تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

الهجر الخلقي

وسماه بعض الصوفية الأزلي يقال أن الجنيد ﵁ فسر قوله ﷺ الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف بأن الله حيث أخرج عالم الذر جعله في كفه ثم أخذ العهد عليه ثم بذره فوقع بعضه متقابلاً وهؤلاء هم المشتركون في نسب أوجبت الصحبة وحققت المحبة وتدابر الآخر فحقت بين أفراده المقاطعة وجبلوا على الممانعة وهذا التقابل والتدابر يجوز حله على حقيقته ويجوز أن يراد به أمر معنوي غايته الاختلاف وأسباب هذا كثيرة أعظمها عند المتمسكين بالشرائع اختلاف الأديان وعند مطلق العالم يستند إلى الارادة الالهية حيث صرح بعجز أكمل مخلوقاته وعين أعيان سر صفاته عن قيام الناموس بدونها فقال ﷿ من قائل " لو أنفقت ما في الأرض جميعاً الآية " وهذا القسم والذي قبله لا تعلق للعشاق بهما على ما اخترناه وبعضهم يرى أن الثلاثة الأول من متعلقات العشق ويجمع بين الكلامين بتفاوت المراتب فإن من بلغ إلى قول الاستاذ ﵁ وكل الذي ترضاه البيت لم يكن القسم الثاني فضلاً عن الثالث مكن متعلقاته وإذا عرفت ما قررناه ثبت عندك أن هذا القسم لا علاج له أصلاً إلا بالارادة الالهية ثم الهجر من المحب الصادق قد يؤل الأمر فيه بالعاشق إلى أن يخرج كلامه مخرج الدعاء عليه ويكون في الحقيقة ثناء لديه وقد يستخير عند تمادي الهجر وحكم الغرام حلول رمسه فيجعل ذلك الدعاء على نفسه وألطف ما سطر في الأول وعليه عند الظرفاء يعول قول الشاب الظريف المعروف بابن العفيف.

أعز الله أنصار العيونوخلد ملك هاتيك الجفون
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «أعز الله أنصار العيون»
وضاعف بالفتور لها اقتداراًوإن تك أضعفت عقلي وديني
وخلد دولة الأعطاف فيناوإن ثنت الفؤاد إلى الشجون
وأسبغ ظل ذاك السعد يوماًعلى قدّ به هيف الغصون
وصان حجاب هاتيك الثناياوإن جارت على الفذ الطعين

وقال أيضاً:

أدام الله أيام الوصالوخلد عمر هاتيك الليالي
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «أدام الله أيام الوصال»
وأسبغ ظل أغصان التدانيوزاد قدودها حسن اعتدال
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «أدام الله أيام الوصال»
ولا زالت ثمار الأنس تجنيتزيد لطافة في كل حال
ولا برحت لنا فيها عيونتغازل مقلتي خشف الغزال
للشاعر الشاب الظريف، من قصيدة «أدام الله أيام الوصال»

وقال آخر:

يا رب إن قدرته لمقبلغيري فللمسواك أو للأكؤس
وإذا قضيت لنا بصحبة ثالثيا رب فليك شمعة في المجلس
وإذا حكمت لنا بعين مراقبيا رب فلتك من عيون النرجس

وقال شهاب الدين بن العائم:

والله ما أدعو على هاجريإلا بأن يمحن بالعشق
حتى يرى مقدار ما قد جرىمنه وما قد تم في حقي

وقال آخر:

أيها المعرض صفحاًعن خطابي وجوابي
لا أرك الله عمريأو يريني بك ما بي
ربّ فاجعله دعاءخائباً غير مجاب
رق قلبي أن يرىقلبك في مثل عذابي

وقال آخر:

كم جفاني فرمت أدعو عليهفتوقفت ثم ناديت ذاهل
لأشفى الله طرفه من سقاموأراني عذاره وهو سائل

ابن وكيع:

إن كنت تعلم ما بيوأنت بي لا تبالي
فصار قلبك قلبيوصرت في مثل حالي
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
بل عشت في طيب عيشتفديك نفسي ومالي
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
دعوت إذ ضاق صدريعليك ثم بدا لي
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

ولما بدا لي أنه غير رائديوأن هواه ليس عني بمنجلي
تمنيت أن يهوى ويحيا لعلهيذوق مرارات الهوى فيرق لي

قالت:

لي طلعة الحسن واللطف ناضرةأرى كل أرباب المحاسن ناظره
لقد بطنت في كل معنى وصورةمن الكون لما أصبحت فيه ظاهره
تضن على العشاق بالقتل في الهوىفما طلبي للوصل إلا مكابرة
ولكنني أرجو تبدل ما بنامن الميل واستكشاف حجب المساتره
فتطلبني من بعد ما أنا طالبلها وتحييني بحسن المحاضره
فيا رب خذ منها بحقي وانتصرلنفس غدت في أبحر الشوق حائره
ولا تستجب مني وسلطان عزهاأدمه وإن كانت على الناس جائره

ثم قد يتمادى الهجر ولا يسمع الدعاء ويعز الوصل ويصعب الرضا فيأخذ العاشق في مسح الدموع والانحطاط من أوج الارتفاع إلى حضيض الخضوع. ولقطب هذه الدائرة وبدر سماء هذه الكواكب السائرة ذي المرتقة التي لا تلحق وقصب السبق التي لا تدرك والجواد الذي لا يسبق قوله:

ومن درجات العز أمسيت مخلداًإلى دركات الذل من بعد نخوتي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سقتني حميا الحب راحة مقلتي»
فلا باب لي يغشى ولا جاه يرتجىولا جار لي يحمي لفقد حميتي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سقتني حميا الحب راحة مقلتي»

فقد أشار في هذين البيتين إلى طرح حطوط نفسه التي قد تكون مانعة من الوصول إشارة يدق إدراك كنهها عن العقول فقد أثبت له رتبة رفيعة بين أن تركها بعد علاج عظيم ومن ثم كان تدريجاً لعدم إمكان طرحها دفعة كما أفهمته الدرجات والإضافة إلى العز وعكس الحكم في الطرف الآخر لأنه في غاية المقابلة وأكد ذلك بالاشارة إلى غاية المحو الذي به حقق إثباته كما أشار بعده بقوله والفقد مثبتي وأما إشارته إلى الدموع وفنسكابها فالغاية التي لا يدرك منها الناس إلا القشور فمنها قوله:

فسهدي حي في جفوني مخلدونومي بها ميت ودمعي له غسل
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «هو الحب فاسلم بالحشا ما الهوى سهل»

فانظر إلى غرابة هذه الاستعارات ولطف هذا التركيب وصحة هذا السبك الخالص من الزيف مع بلوغ المقصود ثم بالغ في تحقيق هذا المرام وارتقى في مسالك هذا المقام بقوله:

وامع هملت لولا التنفس مننار الجوى لم أكد أنجو من اللجج

وأبلغ منه قوله

فطوفان نوح عند نوحي كاد معيوإيقاد نيران الخليل كلوعتي
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سقتني حميا الحب راحة مقلتي»
فلولا زفيري أغرقتني مدامعيولولا دموعي أحرقتني زفرتي

لعكس التشبيه كما سبق في صدر هذا الباب وتكافؤ الضدين هنا ومن قال بتساوي المعنيين في القصيدتين لم يعرف معنى الطوفان بالنسبة إلى اللجج في الأول لأنه انقلاب العناصر كلها إلى واحد وهذا في الدقة كقوله ﵁ وإن لم يكن مما نحن فيه.

وتحفت أخفافها فهي تمشيمن جواها في مثل جمر الرماد
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «خفف السير واتئد يا حادي»

حيث نسب تحفية الاخفاف إلى حراره الجوى التي شأنها الصعود عكس الإخفاف فكأنه يقول لشدة هذه الحرارة استوعب الأحباز كلها وأما قوله:

فلو بكى في قفار خلتها لججاوإن تنفس عادت كلها يبسا

وغيره فكثير لا يمكننا إدراك أقله وأني للبشر من حيث أنه بشر إدراك دقائق الفيوضات الإلهية والكرامات التي خلفت المعاجز النبوية كما صرح به ﵁ حيث قال:

فعالمنا منهم نبي ومن دعاإلى الحق منا قام بالرسلية
للشاعر ابن الفارض، من قصيدة «سقتني حميا الحب راحة مقلتي»

وأصرح منه قوله:

فما كان منه معجز أصار بعدهكرامة صديق له أو خليفة

رجع إلى كلام المترسمين قال القاضي الفاضل:

قد استخدمت بالأفكار سريوما أطلقت لي بالوصل أجره
ولم أرها على الأيام إلاعقدت مودة وحللت صره
ولا استمطرت سحب العين إلاوصرت بأدمعي في الشمس عصره

ابن عبد الظاهر

لا تسلني عن أول العشق إنيأنا فيه قديم هجر وهجره
من دموعي ومن جبينكأرخت غرامي بمستهل وغره

المتنبي

أتراها لكثرة العشاقتحسب الدمع خلقة في الأماقي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتراها لكثرة العشاق»

وله أيضاً:

وهبت السلو لمن لا منىوبت من الشوق في شاغل
كأن الجفون على مقلتيثياب شققن على ثاكل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

وقال آخر

ولم أنس لا أنس ذاك الخضوعوفيض الدموع وغمز اليد
وخدي يضاف إلى خدهاقياماً إلى الصبح لم نرقد

إبراهيم بن المعمار

وبي غضبان لا يرضيه إلادموع ساكبات مستمره
فما عطفت معاطفة بوصلوفي عينيّ بعد الهجر قطره

وقال آخر

وقال ما بال عينيك مذ رأتمحاسن هذا الظبي أدمعها هطل
فقلت زنت عيني بنظرة طلعةفحق لها من فيض أدمعها غسل

السري الرفاء

بروحي من رد التحيه ضاحكاًفجدّد بعد اليأس في الوصل مطمعي
وحالت دموع العين بيني وبينهاكأن دموع العين تعشقة معي

وقال آخر

وقائلة ما بال دمعك أسوداولونك مصفراً وأنت نحيل
فقل لها أن الدموع تجففتوهذا سواد المقلتين يسيل

ابن وكيع

وسحاب إذا همي الماء فيهألهب الرعد في حشاء البروقا
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة
مثل ماء العيون لم يجر إلاظل يذكي على القلوب الحريقا
للشاعر ابن وكيع التنيسي، اقرأ القصيدة

المسعودي شارح المقامات

قالت عهدتك تبكيدماً حذار التنائي
فلم تعوّضت عنهابعد الدماء بمائي
فقلت ما ذاك منيولم يكن بمنائي
لكن ضلوعي شابتمن طول عمر التنائي

وقال آخر

كانت دموعي حمراً يوم بينهمفمذ نأوا قصرتها بعدهم حرقي
قطفت باللحظ ورداً من خدودهمفاستقطر البين ماء الورد من حدقي

ابن الناشيء الأكبر

بكيت الفراق وقد راعنيبكاء الحبيب لفقد الديار
كأن الدموع على خدهابقية طل على جلنار
للشاعر الناشئ الأكبر، اقرأ القصيدة

وقلت

ومحجوبة مذ كلمتني كلمتفؤادي وألقت بين سمعي وناظري
إلى أن رأتها مقلتي فاض دمعهاعلى الأرض أمثال البحور الزواخر
فقالت عقيقاً ما أرى قلت بل دمي جرى عندما من هجرك المتواتر

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس في تتمات يفتقر إليها الناظر في هذا الكتاب ويحسن موقعها عند أولي الألباب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.