من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الْخَامِس وَالسِّتُّونَ وَهُوَ من شَوَاهِد س
أكل عَام نعم تحوونه
على أَنه بِتَقْدِير حواية نعم ليَصِح الْإِخْبَار عَن اسْم الْعين باسم الزَّمَان فَإِن قَوْله أكل عَام مَنْصُوب على الظّرْف فِي مَوضِع خبر لقَوْله نعم فَوَجَبَ تَقْدِير مُضَاف وَقدره الشَّارِح الْمُحَقق حواية بِدَلِيل تحوونه وَهُوَ مصدر حويت الشَّيْء أحويه إِذا ضممته واستوليت عَلَيْهِ وملكته وَقدره ابْن النَّاظِم فِي شرح الْخُلَاصَة إِحْرَاز نعم وَقدره ابْن هِشَام نهب نعم وَقدره ابْن خلف أَخذ نعم أَو تَحْصِيل نعم وَقَالَ النّحاس كَانَ الْمبرد يذهب إِلَى أَن الْمَعْنى أكل عَام حُدُوث نعم فَيكون كل مَنْصُوبًا بالحدوث كَمَا تَقول اللَّيْلَة الْهلَال قَالَ أَبُو الْحسن ردا عَلَيْهِ لَيْسَ النعم شَيْئا
يحدث لم يكن كَيَوْم الْجُمُعَة وَمَا أشبهه وَلَكِن الْعَامِل فِي كل الِاسْتِقْرَار وَالْخَبَر مَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ نعم تحوونه لكم ا. هـ.
أَقُول الْمبرد قدر هَذَا الْمُضَاف لصِحَّة الْإِخْبَار لَا لِأَنَّهُ عَامل فِي الظّرْف وَكَيف يكون الْعَامِل فِي كل الِاسْتِقْرَار مَعَ كَون الْخَبَر محذوفا مُقَدرا بلكم فَتَأمل وَقدر صَاحب اللب الْمَحْذُوف مثل الْمبرد قَالَ شَارِحه يحْتَمل أَن يكون مُرَاده أَن الْمُضَاف هُنَا مَحْذُوف أَي أحدوث نعم حصل فِي كل عَام أَو أحصل فِي كل عَام حُدُوث نعم فَحذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه فَيكون الْمُبْتَدَأ أَو الْعَامِل فِي التَّقْدِير حَدثا غير مُسْتَمر وَأَن يكون مُرَاده أَن للنعم فِي نَفسه تجددا وحدوثا فِي كل عَام كَمَا أَن فِي نفس الْهلَال تجددا وحدوثا فِي كل شهر ا. هـ.
وَفهم من كَلَامه شيئآن
الأول الرَّد على أبي الْحسن فِي قَوْله لَيْسَ النعم شَيْئا يحدث وَالثَّانِي أَن نعما لَا يتَعَيَّن أَن يكون مُبْتَدأ بل يجوز أَيْضا أَن يكون فَاعل الظّرْف وَمثله قَالَ ابْن هِشَام فِي شرح الشواهد الْأَحْسَن أَن يكون نعم فَاعِلا بالظرف لاعتماده فَلَا مُبْتَدأ وَلَا خبر وَمَعَ هَذَا فلابد من التَّقْدِير أَيْضا لِأَنَّهُ لأجل الْمَعْنى لَا لأجل الْمُبْتَدَأ إِذْ الَّذِي يحكم لَهُ بالاستقرار هُوَ الْأَفْعَال لَا الذوات ا. هـ.
وَأورد س هَذَا الْبَيْت على أَن جملَة تحوونه صفة لنعم وَاسْتشْهدَ بِهِ أَيْضا صَاحب الْكَشَّاف على تذكير الْأَنْعَام فِي قَوْله تَعَالَى (وَإِن لكم فِي الْأَنْعَام لعبرة نسقيكم مِمَّا فِي بطونه لِأَنَّهُ مُذَكّر كَمَا ذكر الشَّاعِر الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي تحوونه الرَّاجِع إِلَى النعم لِأَنَّهُ النعم اسْم مُفْرد بِمَعْنى الْجمع قَالَ الْفراء هُوَ مُفْرد لَا يؤنث يُقَال هَذَا نعم وَارِد وَقَالَ الْهَرَوِيّ وَالنعَم يذكر وَيُؤَنث وَكَذَلِكَ الْأَنْعَام تذكر وتؤنث وَلِهَذَا قَالَ مِمَّا فِي بطونه وَفِي مَوضِع آخر مِمَّا فِي بطونها قَالَ الرَّاغِب فِي مَوضِع النعم مُخْتَصّ بِالْإِبِلِ قَالَ وتسميته بذلك لكَون الْإِبِل عِنْدهم أعظم نعْمَة ثمَّ قَالَ لَكِن الْأَنْعَام يُقَال لِلْإِبِلِ وَالْبَقر وَالْغنم وَلَا يُقَال لَهَا أنعام حَتَّى يكون فِيهَا إبل وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى (مِمَّا يَأْكُل النَّاس والأنعام) إِن الْأَنْعَام هَا هُنَا عَام فِي الْإِبِل وَغَيرهَا وَرُوِيَ أَيْضا فِي كل عَام بالجار بدل الْهمزَة والهمزة للاستفهام الإنكاري وَبعده
يلقحه قوم وتنتجونهأربابه نوكى فَلَا يحمونه
وَلَا يلاقون طعانا دونهأنعم الْأَبْنَاء تحسبونه
أيهات أيهات لما ترجونه
يَقُول يحملون الفحولة على النوق فَإِذا حملت أَغَرْتُم أَنْتُم عَلَيْهَا فأخذتموها وَهِي حوامل فتلد عنْدكُمْ يُقَال ألقح الْفَحْل النَّاقة إِذا أحبلها واللقاح
كسحاب مَاء الْفَحْل وتنتجونه بتاء الْخطاب يُقَال نتج النَّاقة أَهلهَا أَي استولدوها وأنتجت الْفرس بِالْهَمْزَةِ حَان نتاجها قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح النِّتَاج بِالْكَسْرِ اسْم يَشْمَل وضع الْبَهَائِم من الْغنم وَغَيرهَا وَإِذا ولي الْإِنْسَان نَاقَة أَو شَاة ماخضا حَتَّى تضع قيل نتجها نتجا من بَاب ضرب فالإنسان كالقابلة لِأَنَّهُ يتلَقَّى الْوَلَد وَيصْلح من شَأْنه فَهُوَ ناتج والبهيمة منتوجة وَالْولد نتيجة وَالْأَصْل فِي الْفِعْل أَن يتَعَدَّى إِلَى مفعولين فَيُقَال نتجها ولدا لِأَنَّهُ بِمَعْنى وَلَدهَا ولدا وَيَبْنِي الْفِعْل للْمَفْعُول فيحذف الْفَاعِل ويقام الْمَفْعُول الأول مقَامه وَيُقَال نتجت النَّاقة ولدا إِذا وَضعته وَيجوز حذف الْمَفْعُول الثَّانِي اقتصارا لفهم الْمَعْنى فَيُقَال نتجت الشَّاة وَيجوز إِقَامَة الْمَفْعُول الثَّانِي مقَام الْفَاعِل وَحذف الْمَفْعُول الأول لفهم الْمَعْنى فَيُقَال نتج الْوَلَد ونتجت السخلة أَي ولدت وَقد يُقَال نتجت النَّاقة ولدا بِالْبِنَاءِ للْفَاعِل على معنى ولدت أَو حملت قَالَ السَّرقسْطِي نتج الرجل الْحَامِل وضعت عِنْده ونتجت هِيَ أَيْضا حملت لُغَة قَليلَة وأنتجت الْفرس وَذُو الْحَافِر بِالْألف استبان حملهَا فَهِيَ نتوج ا. هـ.
وَهَذَا التَّفْصِيل لَا يُوجد فِي غير هَذَا الْكتاب وَلِهَذَا نقل برمتِهِ ونوكى بِفَتْح النُّون جمع أنوك وَهُوَ الأحمق الضَّعِيف التَّدْبِير وَالْعَمَل وَالِاسْم النوك بِالضَّمِّ وَالْفَتْح نوك كفرح نواكة ونوكا محركة واستنوك وَهُوَ أنوك ومستنوك وَالْجمع نوكي كسكري ونوك كهوج وَامْرَأَة نوكاء من نوك أَيْضا وأنوكه صادفة أنوك وَقَوله فَلَا يحمونه أَي لَا يمْنَعُونَ من أَرَادَ الإغارة عَلَيْهِ وَالْأَبْنَاء كل بني سعد بن زيد إِلَّا بني كَعْب بن سعد وتحسبونه بِالْخِطَابِ أَيْضا وأيهات لُغَة فِي هَيْهَات وَقَوله لما ترجونه بِالْخِطَابِ أَيْضا أَي رجوا أَن يَدُوم لَهُم هَذَا الْفِعْل فِي النَّاس فمنعناهم مِنْهُ وحمينا مَا يَنْبَغِي أَن نحميه وَهَذِه الأبيات قيلت فِي يَوْم الْكلاب الثَّانِي فَإِن للْعَرَب فِيهِ يَوْمَيْنِ عظيمين وَهُوَ بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام وَهُوَ مَاء لبني تَمِيم بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة
وَكَانَ من حَدِيث هَذَا الْيَوْم على مَا فِي شرح المناقضات وَفِي الأغاني أَنه لما أوقع كسْرَى ببني تَمِيم وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا أَغَارُوا على لطيمته فَلَجَئُوا إِلَى الْكلاب وَذَلِكَ فِي القيظ وَقد أمنُوا أَن تقطع عَلَيْهِم تِلْكَ الصحارى فَدلَّ عَلَيْهِم بَنو الْحَارِث ابْن عبد المدان فقتلت الْمُقَاتلَة وَبَقِي الذَّرَارِي وَالْأَمْوَال بلغ ذَلِك مذحجا فَمشى بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا اغتنموا بني تَمِيم ثمَّ بعثوا الرُّسُل فِي قبائل الْيمن وأحلافها من قضاعة فَقَالَت مذْحج للْمَأْمُور الْحَارِثِيّ الكاهن مَا ترى فَأَشَارَ بالكف عَن غزوهم وَزَعَمُوا أَنه اجْتمع من مذْحج ولفها اثْنَا عشر ألفا فَكَانَ رَئِيس مذْحج عبد يَغُوث بن وَقاص وَرَئِيس هَمدَان رجل يُقَال لَهُ مشرح وَرَئِيس كِنْدَة الْبَراء ابْن قيس بن الْحَارِث الْملك فَأَقْبَلُوا إِلَى بني تَمِيم فَبلغ ذَلِك سَعْدا والرباب فَانْطَلق نَاس من أَشْرَافهم إِلَى أَكْثَم بن صَيْفِي فاستشارة فَقَالَ أقلوا الْخلاف على أمرائكم وَاعْلَمُوا أَن كَثْرَة الصياح من الفشل تثبتوا فَإِن أحزم الْفَرِيقَيْنِ الركين وَرُبمَا عجدلة تهب ريثا وابرزوا للحرب وأدرعوا اللَّيْل فَإِنَّهُ أخْفى للويل فَلَمَّا انصرفوا من عِنْد أَكْثَم تهيؤوا للغزو واستعدوا للحرب وَأَقْبل أهل الْيمن فِي بني الْحَارِث من أَشْرَافهم يزِيد بن عبد المدان وَيزِيد بن المخرم وَيزِيد بن اليكسم ابْن الْمَأْمُور وَيزِيد بن هوبر حَتَّى إِذا كَانُوا بتيمن وَهِي مَا بَين نَجْرَان إِلَى بِلَاد بني تَمِيم نزلُوا قَرِيبا من الْكلاب وَرجل من بني زيد بن ريَاح بن يَرْبُوع يُقَال لَهُ مشمت بن زنباع فِي إبل لَهُ وَهُوَ عِنْد خَال لَهُ من بني سعد وَمَعَهُ رجل من
بني سعد يُقَال لَهُ زُهَيْر بن بو فَلَمَّا أبصرهم المشمت قَالَ لزهير دُونك الْإِبِل وَتَنَحَّى عَن طريقهم حَتَّى أَتَى الْحَيّ فأنذرهم فأعدوا للْقَوْم وصبحوهم فَأَغَارُوا على النعم فأطردوه وَجعل رجل من أهل الْيمن يَقُول
فِي كل عَام نعم ننتابهعلى الْكلاب غيبا أربابه فَأَجَابَهُ غُلَام من بني سعد كَانَ فِي النعم على فرس لَهُ فَقَالَ
عَمَّا قَلِيل يلحقن أربابه
وروى
عَمَّا قَلِيل سترى أربابه
صلب الْقَنَاة حازما شبابهعلى جِيَاد ضمر غيابه
وَأَقْبل بَنو سعد والرباب وَرَئِيس الربَاب النُّعْمَان بن جساس بِكَسْر الْجِيم وَتَخْفِيف السِّين وَرَئِيس بني سعدج قيس بن عَاصِم وَأجْمع الْعلمَاء على أَن قيس بن عَاصِم كَانَ الرئيس يَوْمئِذٍ فَقَالَ رجل من بني ضبة حِين دنا من الْقَوْم وَقَالَ شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ هُوَ قيس بن حُصَيْن بن يزِيد الْحَارِثِيّ
فِي كل عَام نعم تحوونه الأبيات
وَتَقَدَّمت سعد والرباب فَالْتَقوا فِي أَوَائِل النَّاس فَلم يلتفتوا إِلَيْهِم واستقبلوا النعم من قبل وجوهه فَجعلُوا يصرفونه بأرماحهم وَاخْتَلَطَ الْقَوْم فَاقْتَتلُوا قتالا شَدِيدا يومهم حَتَّى إِذا كَانَ آخر النَّهَار قتل النُّعْمَان بن جساس وَظن أهل الْيمن أَن بني تَمِيم لَيْسُوا بِكَثِير حَتَّى قتل النُّعْمَان فَلم يزدهم ذَلِك إِلَّا جَرَاءَة فَاقْتَتلُوا حَتَّى حجز
بَينهم اللَّيْل فَلَمَّا صبحوا غدوا على الْقِتَال فَنَادَى قيس بن عَاصِم يَا آل مقاعس وَهُوَ الْحَارِث بن عَمْرو بن كَعْب بن سعد بن زيد مَنَاة بن تَمِيم فَسمع الصَّوْت وَعلة بن عبد الله بن الْجرْمِي وَكَانَ صَاحب اللِّوَاء يَوْمئِذٍ فطرحه وَكَانَ أول من انهزم مِنْهُم وحملت عَلَيْهِم سعد والرباب فهزموهم وَجعل رجل مِنْهُم يَقُول
يَا قوم لَا يفلتكم اليزيدانيزِيد حزن وَيزِيد الريان
مخرم أَعنِي بِهِ وَالديَّان
مخرم هُوَ ابْن شُرَيْح بن المخرم بن حزن بن زِيَاد بن الْحَارِث بن مَالك بن ربيعَة بن كَعْب بن الْحَارِث وَهُوَ صَاحب المخرم بِبَغْدَاد وَجعل قيس يُنَادي يال تَمِيم لَا تقتلُوا إِلَّا فَارِسًا فَإِن الرجالة لكم وَجعل يَأْخُذ الأسرى فَمَا زَالُوا فِي آثَار الْقَوْم يقتلُون وَيَأْسِرُونَ حَتَّى أَسرُّوا عبد يَغُوث بن وَقاص وَسَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَاب المنادى عِنْد شرح قَوْله
فيا رَاكِبًا إِمَّا عرضت فبلغننداماي من نَجْرَان أَن لَا تلاقيا
وَأما وَعلة فَإِنَّهُ لحق رجلا من بني نهد يُقَال لَهُ سليط بن قتب فَقَالَ لَهُ وَعلة أردفني خَلفك فإنني أَتَخَوَّف الْقَتْل فَأبى أَن يردفه فطرحه عَن قربوسه وَركب عَلَيْهَا وَأدْركت بَنو سعد النَّهْدِيّ فَقَتَلُوهُ فَقَالَ وَعلة لما أَتَى أَهله
لما سَمِعت الْخَيل تَدْعُو مقاعساتطلع مني ثغرة النَّحْر جَائِر
يَعْنِي الْقلب
نجوت نجاء لَيْسَ فِيهِ وتيرةكَأَنِّي عِقَاب دون تيمن كاسر
وَقد قلت للنهدي هَل أَنْت مردفيوَكَيف رداف الفل أمك عَابِر
من الْعبْرَة يَقُول عبرت أمك كَيفَ تردفني وَإنَّك فل مُنْهَزِم
أناشده وَالرحم بيني وَبَينهوَقد كَانَ فِي نهد وجرم تدابر
أَي تقاطع وتباغض
فَمن يَك يَرْجُو فِي تَمِيم هوادةفَلَيْسَ لجرم فِي تَمِيم أواصر
أَي قَرَابَات
فدى لَكمَا رجْلي أُمِّي وخالتيغَدَاة الْكلاب إِذْ تجز الدوابر
وَذَلِكَ أَن قيس بن عَاصِم لما أَكثر قومه الْقَتْل فِي الْيمن أَمرهم بالكف عَن الْقَتْل وَأَن يجزوا عراقيبهم
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع