من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:
جماد لَهَا جماد وَلَا تقوليطوال الدَّهْر مَا ذكرت: حَمَّاد
على أَنهم قَالُوا: مَعْنَاهُ قولي لَهَا: جموداً وَلَا تقولي: حمداً بالتنكير والتذكير. وَهَذَا واردٌ على قَوْلهم إِن فعال معدولٌ عَن معرف مؤنث. وَمِمَّنْ قَالَ كَذَا ابْن السراج فِي الْأُصُول فَإِنَّهُ قَالَ بعد مَا أنْشد الْبَيْت: قَالَ سِيبَوَيْهٍ: يُرِيد قولي لَهَا: جموداً وَلَا تقولي لَهَا: حمداً. وَمِنْهُم ابْن الشجري قَالَ فِي أَمَالِيهِ: جماد: اسمٌ للجمود وَحَمَّاد: اسمٌ للحمد فِي هَذَا الْبَيْت. أَرَادَ قُولُوا لَهَا: جموداً وَلَا تَقولُوا لَهَا: حمداً. وَهَذَا لَا يرد عَلَيْهِم فَإِنَّهُم قَالُوا: لَا بُد من التَّعْرِيف والتأنيث فِي فعال بالمعاني الْأَرْبَعَة. وَقَوْلهمْ: مَعْنَاهُ جموداً وحمداً وَمَا أشبهه فَإِنَّمَا هُوَ تساهلٌ فِي التَّعْبِير عَنهُ.
وَكَذَلِكَ فعل سِيبَوَيْهٍ إِلَّا أَنه اعْتبر التَّأْنِيث فِي المعدول عَنهُ إِمَّا تَحْقِيقا أَو تَقْديرا قَالَ: وَأما مَا جَاءَ اسْما وَالْخَيْل تعدو بالصعيد بداد فَهَذَا بِمَنْزِلَة قَوْله: تعدو بدداً إِلَّا أَن هَذَا المعدول عَن حَده مؤنثاً. وَكَذَلِكَ لَا مساس وَالْعرب تَقول: أَنْت لَا مساس وَمَعْنَاهُ لَا تمسني وَلَا أمسك. وَدعنِي كفاف فَهَذَا معدولٌ عَن مؤنث وَإِن كَانُوا لم يستعملوا فِي كَلَامهم ذَلِك للمؤنث الَّذِي عدل عَنهُ بداد وَأَخَوَاتهَا. وَنَحْو ذَا فِي كَلَامهم.
أَلا ترى أَنهم قَالُوا: ملامح ومشابه وليالٍ فجَاء جمعه على حد مَا لم يسْتَعْمل فِي الْكَلَام لَا يَقُولُونَ: ملمحة وَلَا ليلاة. وَنَحْو ذَلِك كثير قَالَ الشَّاعِر: جماد لَهَا جماد وَلَا تقولي............... الْبَيْت فَهَذَا بِمَنْزِلَة جموداً. وَلَا نقُول عدل عَن قَوْله جمداً لَهَا ولكنهما عدلا عَن مؤنث كبداد. انْتهى نَص سِيبَوَيْهٍ. فَعنده يجب فِيمَا لَو كَانَ من أَسمَاء الْأَجْنَاس غير مؤنث فَجعل لَهُ اسْم فعال أَن يقدر لَهُ التَّأْنِيث. وَقد قدر سِيبَوَيْهٍ فِي حضار وسفار أَنه اسْم الكوكبة والماءة وهما من علم الشَّخْص. وَقَالَ السيرافي فِي بداد: إِنَّه معدول عَن البدة أَو المبادة أَو غير ذَلِك يَعْنِي مِمَّا يقدر مؤنثاً يعْطى معنى ذَلِك الْمُذكر.
وَالْبَيْت من قصيدة للمتلمس أورد بَعْضهَا الشريف ضِيَاء الدَّين هبة الله عَليّ بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الْحُسَيْنِي فِي حماسته وَهِي:
صبا من بعد سلوته فُؤَادِيوسمح للقرينة بانقياد
)
عقارا عتقت فِي الدن حَتَّىكَأَن حبابها حدق الْجَرَاد
جماد لَهَا جماد وَلَا تقولنلَهَا يَوْمًا إِذا ذكرت حَمَّاد
هَذَا مَا أوردهُ الشريف. وَقَوله: صبا من بعد سلوته إِلَخ ماضي يصبو صبوةً أَي: مَال إِلَى الْجَهْل والفتوة. وسمح بمهملتين: بِمَعْنى ذل وفاعله ضمير الْفُؤَاد. وَيُقَال: أسمح بِالْألف أَيْضا.
والقرينة: النَّفس وَمثله القرونة بِالْوَاو أَيْضا. يُقَال: أسمحت قرينته وقرونته وَكَذَلِكَ قرينه وقرونه بِدُونِ هَاء أَي: ذلت نَفسه وتابعته على الْأَمر.
وَقَوله: كَأَنِّي شاربٌ يَوْم استبدوا إِلَخ أَي: مضوا برأيهم كَذَا قَالَ الشريف صَاحب الحماسة. وَهُوَ من استبد فلانٌ بِكَذَا أَي: انْفَرد بِهِ. وَالْوَاو ضمير تعود على قوم حبيبته. وَقَوله:
وحث بهم إِلَخ أَي: أسْرع بهم. وحادي فَاعل حث وَهُوَ سائق الْإِبِل بالحداء يُقَال: حدا بِالْإِبِلِ يَحْدُو حدواً أَي: حثها على السّير بالحداء كغراب وَهُوَ الْغناء لَهَا. وَقَوله: وَرَاء البيد قَالَ الشريف: أَي: حَال دونهم البيد وَهُوَ جمع بيداء وَهِي القفر والمفازة. وَقَوله: عقارا عتقت إِلَخ بِضَم الْعين مفعول شَارِب بِمَعْنى الْخمر.
وَهَذَا الْبَيْت يشْهد للأصمعي فَإِنَّهُ قَالَ: إِن الْخمر إِنَّمَا سميت عقارا لطول مكثها فِي الدن.
وَاحْتج بقَوْلهمْ: عَاقِر فلَان الشَّرَاب إِذا لزمَه وأدمنه. والحباب بِالْفَتْح: مَا ينتفخ من المَاء وَنَحْوه ويعلوه. قَالَ الدينَوَرِي فِي كتاب النَّبَات: يُقَال لما ينزو من الْخمر إِذا مزجت: الْحباب والفواقع.
والجنادع: جنادب تكون فِي الْعشْر. فَشبه مَا ينزو مِنْهَا بالجنادب إِذا قمصت. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت مَعَ الْبَيْت الْأَخير. وَقد شبه حباب الْخمر بعيون الْجَرَاد. وَقَوله: جماد لَهَا جماد إِلَخ بِالْجِيم: الجمود والكلمة الْأَخِيرَة حَمَّاد بِالْمُهْمَلَةِ: الْحَمد. قَالَ الأعلم: هما اسمان للجمود وَالْحَمْد معدولين عَن اسْمَيْنِ مؤنثين سميا بهما كالمجمدة والمحمدة. وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: يُقَال للبخيل جماد لَهُ. وَإِنَّمَا بني على الْكسر لِأَنَّهُ معدول عَن الْمصدر أَي: الجمود كَقَوْلِهِم: فجار أَي: الفجرة. وَهُوَ نقيض قَوْلهم: حَمَّاد بِالْمُهْمَلَةِ فِي الْمَدْح.
وَأنْشد الأبيات الثَّلَاثَة الأخرة للمتلمس ثمَّ قَالَ: أَي قولي لَهَا جموداً وَلَا تقولي لَهَا حمداً وشكراً. اه. وَكَونه معدولاً عَن الْمصدر لَا يكون سَببا لبنائه. قَالَ الشريف صَاحب الحماسة: الضَّمِير فِي لَهَا يعود على الْقَرِينَة. قَالَ جَامع شعره أَبُو الْحسن الْأَثْرَم: أَي: أجمد الله خَيرهَا يَقُول: قلله. يَعْنِي الْخمر. اه. وَمِنْه تعلم أَن الأعلم لم يصب فِي قَوْله: وصف امْرَأَة بالجمود وَالْبخل وَجعلهَا مُسْتَحقَّة للذم غير مستوجبة للحمد. هَذَا)
كَلَامه. وَسَببه لم يطلع على الْبَيْت الأول. وَكَذَلِكَ لم يصب ابْن السَّيِّد فِي قَوْله: فِيمَا كتبه على كَامِل الْمبرد: دَعَا على عاذلته بِأَن يقل خَيرهَا. وَهُوَ مأخوذٌ من الأَرْض الجماد وَهِي الَّتِي لَا تنْبت شَيْئا. وَقيل إِنَّه دَعَا على بِلَاد هَذِه الْمَرْأَة بالجمود وَأَن لَا تنْبت شَيْئا. انْتهى. وَقَوله: وَلَا تقولي بياء المخاطبة. وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور وَهُوَ محرف من نون التوكيد الْخَفِيفَة كَمَا رويناها عَن الشريف وَهِي الصَّوَاب فَإِنَّهُ خطابٌ لمذكر وَلم يتَقَدَّم ذكر أُنْثَى. وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ: وَلَا تَقولُوا بِالْوَاو. وَقَوله: طوال الدَّهْر بِفَتْح الطَّاء ظرف لِلْقَوْلِ يُقَال: لَا ُأكَلِّمهُ طوال الدَّهْر وَطول الدَّهْر بِمَعْنى. وَمَا: مَصْدَرِيَّة ظرفية ونائب فَاعل ذكرت ضمير الْقَرِينَة وَحَمَّاد فِي مَوضِع نصب لِأَنَّهُ مقول القَوْل. وَهَذِه الأبيات الْأَرْبَعَة أول قصيدةٍ وَمَا أحسن هَذِه الأبيات مِنْهَا:
وَأعلم علم حقٍّ غير ظنٍّوتقوى الله من خير العتاد
لحفظ المَال خيرٌ من ضياعٍوضربٍ فِي الْبِلَاد بِغَيْر زَاد
وَإِصْلَاح الْقَلِيل يزِيد فِيهِوَلَا يبْقى الْكثير مَعَ الْفساد
وَقد ضمن الْبَيْت الْأَخير بَعضهم فِي الهجاء فَقَالَ:
يحصن زَاده عَن كل ضرسٍوَيعْمل ضرسه فِي كل زَاد
وَلَا يروي من الْأَشْعَار شَيْئاسوى بيتٍ لأبرهة الْإِيَادِي
قَلِيل المَاء تصلحه فَيبقىوَلَا يبْقى الْكثير مَعَ الْفساد
وَقد أَخطَأ هَذَا الْقَائِل فِي نِسْبَة الْبَيْت إِلَى أَبْرَهَة من وَجْهَيْن. وَمثله لِابْنِ وَكِيع التنيسِي:
خيرٌ لَهُ من قَصدهإخوانه مسترفدا
وَرُوِيَ أَن حاتماً الطَّائِي لما سمع قَول المتلمس قَالَ: مَا لَهُ قطع الله لِسَانه يحمل النَّاس على الْبُخْل هلا قَالَ:
وَمَا الْجُود يفني المَال قبل فنائهوَلَا الْبُخْل فِي مَال الْبَخِيل يزِيد
فَلَا تلتمس فقرا بعيشٍ فَإِنَّهُلكل غدٍ رزقٌ يعود جَدِيد
ألم ترى أَن المَال غادٍ ورائحٌوَأَن الَّذِي يعطيك لَيْسَ يبيد
والمتلمس شاعرٌ جاهلي مفلقٌ مقل ذكره الجُمَحِي فِي الطَّبَقَة السَّابِعَة من شعراء الْجَاهِلِيَّة. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: اتَّفقُوا على أَن أشعر المقلين فِي الْجَاهِلِيَّة ثَلَاثَة: الْمسيب بن علس وَالْحصين بن حمام)
والمتلمس. وَاتَّفَقُوا على أَن المتلمس أشعرهم. والمتلمس اسْمه جرير وكنيته أَبُو عبد الله بن عبد الْمَسِيح بن عبد الله بن
زيد بن دوفن بن حَرْب بن وهب بن جلى بن أحمس بن ضبيعة بن ربيعَة بن نزار بن معد بن عدنان. وَقيل: إِنَّه جرير بن عبد الْعُزَّى وَقيل: غير هَذَا. ودوفن بِفَتْح الدَّال وَسُكُون الْوَاو وَفتح الْفَاء بعْدهَا نون. وجلى بِضَم الْجِيم وَتَشْديد اللَّام بعْدهَا ألف مَقْصُورَة.
وأحمس: أفعل من الحماسة. وضبيعة بِالتَّصْغِيرِ. وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله وَجه تَسْمِيَته بالمتلمس فِي بَاب الْعلم. وَكَانَ المتلمس مَعَ ابْن أُخْته طرفَة بن العَبْد ينادم عَمْرو بن هِنْد ملك الْحيرَة ثمَّ إنَّهُمَا هجواه فَلَمَّا أشعر بهجوهما كره قَتلهمَا عِنْده فَكتب لَهما كتابين إِلَى عَامل الْبَحْرين يَأْمر بِقَتْلِهِمَا وَقَالَ لَهما: إِنِّي كتبت لَكمَا بصلَة فاذهبا لتقبضاها فَخَرَجَا حَتَّى إِذا كَانَا بِبَعْض الطَّرِيق إِذْ هما بشيخٍ على يسَار الطَّرِيق وَهُوَ يحدث وَيَأْكُل وَيقتل الْقمل فَقَالَ المتلمس: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ شَيخا أَحمَق فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ: مَا رَأَيْت من حمقي أخرج الدَّاء وآكل الدَّوَاء وأقتل الْأَعْدَاء أَحمَق مني وَالله من يحمل حتفه بِيَدِهِ فاستراب الملتمس بقوله وطلع عَلَيْهِمَا غلامٌ من الْحيرَة فَقَالَ لَهُ الملتمس: تقْرَأ يَا غُلَام قَالَ: نعم. ففك الصَّحِيفَة وَدفعهَا إِلَيْهِ فَإِذا فِيهَا: أما بعد فَإِذا أَتَاك الملتمس فاقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وادفنه حَيا فَقَالَ لطرفة: ادْفَعْ إِلَيْهِ بصحيفتك فَإِن فِيهَا مثل الَّذِي فِي صحيفتي فَقَالَ طرفَة: كلا لم يكن ليجترئ عَليّ فَإِن بني ثَعْلَبَة لَيْسُوا كبني ضبيعة.
فقذف الملتمس صَحِيفَته فِي نهر الْحيرَة وهرب إِلَى بني جَفْنَة مُلُوك الشَّام وَذهب طرفَة إِلَى عَامل الْبَحْرين فَقتل هُنَاكَ كَمَا شرحناه مفصلا فِي تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالْخمسين بعد الْمِائَة.
وَقَالَ المتلمس فِي ذَلِك يُخَاطب طرفَة:
من مبلغ الشُّعَرَاء عَن أخويهماخَبرا فتصدقهم بِذَاكَ الْأَنْفس
أودى الَّذِي علق الصَّحِيفَة مِنْهُمَاوَنَجَا حذار حبائه الملتمس
ألق الصَّحِيفَة لَا أَبَا لَك إِنَّهيخْشَى عَلَيْك من الحباء النقرس
والنقرس: دَاء فِي الرجل مَعْرُوف. وَصَارَت صحيفَة الملتمس مثلا يضْرب لمن يحصل لَهُ الضَّرَر من جِهَة النَّفْع. قَالَ الفرزدق:...
يَا مرو إِن مطيتي محبوسةٌترجو الحباء وربها لم ييأس
وحبوتني بصحيفةٍ مختومةٍيخْشَى عَليّ بهَا حباء النُّفُوس
ألق الصَّحِيفَة يَا فرزدق لَا تكننكداء مثل صحيفَة الملتمس
)
وَالْبَيْت الأول من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ وَاسْتشْهدَ بِهِ على ترخيم مَرْوَان بِحَذْف الْألف وَالنُّون لزيادتهما وَكَون الِاسْم ثلاثياً بعد حذفهما. وَأَرَادَ مَرْوَان بن الحكم.
وَسبب هَذَا الشّعْر أَن الفرزدق قدم الْمَدِينَة مستجيراً بِسَعِيد بن العَاصِي من زِيَاد ابْن سميَّة فامتدح سعيداً ومروان عِنْده قَاعد فَقَالَ:
ترى الغر الجحاجح من قريشٍإِذا مَا الْأَمر بالمكروه عالا
قيَاما ينظرُونَ إِلَى سعيدٍكَأَنَّهُمْ يرَوْنَ بِهِ هلالا
فَقَالَ لَهُ مَرْوَان: قعُودا يَا غُلَام. فَقَالَ: لَا وَالله يَا أَبَا عبد الْملك إِلَّا قيَاما. فأغضب مَرْوَان: وَكَانَ مُعَاوِيَة يعادل بَين مَرْوَان وَبَين سعيد فَلَمَّا ولي مَرْوَان كتب للفرزدق كتابا إِلَى واليه بضريه أَن يُعَاقِبهُ إِذا جَاءَ وَقَالَ للفرزدق: إِنِّي قد كتبت لَك بِمِائَة دِينَار فَلَمَّا أَخذ الْكتاب وَانْصَرف
قل للفرزدق والسفاهة كاسمهاإِن كنت تَارِك مَا أَمرتك فاجلس
ودع الْمَدِينَة إِنَّهَا مرهوبةٌواعمد لمَكَّة أَو لبيت الْمُقَدّس
فَفطن الفرزدق وأجابه بِهَذِهِ الأبيات فَكَانَ الفرزدق لَا يقرب مَرْوَان فِي خِلَافَته وَلَا عبد الْملك وَلَا الْوَلِيد. وَرُوِيَ من طريقٍ أُخْرَى: أَن مَرْوَان تقدم إِلَى الفرزدق أَن لَا يهجو أحدا وَكتب إِلَيْهِ الْبَيْتَيْنِ فَأَجَابَهُ الفرزدق بالأبيات. وَقَوله: فاجلس أَي: اذْهَبْ إِلَى الجلس بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون اللَّام وَهُوَ نجد. يُقَال: جلس الرجل إِذا أَتَى نجداً. والحباء: الْعَطاء. وَجعل الرَّجَاء للناقة وَهُوَ يُرِيد نَفسه.
وروى ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل هَذَا الْخَبَر على غير هَذَا الْوَجْه فَقَالَ: إِن الفرزدق كَانَ مُقيما بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ أزنى النَّاس فَقَالَ شعرًا يَقُول فِيهِ:...
هما دلتان من ثَمَانِينَ قامةًكَمَا انقض بازٍ أقتم الريش كاسره
فَلَمَّا اسْتَوَت رجلاي فِي الأَرْض قَالَتَاأحيٌّ يُرْجَى أم قتيلٌ نحاذره
فَقلت: ارْفَعْ الْأَسْبَاب لَا يشعروا بِنَاوَأَقْبَلت فِي أعجاز ليلٍ أبادره
أحاذر بوابين قد وكلا بِنَاوأسمر من ساجٍ تصل مسامره
فَعَيَّرَهُ جرير بذلك فِي شعر طَوِيل مِنْهُ:
لقد ولدت أم الفرزدق فَاجِرًافَجَاءَت بوزوازٍ قصير القوائم
تدليت تَزني من ثَمَانِينَ قامةًوَقصرت عَن بَاعَ الْعلَا والمكارم
هُوَ الرجس يَا أهل الْمَدِينَة فاحذروامدَاخِل رجسٍ بالخبائث عَالم
لقد كَانَ إِخْرَاج الفرزدق عَنْهُمطهُورا لما بَين الْمصلى وواقم
فَاجْتمع أَشْرَاف الْمَدِينَة إِلَى مَرْوَان بن الحكم وَكَانَ والياً بهَا فَقَالُوا: مَا يصلح أَن يُقَال مثل هَذَا الشّعْر بَين أَزوَاج النَّبِي ﷺ َ وَقد أوجب عَلَيْهِ الْحَد فَقَالَ مَرْوَان: لست أحده وَلَكِن أكتب إِلَى من يحده. فَأمره مَرْوَان بِالْخرُوجِ من الْمَدِينَة وأجله ثَلَاثَة أَيَّام فَفِي ذَلِك قَالَ:
توعدني وأجلني ثَلَاثًاكَمَا وعدت لمهلكها ثَمُود
ثمَّ كتب لَهُ كتابا إِلَى عَامله يَأْمُرهُ فِيهِ بِأَن يحده ويسجنه وأوهمه أَن كتب لَهُ بجائزة.
ثمَّ نَدم على مَا فعل فَوجه عَنهُ رجلا وَقَالَ لَهُ: أنْشدهُ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ: قل للفرزدق والسفاهة كاسمها فَفطن الفرزدق لما أَرَادَ فَرمى الصَّحِيفَة وَقَالَ الأبيات الثَّلَاثَة وَخرج هَارِبا حَتَّى أُتِي سعيد بن العَاصِي وَعِنْده الْحسن وَالْحُسَيْن وَعبد الله بن جَعْفَر ﵃ فَأخْبرهُم الْخَبَر فَأمر لَهُ كل واحدٍ مِنْهُم بِمِائَة دِينَار وراحلة وَتوجه إِلَى الْبَصْرَة. وَقيل لمروان: أَخْطَأت فِيمَا فعلت كَأَنَّك عرضت عرضك لشاعر مُضر فَوجه وَرَاءه رَسُوله وَمَعَهُ مائَة دِينَار وراحلةٌ خوفًا من هجائه.
وَلما هرب المتلمس إِلَى مُلُوك الشَّام هجى عَمْرو بن هِنْد بقصيدةٍ وحرض قوم طرفَة على الطّلب بدمه أَولهَا:
إِن الْعرَاق وَأَهله كَانُوا الْهوىفَإِذا نأى بِي ودهم فليبعد
إِلَى أَن قَالَ:
إِن الْخِيَانَة والمغالة والخنىوالغدر تتركه ببلدة مُفسد
ملكٌ يلاعب أمه وقطينهارخو المفاصل أيره كالمرود
بِالْبَابِ يرصد كل طَالب حاجةٍفَإِذا خلا فالمرء غير مُسَدّد
فَبلغ هَذَا الشّعْر عمرا فَحلف إِن وجده بالعراق ليَقْتُلهُ وَأَن لَا يطعمهُ حب الْعرَاق فَقَالَ المتلمس من قصيدة:
آلَيْت حب الْعرَاق الدَّهْر أطْعمهُوَالْحب يَأْكُلهُ فِي الْقرْيَة السوس
لم تدر بصرى بِمَا آلَيْت من قسمٍوَلَا دمشق إِذا ديس الكراديس
وَالْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ على أَن نصب حب على نزع الْخَافِض أَي: على حب الْعرَاق.
وآليت بِالْخِطَابِ لعَمْرو بن هِنْد يُقَال لَهُ: حَلَفت لَا تتركني بالعراق وَلَا تطعمني من حبه وَالْحَال)
أَن الْحبّ لَا يبْقى إِن أبقيته بل يسْرع إِلَيْهِ الْفساد ويأكله السوس فالبخل بِهِ قَبِيح. وَهَذَا على طَرِيق الِاسْتِهْزَاء بِهِ والسخرية. وَبصرى: مَدِينَة بِالشَّام. يَقُول: لَا تَدْرِي كَثْرَة الطَّعَام الَّذِي ببصرى وبدمشق. والكراديس: أكداس الطَّعَام. وَمن شعر المتلمس وَهُوَ من شَوَاهِد البديع:
وَلَا يُقيم على ضيمٍ يُرَاد بِهِإِلَّا الأذلان: عير الْحَيّ والوتد
هَذَا على الْخَسْف مربوطٌ برمتِهِوَذَا يشج فَلَا يرثي لَهُ أحد
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع