تجاوز إلى المحتوى

من «تزيين الأسواق في أخبار العشاق» لداود الأنطاكي (ت ١٠٠٨هـ)

ومما يلحق بهذا الفصل التلميح

وهو نوع لطيف جليل المقدار في البديع عظيم الفائدة في الايصال إلى المطلوب من نحو نكاية الخصم وبلوغ الأرب من ذوي الفهم ولم تدر الأغبياء وجل علماء المعاني على أن التلميح يرادفه والصحيح أنه أخص فمن طريق ما حكى فيه أن أبا العلاء المعري حضر مجلس الشريف الموسوي فنال من المتنبي وكان أبو العلاء ينتصر له فقال للشريف لو لم يكن من شعره إلا قوله:

لك يا منازل في القلوب منازل

لكفاه فأمر به فسحب من وجهه وعوتب الشريف في ذلك فقال إنما قد قصد قوله في القصيدة:

وإذا أتتك مذمتي من ناقصفهي الشهادة لي بأني كامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لك يا منازل في القلوب منازل»

وأثنى سيف الدولة يوماً على المتنبي فبالغ وكان الرفاء حاضراً فقال أشتهي أن تنتخب قصيدة من كلامه وتأمرني بمعارضتها لتعلم إنك أركبته في غير سرجه فقال بديهة عارض قوله:

لعينك ما يلقي الفؤاد وما لقي

قال الرفاء فتصفحتها فلم أجدها كبير أمر فعلمت أن هناك نكتة فأعلمت الذهن في إخراجها فإذا أنابه قد أراد قوله:

إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقأراه غبارى ثم قال له الحق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي»

وحكى أن ولادة بنت عبد الرحمن بن الحكم كانت من أظرف نساء زمنها وكان لها بعد أن قعد بها الدهر ولوع بالوزير أبي الوليد فكتبت إليه وقد غضبت منه.

أن ابن زيدون على فضلهيلهج بي شتماً ولا ذنب لي
يلحظني شزراً إذا جئتهكأنني جئت لأخصي علي
للشاعر ولادة بنت المستكفي، من قصيدة «إن ابن زيدون على فضله»

أشارت بذلك إلى عبد للوزير كان متهماً به ودعت امرأة للرشيد يوماً فقالت أتم الله أمرك وفرحك بما آتاك وزادك رفعة لقد عدلت فأقسطت فقال لجلسائه ما أرادت هذه قالوا خيراً فقال إنها تدعو علي فإن قولها أتم الله أمرك تريد قول الشاعر:

إذا تم أمر بدا نقصهترقب زوالاً إذا قيل تم
للشاعر عبد الله بن المبارك، من قصيدة «همومكَ بالعيشِ مقرونة ٌ»

وقولها فرحك الله بما آتاك تريد قوله ﷿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة وقولها وزادك رفعة تريد قول الشاعر:

ما طار طير وارتفعإلا كما طار وقع
للشاعر ابن الهبارية، اقرأ القصيدة

وقولها لقد عدلت فأقسطت تريد قوله تعالى وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً ثم استقرها فأقرت فقال وما ذنبي إليك قالت قتلت رجالي وأخذت أموالي ممن أنت قالت من بني برمك فقال أما الرجال ففاتوا وأما المال فيأتيك ورده إليها وسأل أحد الظرفاء امرأة ملفوفة في كساء فقال من أنت قالت أنا السادس في السابع تريد قول ابن سكرة:

جاء الشتاء وعندي من حوائجهسبع إذا القطر عن حاجاتنا حبسا
للشاعر ابن سكرة، اقرأ القصيدة
كن وكيس وكانون وكاس طلامع الكباب وكس ناعم وكسا
للشاعر أبو نصر الدغلاباني الطالقاني، اقرأ القصيدة

ومثله ما حكاه ابن الجوزي قال التقي رجل وامرأة على جسر بغداد فقال الرجل رحم الله ابن الجهم فقالت المرأة رحم الله أبا العلاء المعري وافترقا فتبعها رجل فقال لها أقسعت عليك إلا ما أخبرتني ما أراد وأرادت فقالت أراد بابن الجهم قوله:

عيون المها بين الرصافة والجسرجلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة

وأردت بقولي أبا العلاء قوله:

فيا دارها بالخيف إن مزارهاقريب ولكن دون ذلك أهوال

ومن دقيق الاشارات أن المتنبي مدح بعض أعداء ملكه فغضب عليه وهم أن يفتك به فهرب فأمر الملك بعد مدة كاتبه أن يلطف له القول ليأتي فيخدعه وكان الكاتب يحب المتنبي ولم تسعه المخالفة فكتب في آخر الكتاب قد عفونا إن شاء الله وشدد النون فلما وقف عليه رحل وأرسل إلى الكاتب الكتاب وقد زاد ألفاً بعد النون المشددة وهذه من ألطف الاشارات فإن الكاتب أراد بأن قوله تعالى أن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين وأراد المتنبي بزيادة الألف قوله تعالى " أنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها ".

ومما ينسج في هذا النمط ما سمته العرب بالملاحن قال العلامة السيوطي عن ابن دريد أنه مشتق من اللحن يعني الفطنة وأن فائدتها التخلص من أنشوطة التعسف مع الأمن من المؤاخذة عند الألجاء قيل أسر شخص من تميم عند بكر بن وائل أو سعد بن ضبيعة وعزموا على غزو قومه فطلب من يرسله إلى أهله لحاجة فقالوا ليكن بحضرتنا لئلا تنفرهم قال لكم ذلك فجاؤه بمولد فاقل أخاف أن يكون أحمق فقال له كم هذه قال لا أدري وأنها كثيرة فقال له النيران أكبر أم الكواكب قال الكواكب وكل كبير فأومأ إلى الشمس فقال ما هذه قال الشمس فقال إنك عاقل بلغ قومي التحية وأن يكرموا الأسير فإن قومه يكرمونني وأن يعروا ناقتي الحمراء فقد أطالوا ركوبها ويركبوا جملي الأصهب وقل لهم قد أربي العرفج واشتكت النساء بآية ما أكلت معكم الحيس وأسألوا الحرث عن خبري فلما وقفوا على الكلام وقد قالوا جن الأعور بعن إذ لم نعرف له ناقة ولا جمل وصرفوا الرسول ودعوا الحرث فلما قصوا عليه القول قال أنذركم فقوله أكرموا الأسير يعني استكثروا من الزاد ومن علف الدواب وتهيؤا للرحيل فإنهم عازمون على أن يدهموكم بخيل ورجل والرمل عدد القوم الذين يغزونكم منهم وأن ذلك واضح كالشمس والناقة الحمراء الدهناء والجمل الأصهب الصعمان يقول اعدلوا عن السهل إلى الجبل وأربى العرفج يعني لبس الرجال السلاح واشتكت النساء حملت الشكاء وهي قرب صغار يحمل فيها المسافرون الماء والحيس كناية عن اخلاط الرجال فعملوا بقوله فنجوا ومن ذلك أمثلة ينتفع بها في التوبة عند الحاجة كقولك ما سألت فلاناً حاجة ضرباً من شجر شائك ولا رأيته أي ضربت رئته ولا كلمته أي جرحته ولا أعلمته أي شققت شفته العليا ولا أخذت له شعيرة أي رأس مسمار فضة ولا ثوباً أي قطعة من أقط ولا كسرت له سناً أي قطعة عشب ولا ضرصاً أي قطعة من المطر ولا لبست له جبة شيء يستر به السنان ولا أخذت له حماراً ولا اتاناً صخرتان معروفتان ولا عنزة أكمة سوداء ولا دجاجة كبة من غزل ولا فروجاً مدرعة ولا جحشة صوف كالحلقة ولا ظلمته أي ما سقيته لبناً ولا جلست له على حصير لحمة في جنب الفرس ولا أخذت له جراباً ما حول البئر ولا بيضة يعني الخودة ولا فرخاً هامة الدماغ ولا فروة جلدة الرأس ولا إبرة عظم المرفق ولا فأساً عظم القفا ولا كتبت جمعت ولالى هنا خط سيف البحر ولا وطئت له أرضاً باطن حافر الفرس ولا لعبت سال لعابي ولا رويت الحديث شددته بالرواء وهل الحبل ولا رأيت بطناً ولا فخذاً قبائل ولا ساقا ذكر الحمام ولا رجلاً قطعة الجراد ولا وجهاً أي قصداً ولا أبصرته أي رأيت قشراً على الجلد.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الخامس في تتمات يفتقر إليها الناظر في هذا الكتاب ويحسن موقعها عند أولي الألباب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.