من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)
فصل (٢)
في نفي كدر الهم والصدود باستجواب الأماني والوعود والتعلل بالأماني والطمع في التهاني وهو أصل انقسمت فيه العشاق إلى قسمين قسم وفي له محبوبه وحصل له بعد الوعد مطلوبه وهو العزيز النادر وغير الوافي الوافر وقسم مات بغصته وحالت المنية بينه وبين أمنيته وانتهاز فرصته وأعجب ما فيه أن الراضون به مع العلم بزوره أكثر العشاق وأغلب من نودي عليه في هذه الأسواق وقد كشف عن غامض هذه الطريقة واستثنى الرضا بزور هذه الحقيقة الأستاذ ﵁ فقال:
عديني بوصل وأمطلي بنجازهفعندي إذ أصح الوفا حسن المطل
وما الصد إلا الود ما لم يكن قليوأصعب شيء دون اعراضكم سهل
ثم تجرد من ثياب هذه الطريقة وانغمس في بحار الحقيقة فانطوت نفسه الأبية في مطاوي الحقائق القدسية فقال:
إن لم يكن وصل لديك فعد بهأملي وماطل إن وعدت ولا تفي
وأما المترسمة فقد أكثروا في هذا الباب الأقوال واختلفوا باختلاف الأحوال قال بعضهم:
أعلل بالمني قلبي لعليأروح بالأماني ألهم عني
وأعلم أن وصلك لا يرجىولكن لا أقل من التمني
وقال آخر
وما بلوغ الأماني في مواعدهاإلا كاشعب يرجو وعد عرقوب
ومن كلام أفلاطون الأماني حلم المستيقظ وسلوة المحروم وقال غيره التمني مؤنس إن لم ينفعك فقد ألهاك. قيل لأعرابي ما أمتع لذات الدنيا قال ممازحه الحبيب ومحادثة الصديق وأماني تقطع بها أيامك.
ياقوت الرومي
لله أيام تقضت بكمما كان أحلاها وأهناها
مرت فلم يبقى لنا بعدهاشيء سوى أن نتمناها
ابن الوردي
وشادن قلت لههل لك في المنادمه
فقال كم من عاشقسفكت في المني دمه
الحسين بن الضحاك
وصف البدر حسن وجهك حتىخلت أني وما أراك أراك
وإذا ما تنفس النرجس الغضتوهمته نسيم شذاك
خدعات المني تعللني فيكباشراق ذوا بهجة ذاك
ابن أبي حجلة
رقي لصب غدا مما يكابدهمن دمعه الصب يجري في مجاريه
لم يبق فيه سوى روح يرددهالولا المني مات يا أقصى أمانيه
وقلت
عدى فتى شفت الأسقام مهجتهبزورة منك يا أقصي تمنيه
فالهجر منك لكاس الموت بسلمهوالوعد منك ولو بالزور يحييه
وقد ذم قوم الرضا بالوعد والأماني وعدوا ذلك جنوناً ومشى على ذلك جمع كثير.
الخالدي
ولا تكن عبد المني فالمنيرؤوس أموال المفاليس
ابن المعتز
لا تأسف من الدنيا على أملفليس باقيه إلا مثل ماضيه
قال علي كرم الله وجهه اجتنبوا المنى فإنها تذهب ما خولتم وتصغر المواهب التي رزقتم وقال رجل لابن سيرين أني رأيت كأني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح فقال أنت رجل تكثر الأماني وسمع الحجاج ليلة لبانا يقول أبيع اللبن بكذا وأشتري بضاعة فأكسب فيها كذا فيكثر مالي فأتزوج ابنة الحجاج وتلد لي ولداً وآمرها يوماً بشيء فلم تطع فارفسها هكذا ورفع رجله فكب اللبن فدخل الحجاج فضربه خمسين سوطاً وقال ألست تفجعني في ابنتي لو فعلت بها هذا.
وقال آخر
لما بدا العارض في خدهبشرت قلبي بالنعيم المقيم
وقلت هذا عارض ممطرفجاءني فيه العذاب الأليم
وأما الرضا بالدون من المحبوب والقناعة باليسير من المطلوب وإن طال الوعد وكثر الخضوع وامتد البعد وانسكبت الدموع فصفة العاشق القانع الملقى عن نفسه المطامع المنزه محبوبه عن التكليف. المشفق عليه من نحو التعنيف وقد اتصف به جم غزير عدوا فيه أقل القليل أكثر الكثير وليس في هذا النمط ألطف من جميل في قوله وإني لأرضى من بثينة الأبيات السابقة في قصته.
وقوله
ألست أرى النجم الذي هو طالععليها فهذا للمحبين نافع
عسى يلتقي في الأفق طرفي وطرفهافيجمعنا إذ ليس في الأرض جامع
وقال بعض الأعراب
أليس الليل يجمع أم عمرووابانا فذاك لنا تدانى
نعم وأرى الهلال كما تراهويعلوها النهار كما علاني
وقال بعضهم
إلى الطائر النسر انظري كل ليلةفإني إليه بالعشية ناظر
عسى يلتقي طرفي وطرفك عندهفنشكو إليه ما تكن الضمائر
وقال بعض الأعراب
وما نلت منها وصلها غير أننيإذا هي بالت بلت حيث تبول
وقال بعضهم
وكن قنوعاً فقد جرى مثلإن فاتك اللحم فاشرب المرقه
هذه إشارة إلى مثل يضرب للقناعة باليسير وأصله أن الهدهد قال لسليمان ﵇ أنت في ضيافتي بجميع عسكرك في جزيرة كذا فلما حضروا أخذ جراده ورمى بها في البحر وقال يا نبي الله من فاته اللحم فليشرب المرق فكان سليمان ﵇ يضحك من ذلك إذا ذكره وعكس هؤلاء من مد إلى المحبوب باعه وأوسع آماله وأطماعه فلم يرض إلا بامتزاج الأشباح فضلاً عن الأرواح والتأليف الذي لا يمكن تمييزه كالماء والراح حتى يراهما واحداً في العين الأحوال الذي يرى الشيء اثنين.
قال بعضهم
وكدت وهو ضجيعي أن أقول لهمن شدة الحب قد أبعدت فاقترب
ابن الرومي
أعانقه والنفس بعد مشوقةإليه وهل يعد العناق تداني
وألثم فاه كي تزول حرارتيفيشتد ما ألقى من الهيماني
كان فؤادي ليس يشفي غليلهتشفيه مما ترشف الشفتان
ولم يشف مقدار الذي بي من الجوىسوى أن ترى الروحان يمتزجان
خالد الكاتب
كأنني عانقت ريحانةتنفست في ليلها البارد
فلو ترانا في قميص الدجىحسبتنا في جسد واحد
نفطويه النحوي
ولما التقينا بعد بعد بمجلسنغازل فيه أعين النرجس الغض
جعلت اعتمادي ضمه وعناقهفلم نفترق حتى توهمته بعضي
أبو بكر الأربلي
هم الرقيب ليسعى في تفرقناليلاً وقد بات من أهواه معتنقي
عانقته فاتحدنا والرقيب أتىفلما أتانا ما رأى غير واحد
أبو الفضل
سقيا لعيش مضى والدهر يجمعناونحن نحكي عناقاً شكل تنوين
فصرت إذا علقت كفى حبائلكمبسهم هجرك تنوي ثم تنويني
ابن سنا الملك
وليلة بتنا بعد سكري وسكرهنبذت وسادي ثم وسدته يدي
وبتنا كجسم واحد في عناقناوكالحرف في لفظ الكلام المشدد
قيل اعترض هذا بكون العروضيين تعد الحرف المشدد بحرفين فلو قال في الخط لحسن مطلوبه. واجتمع ابن الجهم وابن عروس في سفينة فتذاكر الشعر فقال ابن الجهم أنا أشعر منك حيث أقول:
الأرب ليل ضمنا بعد هجعةوأدني فؤاداً من فؤاد معذب
وبتنا جميعاً لو تراق زجاجةمن الخمر فيما بيننا لم تشرب
فقال أحسنت ولكني أشعر منك حيث أقول:
لا والمنازل من نجد وليلتنابعيد إذ جسدانا بيننا جسد
كم رام فينا الكرى من لطف مسلكهنوماً فما انفك لا خد ولا عضد
بشار بن برد
ومرتجة الأعطاف مهضومة الحشاتمور بسحري عينها وتدور
إذا نظرت صبت عليك صبابةوكادت قلوب العاشقين تطير
خلوت بها لا يخلص الماء بينناإلى الصبح دوني حاجب وستور
وكلام بشار وإن كان في الحقيقة أصلاً للبيتين إلا أن ابن الجهم تلطف حيث أبدل الماء بالخمر لأنه أشد نفوذاً وأما ابن عروس فلا ألطف منه إذ لا شيء أشد سرياناً من النوم وحاصله أنه يمكن الجمع بين أهل القناعة باليسير من المحبوب ومن لا يقف على غاية في المطلوب باختلاف الأمكنة وصفاء الأيام والخلو من نحو واش ونمام ومجالس الورد والنمام فإن من الحزم انتهاز الفرص ومن الحمق الوقوع في ضيق القفص ومن صفا له الزمان فجبن عن مطلوبه فهو زاهد في محبوبه ومن رأى العوائق دون مرامه فالحزم تقييد غرامه وقلت من الأول.
لقد صار يشفيني الهواء لمزجهبأنفاسها مع أن دائي من الهوى
ويفرحني ما جد في الصبح والمسالأني وإياها بمدركة سوا
ومن الثاني
رب ليل ضممتها فيه حتىلو فرقنا كنا هيولي وصورة
مع أني سألتها القرب منيبخضوع وإن تمن بزوره
وهو معنى فوق ما قصد من لطف الخمر والكري إذ لا يتصور افتراق الهيولي والصورة بوجه وقد جعلت ذلك كالحال وقت الفرقة فلا أبلغ منه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع