من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّامِن وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
أَنا اقْتَسَمْنَا خطتينا بَيْننَافَحملت برة واحتملت فجار
على أَن فجار مصدر معرفَة مؤنث. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما مَا جَاءَ اسْما للمصدر كَقَوْل النَّابِغَة: فَحملت برة واحتملت فجار
فَقَالَ: امكثي حَتَّى يسَار لَعَلَّنَانحج مَعًا قَالَت: أعاماً وقابله
فَهِيَ معدولة عَن الميسرة فَأجرى هَذَا الْبَاب مجْرى الَّذِي قبله لِأَنَّهُ عدل كَمَا عدل وَلِأَنَّهُ مؤنث بِمَنْزِلَتِهِ. اه. قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي فجار وَهُوَ اسْم للفجرة معدول عَن مؤنث كَأَنَّهُ عدل عَن الفجرة بعد أَن سمي بهَا الْفُجُور كَمَا سمي الْبر: برة وَلَو عدلها لقَالَ: برار كَمَا قَالَ فجار. اه.
قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: لم يقم لي إِلَى الْآن دليلٌ قَاطع على تَعْرِيفه وَلَا تأنيثه إِلَى آخر مَا حَقَّقَهُ وأجاد فِيهِ الْبَحْث ودققه.
وَمثله لناظر الْجَيْش فِي شرح التسهيل قَالَ: وَمَا ذكره المُصَنّف من أَن مَا كَانَ من أَسمَاء الْأَفْعَال على فعال مَحْكُوم بتأنيثه كَأَنَّهُ أَمر مجمع عَلَيْهِ من النُّحَاة. وَهُوَ أَمر يُؤْخَذ تقليداً. وَقَالَ فِي بَاب منع الصّرْف أَيْضا: وَأما قَوْله وَكلهَا معدول عَن مؤنث فَهُوَ أَمر كالمجمع عَلَيْهِ عِنْد النُّحَاة وَلَكِن يتَعَيَّن التَّعَرُّض لبَيَان المعدول عَنهُ فِي كل من الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورَة. أما الصّفة المختصة بالنداء فَالظَّاهِر أَن فساق معدولٌ عَن فاسقه لقصد الْمُبَالغَة فِي الذَّم. وَأما الصّفة الْجَارِيَة مجْرى الْأَعْلَام فَذكرُوا أَنَّهَا معدولة عَن صِفَات غلبت فاستعملت أَسمَاء كنابغة فِي قَوْله: ونابغة الْجَعْدِي فِي الرمل بَيته فنابغة: نعتٌ فِي الأَصْل إِلَّا أَنه غلب حَتَّى صَار اسْما. قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن تتبع مَوْصُوفا. وَلَا يخفى أَن الْغَلَبَة لَا تكون عدلا لِأَن الْعدْل عبارَة عَن تَبْدِيل لفظ بِلَفْظ للدلالة على الْمُبَالغَة فِي ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي أَفَادَهُ اللَّفْظ المعدول عَنهُ. وَلم يتَحَقَّق لي وَجه الْعدْل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة. وَأما الْمصدر فَقَالُوا: هُوَ معدول عَن مصدر مؤنث معرفَة وَإِن كَانُوا لم يستعملوا فِي كَلَامهم ذَلِك الْمصدر للمعرفة المؤنثة الَّذِي عدل عَنهُ. وَيفهم من هَذَا أَنه عدلٌ تقديريٌّ لَا تحقيقي. وَأما الْحَال فَقَالَ: إِنَّه عدلٌ عَن مصدر مؤنث معرفَة. وَقد فسر سِيبَوَيْهٍ بداد بقوله:)
بداداً. وَلَيْسَ هَذَا بعدلٍ لِأَنَّهُ نكرَة وَإِنَّمَا هِيَ معدولة عَن البدة أَو المبادة وَهَذَا أَيْضا عدل تقديري.
وَأما اسْم الْفِعْل فَلم يذكرُوا مَاذَا عدل مِنْهُ وَلم يتَحَقَّق لي وَجه الْعدْل فِيهِ. وَالْعجب أَنهم يجْعَلُونَ اسْم الْفِعْل أصلا فِي الْعدْل والتأنيث. وَمَا بَرحت أتطلب بَيَان مَا عدل عَنهُ نزال وَبَيَان كَونه مؤنثاً وَلم أَقف من كَلَامهم على مَا يُوضح لي ذَلِك. وَالَّذِي يظْهر أَن القَوْل بِالْعَدْلِ والتأنيث فِي نزال لَيْسَ على وَجه التَّحْقِيق بل على وَجه التَّقْدِير. وَقَالَ صَاحب الإفصاح: نزال عِنْد سِيبَوَيْهٍ علمٌ على الْمَعْنى كسبحان وَمثله حلاق وجماد فِي اسْم الْمنية وَالسّنة المجدبة.
وَقد يكون هَذَا الْعدْل علما على الشَّخْص كحذام. وَيرى سِيبَوَيْهٍ أَن هَذِه الْأَشْيَاء بنيت حملا على نزال ونزال بني حملا على الْفِعْل. اه. وَيظْهر من كَلَامه أَن الْعدْل فِي هَذِه الْأُمُور إِنَّمَا هُوَ تقديريٌّ. وَأما قَوْله إِن نزال عِنْد سِيبَوَيْهٍ علم فَلم يَتَّضِح لي كَونه علما. انْتهى مَا أوردهُ نَاظر الْجَيْش بِاخْتِصَار. وَاسْتدلَّ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل للتأنيث بشيئين ضعيفين قَالَ: أَرَادَ بفجار الغدرة. وَتسَمى الغدرة فجار كَمَا تسمى الْمَرْأَة حذام. فَإِن قلت: لما لم جعلته للغدرة المؤنثة دون أَن تَجْعَلهُ اسْما للغدر وَمَا دليلك على هَذِه الدَّعْوَى قُلْنَا: على ذَلِك دليلان: أَحدهمَا: أَن فعال المعدول لَا يعدل إِلَّا عَن مؤنث أَلا ترَاهُ قد قَالَ دعيت نزال وَلَيْسَ هَذَا فِي بَيت زُهَيْر وَحده بل هُوَ مطرد فِي فعال حَيْثُمَا وَقعت. وَالثَّانِي: أَن النَّابِغَة سمى الْوَفَاء برة وَهُوَ يُرِيد الْبر وَكَذَلِكَ سمى الْغدر فجار وَهُوَ يُرِيد الْفُجُور. انْتهى. وَقَالَ اللَّخْمِيّ: فجار اسمٌ للفجور وَهُوَ معدول عَن مؤنث كَأَنَّهُ عدل عَن الفجرة وَهُوَ مصدر بعد أَن سمى بهَا الْفُجُور كَمَا سمى الْبر: برة. هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَحكى غَيره أَنه معدول عَن صفة غالبة وَدَلِيل ذَلِك أَنه قَالَ: فَحملت برة واحتملت فجار
فَجَعلهَا نقيض برة وبرة صفة كَأَنَّهُ قَالَ: حملت الْخصْلَة الْبرة وحملت الْخصْلَة الْفَاجِرَة كَمَا تَقول: الْخصْلَة القبيحة والحسنة فهما صفتان. اه. وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ هُوَ مَذْهَب السيرافي كَمَا نَقله الشَّارِح عَنهُ. وَزَاد ابْن جني فِي الطنبور نَغمَة فَزعم أَن فجار معدولةٌ عَن فجرة علما بِدُونِ أل قَالَ فِي بَاب التَّفْسِير على الْمَعْنى دون اللَّفْظ من كتاب الخصائص: اعْلَم أَن هَذَا موضعٌ قد أتعب كثيرا من النَّاس واستهواهم ودعاهم من سوء الرَّأْي وَفَسَاد الِاعْتِقَاد إِلَى مَا مذلوا بِهِ وتتايعوا فِيهِ حَتَّى إِن أَكثر مَا ترى من هَذِه الآراء الْمُخْتَلفَة والأقوال المستشنعة إِنَّمَا دَعَا إِلَيْهَا)
الْقَائِلين بهَا تعلقهم بظواهر هَذِه الْأَمَاكِن دون أَن يبحثوا عَن سر مَعَانِيهَا ومعاقد أغراضها. فَمن ذَلِك قَول سِيبَوَيْهٍ فِي بَيت النَّابِغَة: إِن فجار معدولةٌ عَن الفجرة وَإِنَّمَا غَرَضه إِنَّهَا معدولة عَن فجرة علما معرفَة على ذَا يدل هَذَا الْموضع. ويقويه وُرُود برة مَعَه فِي الْبَيْت وَهِي كَمَا ترى علم لكنه فسر على الْمَعْنى دون اللَّفْظ. وسوغه أَنه لما أَرَادَ تَعْرِيف الْكَلِمَة المعدولة عَنْهَا مثل ذَلِك بِمَا يعرف بِاللَّامِ لِأَنَّهُ لفظ مُعْتَاد وَترك لفظ فجرة لِأَنَّهُ لَا يعْتَاد ذَلِك علما وَإِنَّمَا يعْتَاد نكرَة من جِنْسهَا نَحْو: فجرت فجرةً كَقَوْلِك: تجرت تجرةً. وَلَو عدلت برة على هَذَا الْحَد لوَجَبَ أَن يُقَال: برار كفجار. اه. وَقد أَخذ الشاطبي هَذَا الْكَلَام فزاده تنويراً فِي شرح الألفية عِنْد قَول ناظمها:
وَمثله برة للمبرهكَذَا فجار علم للفجره
قَالَ: وَمن علم الْجِنْس للمعنى: فجار وَهُوَ علم الْفُجُور ومعدول عَن فجرة علما لَا عَن الفجرة فَإِنَّهُ من بَاب حذام المعدول عَن علم مثله. فَقَوْل سِيبَوَيْهٍ: إِن فجار معدولٌ عَن الفجرة تجوز. كَذَا قَالَ ابْن جني والمحققون. وأل فِي الفجرة فِي كَلَام النَّاظِم لَا إِشْكَال فِيهَا إِذْ لم يرد الْعلم كَمَا أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ وَإِنَّمَا مُرَاده الْجِنْس الَّذِي هُوَ مُطلق الْفُجُور. وَمثل هذَيْن المثالين فينة فِي قَوْلهم: مَا أَلْقَاهُ إِلَّا فينةً أَي: فِي الندرة. قَالَ ابْن جني: هُوَ علم لهَذَا الْمَعْنى. وَمِنْه حَمَّاد للمحمدة ويسار للميسرة. وَأَشَارَ النَّاظِم بمثالي برة وفجار إِلَى بَيت النَّابِغَة. وَفِي عِبَارَته شيءٌ وَهُوَ أَن الفجرة هِيَ الْمرة الْوَاحِدَة من الْفُجُور وَمَعْلُوم أَن فجار لَيْسَ علما لجنس الْمرة الْوَاحِدَة فَإِن أهل اللُّغَة لم ينقلوا إِلَّا أَنه علم للفجور الْمُطلق وَلَا يَصح أَن يُرِيد أَن فجار اسْم جنس للفجرة المعدول هُوَ عَنهُ إِذْ لم يَقُولُوا ذَلِك وَلَا يَصح فِي نَفسه. فَثَبت أَن قَوْله: فجار علم للفجرة مُشكل.
وَالْجَوَاب أَن إِتْيَانه بالفجرة مقصودٌ لَهُ وَذَلِكَ أَن الْقَاعِدَة فِي فعال أَنه مؤنث ومعدولٌ عَن مؤنث.
وَقد بَين ذَلِك سِيبَوَيْهٍ فِي أَبْوَاب مَا لَا ينْصَرف غَايَة الْبَيَان حَتَّى إِنَّه قدر مَا لم يسْتَعْمل مؤنثاً كَأَنَّهُ اسْتعْمل كَذَلِك ثمَّ جعل فعال معدولاً عَنهُ. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فالاسم المعدول عَنهُ وَهُوَ الْعلم الْمُقدر اسْم لجنسٍ مؤنث إِذْ لَا بُد من مطابقته لَهُ فِي التَّأْنِيث وَلذَلِك قَالَ: وَمثله برة للمبرة وَلم يقل للبر وَنَحْوه. وَالْحَاصِل أَن النَّاظِم نبه بمثال الفجرة على أَن فعال علم لاسم الْجِنْس الْمُؤَنَّث فَإِن كَانَ مُسْتَعْملا فَذَاك وَإِلَّا قدر لَهُ اسْم مؤنث. وَهَذِه قاعدةٌ مَحل بَيَانهَا بَاب مَا لَا ينْصَرف.
انْتهى كَلَامه بِاخْتِصَار يسير. وَهَذَا كُله لَا يدْفع مَا أوردهُ الشَّارِح الْمُحَقق. وَالْبَيْت من قصيدةٍ)
للنابغة الذبياني هدد بهَا زرْعَة بن عَمْرو الْكلابِي وَكَانَ زُرَارَة لَقِي النَّابِغَة بعكاظ وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَن يُشِير على قومه أَن يغدروا بني أَسد
وينقضوا حلفهم فَأبى عَلَيْهِ النَّابِغَة وَجعل خطته الَّذِي التزمها من الْوَفَاء برة وخطة زرْعَة لما دَعَاهُ إِلَيْهِ من الْغدر وَنقض الْحلف فاجرة. وَبلغ النَّابِغَة أَن زرْعَة هجاه وتوعده فَقَالَ النَّابِغَة وَهَذَا أول القصيدة عِنْد أبي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ والأصمعي:...
نبأت زرْعَة والسفاهة كاسمهايهدي إِلَيّ غرائب الْأَشْعَار
فَحَلَفت يَا زرْعَة بن عمرٍ وإِنَّنِيمِمَّا يشق على الْعَدو ضراري
أعلمت يَوْم عكاظ حِين لقيتنيتَحت الْغُبَار فَمَا خططت غباري
أَنا اقْتَسَمْنَا خطتينا بَيْننَافَحملت برة واحتملت فجار
فلتأتينك قصائدٌ وليدفعنألفٌ إِلَيْك قوادم الأكوار
رَهْط ابْن كوزٍ محقبو أدراعهمفيهم ورهط ربيعَة بن حذار
ولرهط حرابٍ وقدٍّ سورةٌفِي الْمجد لَيْسَ غرابها بمطار
وَبَنُو قعينٍ لَا محَالة أَنهمآتوك غير مقلمي الأظافر
سهكين من صدأ الْحَدِيد كَأَنَّهُمْتَحت السنور جنَّة البقار
وَبَنُو سواءة زائروك بوفدهمجيشٌ يقودهم أَبُو المظفار
وَبَنُو جذيمة حَيّ صدقٍ سادةٌغلبوا على خبتٍ إِلَى تعشار
جمعٌ يظل بِهِ الفضاء معضلاًيذر الإكام كأنهن صحار
وَقَالَ فِي آخرهَا:
حَولي بَنو دودان لَا يعصوننيوَبَنُو بغيضٍ كلهم أَنْصَارِي
وَقَوله: نبئت زرْعَة إِلَخ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وَالتَّاء نَائِب فَاعل وزرعة مفعول ثَان وَجُمْلَة: يهدي إِلَخ فِي مَوضِع الْمَفْعُول الثَّالِث. وَقَوله: والسفاهة كاسمها اعْتِرَاض أَي: فعل السفاهة قَبِيح وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَن السفاهة كَمَا تنكرهَا الْقُلُوب والعقول تمج الآذان اسْمهَا. فَإِن قلت: مَا اسْم السفاهة حَتَّى قَالَ: كاسمها قلت: أَرَادَ مَا سمي سفاهة. أَي: الْمُسَمّى بِهَذَا الِاسْم قبيحٌ كَمَا أَن الِاسْم الَّذِي هُوَ السَّفه قَبِيح إِلَّا أَنه لما لم يجد إِلَى الْعبارَة عَن الذَّات طَرِيقا إِلَّا باسمه قَالَ: والسفاهة كاسمها. كَذَا قَالَ الإِمَام المرزوقي. وَقَوله: يهدي إِلَيّ غرائب الْأَشْعَار إِلَخ يَعْنِي أَنه)
غير مَشْهُور فالشعر من قبله غَرِيب إِذْ لَيْسَ من أربابه. قَوْله: فَحَلَفت يَا زرع إِلَخ جملَة: إِنَّنِي إِلَخ جَوَاب الْقسم والضرار بِالْكَسْرِ: الدنو من الشَّيْء واللصوق بِهِ يَقُول: أَنا قويٌّ عَزِيز فالعدو يكره مجاورتي لَهُ. وَقَوله: أعلمت إِلَخ الِاسْتِفْهَام تقريريٌّ. وروى: أنسيت يَوْم وخططت بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة: شققت يُقَال: مَا خطّ غباره أَي: لم يدن مِنْهُ وَلم يتَعَلَّق بِهِ. وَقَوله: أَنا اقْتَسَمْنَا إِلَخ بِفَتْح همزَة أَنا لِأَنَّهَا مَعَ معموليها فِي تَأْوِيل مصدر سادٍّ مسد مفعولي علمت هَذِه وَرَايَة أبي عَمْرو. وروى الْأَصْمَعِي: يَوْم اخْتَلَفْنَا خطتينا وَابْن الْأَعرَابِي: يَوْم احتملنا. يَقُول: بررت أَنا وفجرت أَنْت. قَالَ شَارِح الدِّيوَان: قَوْله فجار يَعْنِي خطة فاجرة خرج مخرج حذام ورقاش.
والخطة بِالضَّمِّ: الْحَالة والخصلة. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَقَالَ فِي الْبر حملت وَفِي الْفُجُور احتملت لِأَن الْعَرَب إِذا اسْتعْملت فعل وافتعل بِزِيَادَة التَّاء كَانَ الَّذِي لَا زِيَادَة فِيهِ يصلح للقليل وَالْكثير وَالَّذِي فِيهِ الزِّيَادَة للكثير خَاصَّة نَحْو: قدر واقتدر وَكسب واكتسب. فَأَرَادَ أَن يهجو بِكَثْرَة غدره وإيثاره للفجور فَذكر اللَّفْظَة الَّتِي يُرَاد بهَا الْكثير ليَكُون أبلغ فِي الهجو. وَلَو قَالَ: حملت فجار لأمكن أَن لَا يكون غدر إِلَّا مرّة وَاحِدَة. وَأما الْأَفْعَال الَّتِي لَا تسْتَعْمل إِلَّا بِالتَّاءِ فخارجة عَن هَذَا الحكم لِأَنَّهَا تصلح لما قل وَلما كثر كَقَوْلِك: استويت على الشَّيْء واجتويت الْبَلَد إِذا كرهته واكتريت الدَّار. فَهَذَا لَا يُقَال فِيهِ إِنَّه للتكثير خَاصَّة لِأَنَّهُ لم يسْتَعْمل غير مزِيد.
وَقَوله: فلتأتينك قصائد إِلَخ هَذَا شروعٌ فِي تهديد زرْعَة. يَقُول: وَالله لأغيرن عَلَيْكُم بقصائد الهجو وَرِجَال الْحَرْب. وَرُوِيَ بِنصب ألف وَرفع قوادم. يَقُول: لتركبن إِلَيْك نَجَائِب تدفع إِلَيْك جَيْشًا. والكور بِالضَّمِّ: الرحل وقادمته: العودان اللَّذَان يجلس بَينهمَا الرَّاكِب.
وَقَوله: رَهْط ابْن كوز إِلَخ أَي: هم رَهْط إِلَخ. وَابْن كوز وَرَبِيعَة بن حذار بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَكسرهَا هما من بني أَسد. وَقَوله: محقبو أدراعهم أَي: يجعلونها خَلفهم فِي مَوضِع الحقائب.
والحقيبة: خرج صغيرٌ يربطه الرَّاكِب خَلفه. وَقَوله: ولرهط حرابٍ وَقد إِلَخ الأول بِفَتْح الْحَاء وَتَشْديد الرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالثَّانِي بِفَتْح الْقَاف وَتَشْديد الدَّال. قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ وَابْن الْأَعرَابِي: هما من بني والبة ابْن الْحَارِث بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد. وَالسورَة بِالضَّمِّ: الْفَضِيلَة. وَهَذَا الْبَيْت اسْتشْهد بِهِ الزَّمَخْشَرِيّ والبيضاوي عِنْد قَوْله تَعَالَى: فَأتوا بسورةٍ من مثله على أَن السُّورَة: الرُّتْبَة. وَقَوله: لَيْسَ غرابها بمطار كِنَايَة عَن كَثْرَة الرَّهْط ودوام الْعِزّ لَهما. وَإِذا وصف الْمَكَان بِالْخصْبِ وَكَثْرَة الشّجر قيل: لَا يطار غرابه. يُرِيد أَن يَقع فِي الْمَكَان فيجد مَا يشْبع وَلَا يحْتَاج)
أَن يتَحَوَّل عَنهُ. فَجعله مثلا للمجد أَي: مجدهم لَيْسَ بمنقلع. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ فِي مَكَان مُرْتَفع لَا يُؤْذى من الْعِزّ. أَرَادَ أَنهم أعزاء منعاء لَا يُوصل إِلَيْهِم. وَتَخْصِيص الْغُرَاب لِأَنَّهُ الْمثل فِي الحذر فَإِنَّهُ يطير بِأَدْنَى ريبةٍ. وَقَوله: وَبَنُو قعين إِلَخ هم من بني أَسد. وَقَوله: غير مقلمي إِلَخ يُرِيد إِنَّهُم آتوك غير مسالمين لَك وعداوتهم ظَاهِرَة وَإِنَّمَا يأتونك للمحاربة. وآتوك: جمع آتٍ.
وَقَوله: سهكين من صدأ إِلَخ متلبسين برائحة الْحَدِيد المصدئ. يَعْنِي أَن السِّلَاح يصدأ عَلَيْهِم لطول لبسهم إِيَّاه. والسهكة: رَائِحَة الْحَدِيد المصدئ. والسنور: الدروع وَقيل: السِّلَاح كُله.
والبقار بِالْمُوَحَّدَةِ وَالْقَاف الْمُشَدّدَة: موضعٌ برمل عالج قريبٌ من جبلي طَيئ تسكنه الْجِنّ.
يَقُول: كَأَنَّهُمْ جنٌّ فِي شجاعتهم. وَقَوله: وَبَنُو سواءة بِضَم السِّين وَالْمدّ هم من بني أَسد أَيْضا.
وَأَبُو المظفار هُوَ مَالك بن عَوْف من بني أَسد. وَقَوله: وَبَنُو جذيمة إِلَخ بِفَتْح الْجِيم وَكسر الذَّال الْمُعْجَمَة هُوَ من بني أَسد أَيْضا. وجذيمة هُوَ ابْن مَالك بن نصر بن قعين. وخبت بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْمُوَحدَة: اسْم مَاء فِي ديار كِنْدَة. وتعشار بِكَسْر الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة وَبعد الْمُهْملَة شين مُعْجمَة: موضعٌ فِي بِلَاد بني تَمِيم وَقيل: جبلٌ فِي بني ضبة وَقَالَ الْخَلِيل: ماءٌ لبني ضبة فِي نجد.
كَذَا فِي مُعْجم مَا استعجم. وَقَوله: وَالْقَوْم غاضرة إِلَخ غاضرة بإعجام الْأَوَّلين: قومٌ من بني أَسد أَيْضا. يَقُول: لم يتحملوا ليهربوا إِنَّمَا أَرَادوا الْإِقَامَة والثبات فِي مَنَازِلهمْ. وَقَوله: جمع يظل بِهِ إِلَخ معضلاً بِفَتْح الضَّاد الْمُشَدّدَة. غاصاً ضيقا. وَقَوله: حَولي بَنو دودان هم من بني أَسد وَبَنُو بغيض هم رَهْط النَّابِغَة. وترجمة النَّابِغَة تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع بعد الْمِائَة.
وَأما الْبَيْت الَّذِي أوردهُ سِيبَوَيْهٍ بعد الْبَيْت الشَّاهِد فقد أوردهُ غفلاً غير مَنْسُوب وَلم يعزه شرَّاح أبياته وَقَالَ ابْن السَّيِّد لَا أعرف قَائِله. وعينه ابْن هِشَام اللَّخْمِيّ فَقَالَ: هُوَ لحميدٍ الأرقط يَقُول لزوجه وَكَانَت قد سَأَلته الْحَج وَكَانَ مقلاًّ فَقَالَ لَهَا: امكثي حَتَّى يرزقنا الله مَالا نحج بِهِ. فَقَالَت: مُنكرَة لقَوْله: أأمكث عَاما وقابله أَي: قَابل ذَلِك الْعَام. والقابل بِمَعْنى الْمقبل. وَهُوَ جارٍ على قبل.
يُقَال: أقبل وَقبل وَأدبر ودبر. وَهُوَ ظرفٌ وَمثله: مَعًا وعاملهما مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى كَمَا قَدرنَا. والهمزة للإنكار. وَهُوَ من أبياتٍ ثَلَاثَة هِيَ: فَقلت امكثي حَتَّى يسَار................. الْبَيْت
لَعَلَّ ملمات الزَّمَان ستنجليوعل إِلَه النَّاس يوليك نائله
ويسار: اسْم لليسر معدول عَن الميسرة وَهِي الْغَنِيّ. وترجمة حميد الأرقط تقدّمت فِي)
الشَّاهِد الثَّالِث بعد الأربعمائة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع