبي بين واشٍ وعاذِلِ
وكتبت خاضع المُغنّية على زُنّار كانت تشد به طُرّتها:
ما أتْيَهَ المعشوق في نفسهوأبيّنُ الذُّلّ على العاشقِ
وأخبرني من قرأ على طَرفَي تِكّة لقَينةٍ:
ما أُراني حُلّتِ التِّكَة إلاّ لهَناتِ
وإنما خُلّي للتِّكّة إنجاز العِداتِ
وأخبرني آخر أنه قرأ على تكّةٍ لبعض المَواجن:
إقطع التكّة حتىتذهب التكّةُ أصلا
ثم قُل للردف أهلاًبكَ يا رِدفُ وسَهلا
وكتبت سَلْم جارية لَمَم إلى فتىً كانت تحبّه في منديل دَبيقي بالذهب:
هاءنذا يُسقطُني للبلىعن فُرُشي أنفاس عُوّادي
لو يجد السِّلكُ على دِقّةٍخَلْقاً لأضحى بعض حُسّادي
فكتب إليها في منديل آخر:
لا تسألي كيف حالي بعد فُرقتكُمها فانظري وأجيلي طَرْف ممتحِنِ
تري بلىً لم يدع مني سوى شبحٍلو لم أقلْ ها أنا للناس لم أبِنِ
وقرأتُ على منديلٍ لبعض الظرفاء وقد أدرج فيه كتاباً:
وإني لتَغشاني لذكراكِ فترةٌكما انتفض العُصفور بلّله القَطرُ
عجبتُ لسعي الدهر بيني وبينهافلمّا انقضى ما بيننا سكَنَ الدهرُ
وكتب آخر على منديل:
إن بعض العِتاب يدعو إلى العَتْب ويُودي به الحبيبُ الحبيبا
وإذا ما القلوب لم تُضمر الحبّ فلن يعطفَ العِتاب القُلوبا
وأخبرني من رأى على منديل ممسَّك لبعض الظِّراف:
أنا مبعوثٌ إليكِأُنسُ مولاتي لديكِ
صَنَعتني بيديهافامسحي بي شَفَتيكِ
وكتب أخر على منديل أهداه:
أنا منديل محبٍّ لم يزلناشفاً بي من دموع مُقْلتيهِ
ثم أهداني إلى محبوبةٍتمسحُ القهوة بي من شَفَتيهِ
وقرأتُ على منديلٍ لبعض الظراف:
إن يكُن حبلُكِ من حبلي وَهىوإلى شَوقي إليكِ المُنتهى
لم يُذكّرْنيكِ شوقٌ حادثٌإنما يذكُرُ من كان سَها
وكتبت أسماء بنت غَضيض جارية حَمدونة ابنة المَهدي على تِكّتها من الوجهين:
جِلدٌ على أعظُمٍ دقاقِمسكَنُ أنفاسه التراقي
توقَد أحشاؤه فيُطفيحُرقتها هاطلُ المآقي
لولا تَسليه بالتبكّيإذاً جَنَيناه بانحراقِ
يا ربِّ عجِّلْ وفاة روحيقبلَ هُجومي على الفِراقِ
وكتبت على منديلها:
إليكَ أشكو ربِّ ما حلّ بيمن صدّ هذا العاتب المُذنبِ
صدِّ بلا جُرمٍ ولو قال ليلا تشربِ الباردَ لم أشربِ
وكتب أخر على منديل أهداه:
أيا مَن لا أُرجي منه رِفقاًولا من رقّهِ ما عشتُ عِتقا
لقد أنفذتُ دمْعَ العينِ حتىبَكيتُ دماً لفَقدكَ ليس يَرقا
وكتبت عِنان جارية الناطفيّ على منديل وجّهَت به إلى أبي نُواس، وكانت تحبه:
أما يُحسنُ مَن أحسنَ أن يغضَبَ أن يرضى
أما يَرضى بأنْ صِرتُعلى الأرض لهُ أرضا
النص من طبعة مكتبة الخانجي بمصر (١٣٧١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع