من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
فصل في ذكر مكابدة الأمور الصعاب عند طلب رضا الأحباب وخوض الأهوال
واستهلال قضاء الآجال فضلاً عن بذل الأموال ليحصل من محبوبه على مطلوبه ويرضى باليسير كما سلف ولو كان ذلك يفضي إلى التلف
وقد فتح للفريقين هذا المجال ونسج على هذا المنوال من شيد هذه الشريعة كلامه وصار بدر سمائها بل شمس آفاقها نظامه سيدي عمر بن الفارض نفعنا الله ببركاته وهدانا إلى إدراك دقائق نفحاته فقال:
وافس ببذل النفس فيها أخا الهوىفإن قبلتها منك يا حبذا البذل
ومن لم يجد في حب نعم بنفسهوإن جاد بالدنيا إليه انتهى البخل
فانظر كيف أضرب عن ذكر ما سوى النفس وأن عز وأمر ببذلها من بادىء الرأي فكم طوى في ذلك من المراتب وهذا في الحقيقة اجمال بالنسبة إلى قوله:
بكل قبيل كل قتيل بها قضىأسى لم يفز يوماً إليها بنظرة
فإنه أشار إلى قطع كل رتبة بحيث ينتهي السالك إلى ذهاب النفس وليس ذلك بشيء إذ قال أنه لم يفز ولا بنظرة مع ذهاب نفسه وشرح ذلك واضحاً قوله:
بحيث ترى أن لا ترى ما عددتهوإن الذي أعددته غير عدة
فإنه يقول إن هذا المرام لا يعظم عنده شيء ومتى عدا لشخص بذلا لنحو نفس فقد جعل له شيئاً بالنسبة إلى المحبوب وهو خلاف المطلوب ودقائقه في هذا الباب معجوز عن حصرها كما تشهد به أولو الألباب فلنرجع إلى كلام المترسمة: الطغرائي:
لا أكره الطعنة النجلاء قد شفعتبرشفة من نبال الأعين النجل
ولا أهاب الصفاح البيض تسعدنيباللمح من خلل الأستار والكلل
ابن خفاجة:
وليل طرقت المالكية تحتهأجد على حكم الشباب مزارا
فخالطت أطراف الأسنة أنجماودست بهالات البدور ديارا
ابن بسام
لقد صبرت على المكروه أسمعهمن معشر فيك لولا أنت ما نطقوا
وفيك داريت قوماً لأخلاق لهملولاك ما كنت أدري أنهم خلقوا
وقال آخر:
يغوص البحر من طلب اللاليومن طلب العلا سهر الليالي
تروم المجد ثم تنام عنهلقد أطعمت نفسك بالمحال
وأعظم من ذلك الملازمة على ذكر المحبوب عند نزول البلاء وتلف النفس وشدة الابتلاء وأمام هذا الشأن والمنفرد بالسبق في هذا الميدان الطغرائي قيل أنه علق مملوكاً لمؤيد الدين كان يهواه فحين بلغه نقم على الطغرائي فأراد قتله وأشهر شفقة على المملوك من الألسنة أن الطغرائي ملحد فشده إلى شجرة وأمر أن تفوق إليه السهام وأن لا يرموا حتى يأمرهم المملوك أمام الكل ثم أمر رجلاً يسمع ما يقول الطغرائي وهو لا يشعر فإذا هو يقول:
ولقد أقول لمن يسدد سهمهنحوي وأطراف المنية شرع
والموت في لحظات أحور طرفهدوني وقلبي دونه يتقطع
بالله فتش في فؤادي هل ترىفيه لغير هوى الأحبة موضع
أهون به لو لم يكن في طيهعهد الحبيب وسره المستودع
فأطلقه ورفع شأنه: أبو عطاء السدفي:
ذكرتك والخطى يحظر بينناوقد نهلت مني المثقفة السمر
فوالله ما أدري وإني لصادقبنا فتكت تلك اللواحظ أم سحر
عنترة العبسي:
ولقد ذكرتك والرماح نواهلمني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنهالمعت كبارق ثغرك المبتسم
الطغرائي:
إني لاذكركم وقد بلغ الظمامني فاشرق بالزلال البارد
وأقول ليت أحبتي عاينتهمقبل الممات ولو بيوم واحد
وقال بعضهم:
ذكرت سليمى وحر الوغىبقلبي ساعة فارقتها
فشبهت سمر القنا قدهاوقد ملن نحوي فعانقتها
ابن رشيق:
ولقد ذكرتك والطبيب معبسوالجرح منغمس به المسبار
وأديم وجهي قد فراه حديدهويمينه حذراً علي يسار
فشغلتني عما يليق وأنهليضيق عن برحائها الأقطار
الشريف البياضي:
ولقد ذكرتك في السفينة والرديمتوفع بتلاطم الأمواج
والجو يهطل والرياح عواطفوالليل مسود الذوائب داجي
وعلى السواحل اللاعادي عسكريتوقعون لغارة وهياج
وعلت لأصحاب السفينة ضجةوأنا وذكرك في ألذ نتاج
أبو الثناء محمود:
ولقد ذكرتك والسيوف لوامعوالموت يرقب تحت حصن المرقب
والحصن في شفق الدروع تخالهحسناء ترفل في رداء مذهب
سامي السماء فمن تطاول نحوهللسمع مسترقاً رماه بكوكب
والموت يلمع بالنفوس خاطرييلهو بطيب ذكرك المستعذب
الصفي الحلي:
ولقد ذكرتك والعجاج كأنهمطل الغنى وسوء عيش المعسر
والشوس بين مجدل في جندلمناوبين معفر في معفر
فظننت أني في صباح مسفربضياء وجهك أو مساء مقمر
وتعطرت أرض الكفاح كأنمافتقت لنا أرض الجلاد بعنبر
وقلت:
لقد رد روحي عندا رام نزعهاملائكة ذكراك حين تلوته
فلو لم يكن موت البرية لازماًإذا فرغت آجالهم ما نسيته
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع