من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)
حنين الإبل
وإِذا رَجَّعت الإِبلُ الحَنينَ كان ذلك أَحسنَ صوتٍ يَهتاجُ له المُفَارِقُون، كما يَهْتَاجُون لِنَوْح الحَمَام، ولِلَمْع البُرُوق، ولِهُبوب الرِّياحِ من نحو أَرضِ الحبِيبِ.
نزَلَ عُقَيلِيّانِ بزوجِ لَيْلى عَشِيقةٍ المَجْنُونِ فلمّا تَهوَّرَ اللَّيْلُ حَنَّتْ قلُوصاهما، فقال أَحدُهما:
تَحِنُّ قَلُوصِي نَحْوَ نَجْدٍ وقد أَرَىبعَيْنَيَّ أَنِّي لَسْتُ مُورِدَها نَجْدَا
ولا وَارِداً أَمْوَاهَ أَجْبُلَةِ الحِمَىوإِنْ أَرْهقَتْ نَفْسي على وِرْدِهَا جهْدَا
وقال العُقَيليُّ الآخرُ:
حنَّتْ قَلوصِي آخرَ اللَّيْلِ حنّةًفيَا رَوْعةً ما راعَ قلبي حَنِينُها
سعَتْ في عِقالَيْهَا ولاَح لِعينهاسَنَا بَارِقٍ وَهْناً فجُنّ جُنُونُهَا
فمَا برِحَتْ حتّى ارْعَوَيْنَا لِصَوْتِهَاوحتَّى انْبَرَى مِنّا مُعِينٌ يُعِينُها
تَحِنُّ إِلى أرضِ الحِجازِ صَبَابَةًوقد بُتَّ مِن أَهْلِ الحِجَازِ قَرِينُها
فيا رَبِّ أَطْلِقْ قَيْدَها وجَرِيرَهافقد رَاعَ مَنْ بالمَسْجِدَيْنِ أَنِينُها
فقالت ليلى:
لعَمْرِي لقدْ هاجَتْ عَلَيَّ صَبَابةًقلُوصُ العُقَيْلِيَّيْنِ لَيْلَةَ حَنَّتِ
قَعَدْتُ لها واللَّيْلُ مُلْقٍ روَاقَهُفجَاوَبْتُهَا حتَّى مَلِلْتُ ومَلَّتِ
ولبعض العرب:
يَحِنُّ قَلوصي ذو الخَباطِ صَبَابةًوشِدَّةَ وَجْدٍ مِن تَذكُّرهِ تَجْدَا
تذَكَّرَ نَجْداً مَوْهِناً بعدَ ما انْطَوتْثَمِيلَتُهُ وازدادَ عنْ إِلْفِهِ بُعْدَا
تَذكَّرَ نَجْداً حادِثاً بعد قادمٍولا يَلبَثُ الشَّوْقانِ أَن يَصْدَعَا الكِبْدَا
فقلتُ له هيَّجْتَ لي شَاعِفَ الهَوَىأَصابَ حِمَامُ المَوتِ أَضْعفَنا وَجْدَا
ولتميم بن جميل الأَسديّ:
يَحِنّ قَعُودٍي بعدَما كَمُلَ السُّرَىبنَخْلَةَ والضُّمْرُ الحَرَاجِيجُ ضُمَّرُ
يحِنّ إِلى وِرْدِ الخَشَاشَة بعدَماتَرَامَى به خَرْقٌ من البِيد أَغْبَرُ
وبات يَجُوبُ البِيدَ واللَّيْل ما ثَنَىيَدَيْهِ لتَعْرِيسٍ يَحِنُّ وأَزْفِرُ
وبِي مثلُ ما يَلْقَى من الشَّوْق والهَوَىعلى أَنَّني أُخْفِي الذي بي ويُظْهِرُ
فقلتُ له لَمّا رأَيْتُ الَّذِي بهكِلاَنَا ِإلى وِرْدِ الخَشاشَةِ أَصْوَرُ
فلَيْتَ الّذِي يَنْسى تَذكُّرَ إِلْفِهِوشِرْباً بأَحْواضِ الخَشَاشَةِ يُنْحَرُ
ولغيره:
بَاتَتْ تُشَوِّقُني برَجْعِ حَنِينهاوأَزِيدُهَا شَوْقاً برَجْعِ حَنِينِي
نِضْوَيْنِ مُقْتَرِنَيْن بينَ تِهامَةٍطَوَيَا الضُّلُوعَ على جَوًى مَكْنُونِ
لو خُبِّرَتْ عنّي القَلَوصُ لخُبِّرتْعن مُستَقَرٍّ صَبَابةِ المَحزونِ
ولعُروةَ بن حزام:
فلَو تَرَكَتْني ناقتِي من حَنِينهاوما بيّ مِنْ وَجْدٍ إِذاً لَكَفَاني
فإِنْ تَحْمِلي شَوقِي وشَوقَكِ تُثْقَلِيومَالَكِ بالحِمْلِ الثَّقِيلِ يَدَانِ
ولآخر:
حنَّتْ وما عَقلَتْ فكيفَ إِذا بَكَىشَوْقاً يُلامُ على البُكَا مَن يَعْقِلُ
ذَكَرَتْ قُرَى نَجْدٍ فأَقْلَقَها الهَوىَوقُرى العِراقِ ولَيْلُهُنّ الأَطْولُ
وكأَنّمَا يُجْنَى لها ولِرَكْبهابنِطَافِ دِجْلَةَ والفُرَاتِ الحَنْظَلُ
وتَمُرُّ من لُجَج السّرابِ مَوَارِقاًوالخَرْقُ أَغْبَرُ بالقَتَام مُجَلَّلُ
فغَدَتْ وأَيْدِي الصُّبْحِ تَلْمَعُ في الدُّجَىكالبِيض تُغْمَدُ تَارَةً وتُسَلَّلُ
ولجرير:
أَرَى نَاقتي حَنَّتْ طُرُوقاً وشَاقَهاوَمِيضٌ إلى ذاتِ السَّلاسِلِ لاَمعُ
فقلْت لها حِنِّي رُوَيداً فإِنَّنيإلى أَهْلِ نَجْدٍ من تِهَامَةَ نَازِعُ
فلمّا رَأَتْ ألاَّ قُفُولَ وإِنّمَالَهَا مِن هَواهَا ما تُجِنُّ الأَضَالِعُ
تَمطَّتْ بمَجْدُولٍ طَوِيلٍ فطالَعَتْوماذَا مِن البَرْق اليَمَانِي تُطَالِعُ
ولأعرابي:
أَرَاكِ اللهُ نِقْيَكِ في السُّلامَىعلَى مَنْ بالحَنِين تُعَوِّلِينَا
فلَسْتِ وإِن حَنَنْتِ أَشدَّ وَجْداًولكنّي أُسِرُّ وتُعْلِنِينَا
وبي مِثلُ الذِي بكِ غير أَنّيأَجِلُّ عن العِقَال وتُعْقَلِينَا
وممّا يُسْتَحْسَن في مثل هذا ويُسْتَغْرَب معناه، ويُحمَد اختصارُه قول أعرابيِّ من بني كلابٍ:
فَمن يَكُ لمْ يَغْرَضْ فإِنّي ونَاقتيبحَجْرٍ إِلى أَهْلِ الحِمَى غَرِضَانِ
تَحِنّ فتُبْدِي ما بها من صَبَابةوأُخفِي الذِي لولا الأُسَى لَقَضَانِي
يُرِيد: لقَضَى عليَّ، فأَخْرجَه لفصاحته وعِلْمِه بجواهرِ الكلامِ أَحسنَ مُخْرَج، قال الله ﷿ " وإِذَا كَالُوهم أو وَزَنوهم " أَي كالًوا لَهُم.
وقد قالت الشعراءُ في تَفضيل ما بَيْنَ حَنِينَهم وحَنين الإِبل: قال ثعلبةُ بنُ أَوس الكِلابيّ:
وما عَوْدٌ يَحِنُّ ببَطْنِ نجْدٍمُعَالِي الشَّوْقِ مُضطَمِرٌ قلِيلاَ
إِلى وَأدٍ تذكَّرَ عُدْوَتَيهأَسَنَّ به وكانَ به فَصِيلاَ
فبُدِّلَ مَشْرَباً من ذاك مِلْحَاًوظِمْئاً بعْد قصْرَيْهِ طَوِيلاَ
يَحِنّ إِذَا الجَنائبُ هيَّجَتْهُضُحَيَّاً أَو هَبَبْنَ له أَصِيلاَ
بأَكثَرَ غُلَّةً مِنّي ووجْداًعلى إِضْمارِيَ الهَجْرَ الطَّوِيلاَ
وله أيضاً:
وما ذُو مِشْفرٍ نِقْضٌ يَمانٍبنَجْدٍ كان مُغْترِباً نَزِيعَا
يُمارِسُ رَاعِياً لا لِينَ فيهوقَيْداً قد أَضرَّ به وَجِيعَا
إِذا ما البَرقُ لاح له سَناهُحِجَازيِّاً سَمعتَ له سَجِيعَا
بأَكْثَرَ غُلَّةً منّي ووَجْداًلَوَ أَنَّ الشَّمْلَ كانَ بنَا جَمِيعَا
ولآخر:
لعَمْركَ ما خُوصُ العُيونِ شَوَارِفٌرَوائِمُ أَظْآرٍ عَطَفْن على سَقْبِ
يُفَدِّينَهُ لوْ يَسْتَطِعْن ارْتَشَفْنَهُإِذا اسْتَفْنَهُ يَزْدَدْن نَكْباً على نَكْبِ
بأَوجدَ منّي يوم وَلّتْ حُمُولُهمْوقد طَلَعتْ أُولَى الرِّكَابِ من النَّقبِ
وكُلُّ مُصيبَاتِ الزَّمانِ رأَيتُهاسِوَى فُرْقَةِ الأَحبابِ هَيِّنةَ الخَطْبِ
وقد قيل في بيت عنترة:
بَرَكَتْ علَى ماءِ الرِّداع كأَنّمابَرَكَتْ على قَصَبٍ أَجَشَّ مُهَضَّمِ
إِنّه يَصف حَينَها، وإِنّه شَبَّهَ شَجْوَ صَوْتِهَا بالمزاميرِ، وأَراد القَصب الذي يُزْمَرُ به.
وقال الراعي يصف الحادِيَ:
زَجِل الحُدَاءِ كأَنّ في خَيْشُومِهقَصباً ومُقْنِعةَ الحَنِينِ عَجُولاَ
المُقْنعُ: الرّافعُ رَأْسَه، في هذا المَوْضِع، وفي غيره: الذِي يَحطّ رأْسَهُ استِخْذاءَ ونَدَماً، قال الله ﷿ " مُقْنِعِي رُؤوسِهم " هو الرّافِع رأْسَه.
؟
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع