من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)
في النَّواعير وحنينها
أنشدت لبعض الأعراب:
ولمّا نَزلْنا الساحليْنٍ تجاوبَتْأبا عرنا لمَّا ازدَهَتْهَا النَّواعيرُ
وحنَّتْ نَوَاعيرُ الفُرَاتِ بأرضِهَافلمَّا استحنَّت جاوَبَتْهَا الأبَاعِرُ
أبا عرنا بعض الحَنينِ فإنّهإلى غَير شيءٍ ما تحِنُّ النَّواعِرُ
سِوَى أنّهَا تُشجى الحزينَ الّذي بهإلى رُؤيةِ الأَحبابِ داءٌ مُخَامِرُ
إذا نَحْن أخْفَيْنَا الَّدفينَ الّذي بنَامن الوَجْدِ نَمَّتْهُ الدُّمُوعُ البَوَادِرُ
وللمجنون:
باتَتْ تَحِنّ وما بها وَجْدُوأحِنُّ من وَجْدٍ إلى نجْدِ
فدُموعُهَا تَسقى الرّياضَ بهاودُموعُ عَيْنى أَقْرحتْ خَدِّى
ولعبد الله ابن مسعود:
حَنَنْتُ إليك من شَجْوٍ وحَنَّتْنواعيرُ الفُراتِ لغَيْرِ شجْوِ
ألف خَلَوْنَ من الهَوَى ومُلئْتُ منهوليس أخو صَبَابَاتٍ كخلوِ
سَقَيْنَ الُحلْو من ثَمَرٍ وتسْقِىدُمُوعِى مِن هُمومى غَيْرَ حُلْوِ
وله أيضاً:
نَزَلْنَا بالفُرّات ضُحًى فحّنَّتْنَوَاعِرُه حَنينَ المُعْوِلاتِ
وظلْتُ أحنُّ من شَوْقٍ وليسَتْتحنُّ له نَوَاعِيرُ الفُراتِ
وبِتُّ من الصَّبَابَةِ مُستهاماًإليك وبِتْنَ مِنْهَا خالياتِ
سَوَاءً ما سَقَيْنَ وما جَرَتْهُجُفونى من دُمُوعي الهاطلاتِ
وقلت:
نَزَلْنَا بأكْنافِ العِرَاق فهيَّجَتْنَواعيرُه أحزانَنا حين حنَّتِ
تحِنّ وتَسْقى الرَّوْضَ ريًّا ولم تّذُقْهَوَاىَ الّذي منه دُموعي اسْتَهلَّتِ
ولم تَعْرِفِ الشَّوْقَ الّذي في جَوانحيولا حُرّقاً بين الضُّلُوعِ اسْتكنَّتِ
ولو عَلِمَتْ ما قَد لَقِيتُ ومُلِّكتْلِسَاناً لبَاحَتْ بالهَوَى وتَشكَّتْ
ولعبيد الله بن مسعود:
ولمّا استَحَنَّتْ بالفُرَاتِ عَشيَّةًنَواعيِرُه كادَ الفؤادُ يَبينُ
تَحِنُّ بلا حُزْنٍ وشَوْقٍ أصابَهَاوللقَلْبِ من شَوْقٍ إليك حنينُ
سوَاءٌ بُكَاءُ العَيْنِ منّىَ والّذيبَكَيْنَ ولكنْ ما لَهنَّ عُيُونُ
على أّنّني والله قد أَقْرَحَ البُكَاجُفوني ولم تُقْرَحْ لهنّ جُفُونُ
ولأحمد بن محمّد المصِّيصيّ:
وَصَلَتْ نَوَاعيرُ الجِنانِ حنينَهافأَذْكَرت الهَوَى أخلاقُها
وكأَنّما طَفِقَتْ تُوَاصلُ أَدمُعييَوْمَ النَّوَى وقد انْهمي مُهْراقُها
أعجِبْ بأجْسَامٍ بَدَائعَ خالَفَتْفيخَلْقِهَا وتَنكَّرَتْ أخلاقُها
أفْواهُها أوْسَاطُها وعُيُونُهابجُنوبهِنَّ كثيرةٌ آماقُهَا
ولصالحٍ الدَّيلميّ يصف الدُّولاب:
ومُسْتَديرٍ بالا رُوحٍ تُدَبِّرُهُيُديرُهُ قُطُبٌ في الأرضِ مَرْكوزُ
كأنّه فَلَكٌ تنقَضُّ أنْجُمُهُإذا تَصَوَّبَ من كِيزَانِهَا كُوزُ
وللخبّاز البلديّ في دولاتب:
يَسُوقُ من جِجْلَةَ الرّوَاءَ لهسَحَابَةٌ أُنْشِئَتْ من الخَشَبِ
نَجُومُ ماءٍ يُديرُها فَلَكٌيكْثُرُ منه تَعَجُّبُ العَجَبِ
مُزمْزِمٌ ما يَبينُ مَنْطِقُهُكقائِدِ التُّرْك غدْوةَ الشعبِ
يُتْعِبُ جِدًّا مُحصى تَقلُّبِهِوهو مُعَافىً من شِدَّةِ التَّعَبِ
ولأبي طالب الحُسين بن عليّ:
بمشَعِّرٍ في السَّيْر إلاّ أنّهيَسْرِى فيمنعُهُ السُّرَى أن يَبْعُدَا
وَصَلَ الحَنينَ بعَبْرةٍ مسفوحةٍحتّى حسبْناهُ مَشوقاً مُكَمَدَا
مُسْتَرْفِد ماءَ الفُراتِ ورافدٍوَجْهَ الثَّرَى أكْرِمْ به مُسْتَرْفدا
ينفى الصَّدَى عن رَوْضةٍ نَفَحاتُهَاأرَجٌ وبَرْدٌ يَشْفيَانِ من الصَّدَى
كَمُلتْ مَحَاسِنُهَا فنَشْرٌ يُرْتَضَىوفَوَاكهٌ تُجْنَى وظِلٌ يُرتْدى
وله أيضاً:
كأنَ دُولابَها إذْ حنَّ مُغْتَرِبٌناءٍ يَحِنُّ إلى أَوْطَانِه طَربَا
باك إذَا عقَّ زَهْرَ الرَّوْضِ وَالدُهُمِن الغمامِ غَدَا فيهِ آباً حَدِبَا
مُشمِّرٌ في مَسيرٍ ليس يُبْعِدُهُعن المَحَلِّ ولا يُهْدى له تَعَبَا
ما زالَ يَطْلبُ رِفْد البَحْرِ مُجْتهِداًللْبَرِّ حتّى ارْتَدى النُّوَّارَ والعُشبَا
وللصَّنوبريّ:
فلكٌ من الدُّولابِ فيه كَواكبٌمن مائِهِ تَنْقَضُّ ساعَةَ تَطْلُعُ
مُتَلوِّنُ الأَصْواتِ يَخْفِضُ صَوتَهبغِنَائِهِ طَوْراً وطَوْراً يَرْفَعُ
أبَداً حنينُ الذِّئْبِ فيه مُرَدَّدٌأبَداً زئيرُ اللَّيْثِ فيه مُرَجَّعُ
كم صُوِّبت فيه سُمَاريَّةٌمُوجِفَةٌ كالنِّقْنقِ النّافِرِ
ونَعرَتْ بالماءِ ناعورةٌحَنينُهَا كالبَرْبَطِ النَّاعِرِ
وتارةً تَحْسبُها قيْنَةًتُردِّدُ اللَّحْنَ على زَامِرِ
كأنَّما كيزانُهَا أنْجمٌدائرةٌ في فَلَكٍ دائِرِ
ويدخل في هذا البات ما جاء في العروب والأرحية فمن ذلك ما أنشدناه أبو القاسم العلويّ لأبي طالب الحسين ابن عليّ الأنطاكيّ:
وابْنةِ بَرٍّ لم تَبِنْ عن زُهْدِ
أضْحَى بها البَحْرُ قَرِيبَ عَهْدِ
تعَافُهُ وهْوَ زُلالُ الوردِ
فليْسَ تَحْبُوهُ بصفْوِ الوُدِّ
إلاّ برَبْطٍ عندَه وشَدِّ
لمّا نَضَتْ مَلاحِفَ الإفرِنْدِ
واتَّشحَتْ من الدُّجى ببُرْدِ
تَوسَّطَتْ سَكْرَ صَفيحٍ صَلْدِ
فأشْبَهَتْ وَاسطَةً في عِقْدِ
مُطلَّةً علىرِكَابِ الوَفْدِ
كأنّهَا أمُّ النّعامِ الرُّبْدِ
عَجَاجُها شَيْبُ بَنِيها المُرْدِ
وَاجِدّةٍ بالبَرِّ أيَّ وَجْدِ
تذكَّرتْ طِيبَ ثَرَاه الجعْدِ
أيّامَ تُغْذَى بجَنىً كالشُّهْدِ
ولَمْعِ بَرْقٍ وحَنينِ رَعْدِ
فَهْيَ تُعيدُ أَنَّةً وتُبْدِي
كما يَئنُّ مُوثَقٌ في العِدِّ
لولا امْتِدَادُ الطُّنُب المُمْتَدِّ
لشَمَّرَتْ تَشمِيرَ ذاتِ الجِدِّ
فصافَحَتْ خَدَّ الثَّرَى بخَدِّ
وأنشدني للحلبيّ:
ويا نغم العُرُوبِ إذا تَوَالتْفوَالَتْ بيْنَ طِيبِ النَّغْمَتَيْنِ
وَموْفِفُنا بصَفَّيْهَا كأنَّالدَى صَفَّيْ نعَامٍ وَاقِعَيْنِ
طُيُورٌ وَاقِعَاتٌ طائِرَاتٌفيَالكَ مَنْظَراً ذا مَنْظَرَيْنِ
بأجْنِحَةٍ لهَا في الصَّحُو نَوْءٌيُقَصِّرُ عنه نوْءُ المِرْزَمَينِ
ويذكر فيها السُّفُن فيقول:
ويا سُفَنَ الفُرَاتِ بحَيْث تَهْوِىهُوِىَّ الطَّيْرِ بينَ الجَلْهَتَينِ
تَطَارَدُ مُقْبِلاتٍ مُدبِرَاتٍعلى عَجَلٍ تَطارُدَ عَسْكَرَينِ
وأنشدني للأنطاكيِّ من قصيدة:
وللمَاءِ مِن حَولِنا ضَجَّةٌإذا المَاءُ كافحَ تلك العُرُوبَا
حِبَالٌ تُؤَلِّفُها حِكْمةٌفتَنْحُو البِحَارَ بها لا السُّهُوبَا
تُقَابِلُنا في قميصِ الدُّجَىإذا الأفْقُ أصبح منه سليبَا
حَيَازيمُها الدَّهْرَ منْصُوبةٌتُعانِقُ للمَاءِ وَفْداً غَريبَا
عَجِبْتُ لهَا شاحِبَاتِ الخُدودِ لمْ يُذْهِبِ الرِّىُّ عنْهَا الشُّحُوبَا
إذا ما هَممنَا بغشْيَانهارَكِبْنا لَها وَلَداً أو نَسِيبَا
يُجاوِرُها كُلُّ سَاعٍ يُرَىوإنْ جَدَّ في السَّيْرِ منها قَرِيبَا
خَلِىُّ الفُؤادِ ولكنَّهُيحِنُّ فيُشْجِى الفُؤَادَ الطُّروبَا
وله أيضاً:
وزنْجِيَّةٍ عُرِفَتْ بالإباقِفلَيْسَ لها رَاحَةٌ من وَثَاقِ
إذا اضطربَ الماءُ مِنْ حَوْلهارأيْتَ الحِبَالَ بها في تَلاقِ
يَثُورُ بهَا قَسْطَلٌ أبيضٌعلى القوْمِ غَيْرُ كَيِيفِ الرّوَاق
فأبْناؤُها المُرْدُ شِيبُ الرُّؤوِسوأبْنَاؤهَا السُّودُ بِيضُ التَّراقِي
رَكِبْنا إليه غَدَاةَ الصَّبُوحِمَطَايَا تَخبُّ كدُهْمِ العِتَاقِ
فظِلْنا نُمِيتُ لَدَيْهَا الزِّقَاقَإلى أنْ حَيِينَا بمَوْتِ الزِّقَاقِ
وله أيضاً:
وسَوْدَاءَ آبِقَةٍ قُيِّدَتْفَمِنْ كُلِّ وَجْهٍ لها حَابِلُ
تَوَسَّطَتِ البحْرَ حتَّى نَأَىعلَى مَن أَقامَ بها السَّاحِلُ
وحَنَّتْ إلى البَرِّ مُشْتقاقةًإليه كمَا حَنَّتِ الثاكِلُ
ودارَ لها فَلَكٌ خارجٌيَدُورُ بِهِ فَلَكٌ دَاخِلُ
فسُكَّانُهَا الدَّهْرَ من نَقْعِهاشَبَابٌ وشَيْبُهُم شامِلُ
إذَا رَامَهَا فارِسٌ نَالَهَاويعَعْجِزُ عن نَيْلِهَا الرَّاجِلُ
وله أيضاً:
وقَوَاطِناً في المَاءِ تَحْسَبُ أَنَّهَاشُمُّ الهِضَابِ لَبِسنَ لَيْلاً أَرْبَدَا
مِثْلُ الإماءِ السُّودِ خافَ إباقَهامَوْلًىفشَدَّ وَثَاقَها وتَشَدَّدَا
تَصَبَتْ حَيازِيماً لها مشْعوفَةًبالمَاءِ تَمنَحُهُ عِنَاقاً سَرْمَدَا
لم تَخْلُ من زَوْرٍ يُشَاهِدُ مَعْرَكاًذا قَسْطَلٍ فيَشِيبُ فيه أمْرَدا
بِدَعٌ إذَا ما الفِكْرُ حَاوَلَ وَصْفَهايَوْماً تَحيَّرَ دُونَهَا وتَبلَّدَا
قال أبو القاسم: وكنّا مع أبي طالب على شربٍ، إلى جانب رحى على نهر الأرند، وهو النهر المقلوب، فقلت له: هل تعرف في الرَّحى شيئاً؟ قال: لا، ولكنّي أعمل السَّاعة، فعمل:
ومَنْزِلٍ رَقَّ به الهَواءُ
وطَابَ للشَّرْبِ به الثَّوَاءُ
بَنِيَّةٌ ما حَوْلَهَها بِنَاءُ
كمَا أُقِيمَ في يَدِ إنَاءُ
تَرْكُضُ فيه فَرَسٌ دَهْمَاءُ
تَكْنُفُهَا عَجَاجَةٌ بَيْضَاءُ
تَجْرِى وإِنْ أَعوزَهَا الفَضَاءُ
مَيْدَانُهَا وجِسْمُهَا سَوَاءُ
يَحْفِزُها جَارٍ له ضَوْضَاءُ
كِلاهُمَا لمَعْشَرٍ نَمَاءُ
يَوْمُ سُرُورٍ مابِه خَفَاءُ
ولَيْلَةٌ مُسْفِرةٌ غَرَّاءُ
رَحَاؤُها إنْ دَرَجَتْ رَحَاءُ
تَبْرُدُ مِن نَسِيمِها الأَحْشَاءُ
غُرَّةُ دَهْرٍ كُلُّه ظَلْمَاءُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع