من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الستون
إنِّي أَرَى من له قنوعٌيعذل من نالَ ما تمنَّى
والرّزق يأتِي بلا عناءٍوربَّما فاتَ من تعنَّى
وقال أبو دلف:
إنَّ نفسِي كريمةٌ تألف الصَّبر إذا ما تغيّرت حالاتي
لو دعتني إلى الدناة حياتييا بن عيسى هانتْ عليَّ وفاتي
إنَّما تحمدُ السَّخايا من الأحرار عند النَّوائب المعضلاتِ
كلُّ حيٍّ يبقى علَى الصَّبر في اليسرِ وصبر الكريم في النَّائباتِ
أنشدني بعض أهل الأدب:
لا تكثري لم أرُمْ يا ويكِ في الطَّلبِأيَّ البلادِ وأيَّ الأرضِ لم أجُبِ
هذا وفيَّ خلالٌ كلُّها سببٌإلى الغنِى غيرَ أنَّ الرّزقَ لم يجبِ
لا أتّهم الله في رزقي فما صرفتْعنِّي المكاسبَ إلاَّ حرفةُ الأدبِ
ومن الباب الخامس والسبعين ذكر من افتخر لنفسه بالإغضاء عن خصمه.
وقال المتلمس:
تحلَّمْ عن الأدنين واستبقِ ودَّهمولن تستطيعَ الحلمَ حتَّى تحلَّما
وكنَّا إذا الجبار صعَّر خدَّهأقمنا له من درّه فتقوَّما
فلو غير أخوالي أرادوا نقيصتيجعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلاَّ مثل قاطع كفّهبكفٍّ له أُخرى فأصبح أجذما
يداه أصابتْ هذه حتفَ هذهفلم تجدِ الأُخرى عليها مُقدَّما
فلمَّا أفاد الكفّ بالكفّ لم يجدْله دركاً في أن تَبينا فأحجما
فأطرقَ إطراق الشُّجاع ولو يرَىمَساغاً لنابيه الشُّجاعُ فلمّما
وقال وعلة الجرمي:
ما بال من أسعى لأجبر عظمهحفاظاً وينوي من سَفَاهته كسرِي
أعودُ علَى ذي الجهل والذّنب منهمبحلمي ولو عاقبتُ غرَّقهم بحرِي
ألم تعلموا أنِّي تُخافُ غَرامتيوأنَّ قناتي لا تلينُ علَى الكسرِ
وقال آخر:
إن كنت لا ترهبُ ذمِّي لماتعرف من صفحي عن الجاهلِ
فاخش سكوتي إذْ أنا منصتٌفيك لمسموعِ خنى القائلِ
فسامع السّوء مشرّبهومُطعمُ الأكلةِ كالآكلِ
مقالة السّوء إلى أهلِهاأسرعُ من مُنحدرِ السَّائلِ
ومن دعا النَّاس إلى عيبهذمُّوهُ بالحقِّ وبالباطلِ
وقال:
توخَّ من الطرقِ أوساطهاوعَدِّ عن الجانب المشتبه
وسمعكَ صُنْ عن سماعِ القبيحشريك لقائله فانتبه
وقال لبيد بن ربيعة:
ستذكركم منَّا نفوس وأعينٌذوارفُ لم تضننْ بدمعٍ غُروبها
وهل يَعْدُوَنْ بين الحبيب فراقهنعمْ ذلُّ نفسٍ أن يَبين حبيبُها
رأيتُ عذابَ الماء إن حيل دونهاكفاك لما لا بدَّ منه شريبُها
وقال آخر:
وتجزعُ نفسُ المرءِ من شَدِّ مِرّةٍفيسمع ألفاً مثلها ثمَّ يصبرُ
فلا تعْذِراني إنْ أُسيءَ فإنَّماشرارُ الرِّجالِ من يُسيء ثمَّ يُعذرُ
وقال ابن أوس المزني:
لعمرُكَ ما أدري وإنِّي لأوْجَلُعلَى أيِّنا تعدُو المنيَّةُ أوَّلُ
وإنِّي لأرجو دائم العهد لم أحُلْإن أبزاك خطبٌ أوْ نبا بك منزلُ
أُحاربُ من حاربت من ذي عداوةٍوأحبسُ مالي إن غرمتَ فأعقلُ
وإن سؤتني يوماً صفحتُ إلى غدٍليقبلَ يوم منك آخر مقبلُ
ستقطعُ في الدُّنيا إذا ما قطعتنييمينك فانظر أيَّ كفَّيك تبذلُ
إذا أنت لم تُنصفْ أخاكَ وجدتَهُعلَى طرف الهجران إنْ كانَ يعقلُ
ويركبُ حدّ السَّيف من أن تضيمَهُإذا لم يكنْ عن شفرةِ السَّيف مَعدلُ
وفي النَّاسِ إن رثت حبالُكَ واصلٌوفي الأرض عن دار القلى مُتحوّلُ
إذا انصرفتْ نفسي عن الشَّيء لم يكنْإليه بوجهٍ آخِرَ الدَّهر تقبلُ
أخبرني محمد بن الخطاب أن فتى من الأعراب خطب لبنت عم له وكان معسراً فأبى عمُّه أن يزوّجه فكتب إلى ابنة عمه هذه الأبيات:
يا هذه كم يكون اللّوم والفَندُلا تعذلي رجلاً أثوابُهُ قِدَدُ
إن أُمسِ منفرداً فالبدرُ منفردٌواللَّيث منفردٌ والسَّيف منفردُ
أوْ كنتِ أنكرتِ طِمريه وقد خَلِقافالبحر من فوقه الأقذاء والزَّبَدُ
إنْ كانَ صرفُ الليالي رثَّ بزّتهفبين ثوبيه منها ضيغم لُبَدُ
قال: فدخلت بالأبيات على أبيها فقال: ما أُريد بذلك صداقٌ غيرها فزوَّجه إيَّاها.
وفي الباب الستين ما جاء في ذم المزاح وكثرة الكلام، أخبرني أحمد بن عبيد ورجل من العرب قال: خرجت في بعض ليالي الظلم فإذا أنا بجارية كأنها صنم، فراودتها عن نفسها، فقالت: يا هذا ما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ناهٍ من دين. فقلت: والله ما ترانا إلاَّ الكواكب. قالت: وأين مكوكبها؟ فأخجلني كلامها فقلت: إنَّما كنت أمزح. فأنشأت تقول:
فإيَّاك إيَّاك المزاحَ فإنَّهُيُجري عليك الطفلَ والرَّجل النَّذْلا
ويُذهبُ ماء الوجه بعد بهائهويورثُ بعد العزّ صاحبه الذُّلاَّ
وقال بعض الحكماء: لكل شيء بدء، وبدء العداوة المزاح. وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله إلى عماله: امنعوا النَّاس من المزاح فإنَّه يذهب المروءة ويوغر الصدر. وقال بعض الشعراء:
مازحْ أخاكَ إذا أرادَ مُزاحاوتوقَّ منه في المزاحِ جماحا
فلربَّما مزَحَ الصَّديق بمزحةٍكانتْ لبابِ عداوةٍ مفتاحا
وقال بعض الشعراء:
إمحض مودَّتك الكريم فإنَّمامرعى ذوي الأحساب كلُّ كريمِ
فأخا الشّراف من الرِّجال مروءةوالموت خيرٌ من إخاء لئيمِ
وقال يحيى بن أكثم القاضي:
وقارنْ إذا قارنتَ حرّاً فإنَّمايَزين ويُزري بالفتَى قُرناؤهُ
إذا المرء لم يختر صديقاً لنفسهِفناد في السّوق هذا جزاؤهُ
وأنشدني منشد:
طلبت امرءاً محضاً صحيحاً مُسلّماًنقيّاً من الآفات في كلِّ موسمِ
لأمنحهُ ودِّي فلم أُدرك الَّذيطلبتُ ومن لي بالصَّحيح المسلَّمِ
فلمَّا بدا لي أنَّني لستُ مدركاًمن النَّاس إلاَّ بالمريض المسقَّمِ
صبرتُ ومن يصبرْ يجدْ غِبَّ صبرهِألذ وأحلا من جَنَا النَّحل في الفمِ
ومن لا يطبْ نفساً ويستبقِ صاحباًويغفرْ لأهل الودّ يصرَمْ ويُصرمِ
وأنشدني الحسن بن عليل الغنوي:
القَ بالبشر من لقيتَ من النَّاس جميعاً ولاقِهم بالطَّلاقة
تجنِ منهم بهِ ثمارَ عجيبطيّبٍ طعمُهُ لذيذِ المذاقة
ودع التّيه والعُبوسَ عن النَّاس فإنَّ العبوس رأس الحماقة
وكان يقال: لا تهذر في منطقك ولا تخبر بذات نفسك ولا تغترَّ بعدوك ولا تفرط في حبِّ صديقك، واعلم أن شرَّ الأخلاق ملالة الصاحب وتقريب المتباعد. وأنشدني أحمد بن يحيى الكندي:
وكُن معدناً للحلمِ واصفحْ عن الأذَىفإنَّك راءٍ ما عملت وسامعُ
وبلغني أن أبا نواس قال هذه الأبيات على البديهة في الوقت الَّذي كان فيه محمد الأمين أمير المؤمنين، وذلك أنَّه ركب الحرّاقات إلى الشماسية فاصطفت له الخيل والرِّجال على شاطئ دجلة وحملت معه المطابخ والخزائن، وكان ركوبه حراقة تمثال أسد فما رأَى النَّاس منظراً كان أحسن من ذلك المنظر والسير، وركب أبو نواس معه وكان يومئذ ينادمه فقال:
سخَّر اللهُ للأمين مَطايالم تُسخَّر لصاحبِ المحرابِ
وإذا ما ركابُهُ سرنَ برّاًسارَ في الماءِ راكباً ليثَ غابِ
أسدٌ باسط ذراعيه يعدووافر الشدق كالح الأنيابِ
عجبَ النَّاسُ إذْ رأوك علَى صورة ليثٍ تمرُّ مرَّ السَّحابِ
سبَحوا إذْ رأوك سرتَ عليهكيف لو أبصروك فوق العُقابِ
باركَ اللهُ للأمين وأبقاهُ وأبقى له رداءَ الشَّبابِ
ملِكٌ تقصُرُ المدائح عنهُهاشميّ موفقٌ للصَّوابِ
قال: وبلغني أن أبا نواس حضر يوماً مجلس محمد فورد على محمد كتاب العمَّال يُخبر أن رجلاً من الشُّراة، ويصف شدَّة شوكته وقوَّة أمره فقال لبشر خادمه وكان يحبّه: ينبغي أن توجّه أبا نواس إلى هناك يريد الشاري. وأظهر لأبي نواس جدّاً وكان مزَّاحاً، وأمر أن تُراح علَّته فيما يحتاج إليه من المال والسلاح وقال لبشر: انظر ما يرد عليك من أبي نواس في هذا الباب فاعرضه عليَّ. فلمَّا انصرف أبو نواس كتب إلى بشر الخادم بهذه الأبيات:
يا بشرُ ما لي وللسَّلاح وللحربِ ونجمي في اللَّهو والطَّربِ
لا تنفرني فإنَّني رجلٌأكعُّ عند اللّقاء والطَّلبِ
وليس لي همَّةٌ سوى طلبيأي الفريقين خِيرَ للهربِ
وإن رأيتُ الشُّراةَ قد قربواألجمتُ مُهري من جانب الذَّنبِ
ولستُ أيضاً فلا أغرّكماأُفرقُ بين العنان واللببِ
ولستُ أدري ما السَّاعدان من الترس ولا بيضة من اليلبِ
والرَّكض فوق الفراش منتطحاًفإنَّني فيه فارس العربِ
فأوصلها بشر إلى الأمير فلمَّا قرأها استطار ضحكاً ثمَّ دعا به فأحسن صلته.
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع