من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثاني والخمسون: ما مدح به أمية النبي صلى الله عليه وسلّم وما استشهد وأنشد بين يديه
حدَّثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال: حدَّثنا علي بن محمد المدائني قال: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن أخي الزهري بن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن سعد بن أبي وقاص قال: قدم وفد ربيعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - فسألهم عن قس بن ساعدة الإيادي وكان نازلاً فيهم: ما فعل؟ فقالوا: هلك يا رسول الله، فقال: والله لقد رأيته يوماً بعكاظ وهو على جمل له أحمر وهو يخطب النَّاس وهو يقول: أيُّها النَّاس اجتمعوا واسمعوا واسمعوا وعوا: من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، ما لي أرى النَّاس يذهبون فلا يرجعون، أرَضُوا بالإقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا، إنَّ في السَّماء لخبراً، وإنَّ في الأرض لعبراً، ليل موضوع، وسقف مرفوع، وبحار لا تفور، ونجوم تمور، ثمَّ بحور، أقسم قس قسماً بالله وما أتمَّ، إنَّ لله ديناً هو أرضى من دينٍ نحن عليه، ثمَّ تكلَّم بأبيات شعر ما أدري ما هي؟ فقال أبو بكر: أنا شاهد ذلك يا نبي الله فقال: أنشدها، فأنشأ أبو بكر - رضي الله عنه - يقول:
في الذَّاهبين الأوَّلينمن القرونِ لنا بَصائر
لما رأيت موارداًللموتِ ليسَ لها مصادر
ورأيت قومي نحوَهايسعى الأكابرُ والأصاغر
لا يرجعُ الماضي إليكولا من الباقين غابر
أيقنتُ أنِّي لا محالةحيثُ صارَ القومُ صائر
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يقول لعائشة: « يا حميراء ما فعلت أبياتك »؟ قالت: فكنت أقول: يا رسول الله قال الشاعر:
ارفع ضعيفك لا يحلْ بك ضَعفهُيوماً فتدركه العواقب قد نمَا
يجزيك أوْ يثني عليك وإن منأثنَى عليك بما فعلت فقد جزَا
قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: نعم يا عائشة إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة قال لعبد من عبيده: « عبدي صنع إليك معروفاً فهل شكرته؟ فيقول: يا ربِّ علمت أنَّه منك فشكرت لك، فيقول: لِمَ تشكرني إذا لم تشكر من أجريتُ ذلك علي يديه ».
ومع هذه الأبيات:
إنَّ الكريم إذا أردت وصالهلم تلف حبلي واهياً رثَّ القُوى
أرعَى أمانتَهُ وأحفظُ عهدهجهدي فيأتي بعد ذلك ما أتَى
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلّم - أنشدته عائشة الأربعة الأبيات فقال: قال لي جبريل - عليه السلام -: من آويته خيراً فذلك فقد كافى.
وروي في بعض الأخبار أن ضرار بن الأزور الأسدي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأسلم وقال:
تركتُ الخمورَ وضربَ القداحواللَّهو تضربه وابتهالا
وكزي المخبر في عمرهوشدّي عن المشركين القتالا
فيا ربّ لا أعتبر صفقتيفقد بعتُ أهلي ومالي بدالا
فقال رسول الله: ما غبنت صفقتك يا ضرار.
وروي أن النابغة الجعدي أنشد النبي - صلى الله عليه وسلّم -:
بلغنا السَّماءَ مجدُنا وسناؤناوإنَّا لنرجو فوقَ ذلك مُظْهرَا
فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: إلى أين؟ قال: إلى الجنة بك يا رسول الله. قال: لا يفضض الله فاك.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلّم سمع رجلاً ينشد:
إنِّي امرؤ حميريٌّ حين تنسبنيلا من ربيعة آبائي ولا مُضَرُ
فقال: ذاك أبعد من الله ورسوله والوجه في هذا والله أعلم أن افتخاره بأنَّه لا من ربيعة ولا من مضر هو الَّذي أوجب له الذّمّ والتّباعد من الله عز وجل ورسوله عليه السلام لا أن كونه من حمير موجب لذلك.
والَّذي يروى أن النبي صلى الله عليه وسلّم أنشده واستنشده أكثر من ذاك. وقد روي عن ابن الشريد عن أبيه قال: استنشدني النبي صلى الله عليه وسلّم فأنشدته مائة قافية لامية فقال: إن كان ليسلم ماذا كان قد أنشد النبي صلى الله عليه وسلّم من شعر رجل واحد مقدار ما حددناه نحن للباب فكيف يتهيء لنا استيعاب ما استنشده وما مدح به في باب غير أن الاستقصاء أصلح من طلب الغاية بالتطويل والإكثار ونحن الآن نذكر طرفاً ممَّا مدح به رسول الله صلى الله عليه وسلّم وما رثي به بعد وفاته. وقال أبو بكر الصديق رحمة الله عليه يرثي رسول الله صلى الله عليه:
أمستْ تأوّبني همومٌ جمَّةٌمثلُ الصُّخور قد أمستْ هدَّت الجسدا
ليت القيامةَ قامت عند مهلكهكي لا نرَى بعده مالاً ولا ولدا
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرثيه:
ما زلت مُذْ وضع الفراش لجسمهوثوى مريضاً خائفاً أتوقّعُ
شفقاً عليه أن يزول مكانهعنَّا فنبقَى بعده نتفجّعُ
نفسي فداؤك من لنا في أمرناأمنٌ نشاوره إذا نتوجَّعُ
وإذا تحلّ بنا الحوادث من لنابالوحي من ربٍّ سميع نسمعُ
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرثيه:
أمن بعد تكفيني النَّبيّ ودفنهبأثوابه آسى علَى هالكٍ نوَى
رُزينا رسول الله فينا فلن نرَىبذلك عدلاً ما حيينا من الردَى
وكانَ لنا كالحصن من دون أهلهلهم معقل فينا حريزٌ من العِدَى
وكنَّا برؤياه نرى النّور والهدَىصباحَ مساءَ راحَ فينا أوْ اغتدَى
فقد غشيتنا ظلمةٌ بعد موتهنهاراً فقد زادت علَى ظلمة الدُّجَى
فيا خير من صمّ الجوانح والحشاويا خير ميت ضمّه التّرب والثّرَى
كأنَّ أُمور النَّاس بعدك ضمنتسفينة نوح البحر والبحر قد سمَا
فضاق فضاء الأرض عنهم برحبهلفقد رسول الله إذ قيل قد قضى
فقد نزلت بالمسلمين مصيبةكصدع الصَّفا لا شعب للصّدع في الصفا
فإن يستقل النَّاس تلك مصيبةولن يجبر العظم الكسير إذا وهى
وفي كل وقت للصلاة يهيجهُبلال ويدعو باسمه كلما دعا
ويطلب أقوام مواريث هالكولله ميراث النبوة والهدى
وقال علي بن أبي طالب عليه السلام:
ألا طرق الناعي بليل فراعنيوأرقني لما استقل مُناديا
فقلت له لما رأيت الَّذي أتىأغير رسول الله إن كنت ناعيا
فحقق ما أشفقت منه ولم تُبلوكان خليلي غريا وجماليا
فوالله ما أنساك أحمد ما مشتبي العيس في أرض وجاوزتُ واديا
وكنت مَتَى أهبط من الأرض تلعةًأرى أثراً منه جديداً وباليا
شديد جرى في الصدر نهدٌ مصدرٌهو الموت مغدواً عليه وغاديا
وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثيه عليه السلام:
طال ليلي أسعدنني أخواتيليس ميتي كسائر الأمواتِ
ليس ميتي من مات في الناس ولا كان مثله في الحياةِ
طال ليلي لنكبةٍ قطعتنيلا أرى مثلها من النكباتِ
وقالت صفية:
ما لعينيَّ لا تجودانِ رِيّاقد رُزينا خير البرية حيّا
يوم نادى إلى الصلاة بلالفبكينا بعد النداء مليّا
كل يوم أصبحت فيه ثقيلاًلا ترد الجواب منك إليّا
لم أجد قبلها ولست بلاقٍبعدها غصة أمر عليّا
وحمان الشَّيخ منحدر في عارضيه كالمسك فاح ذكيّا
وهي في الصدر قد تساق حثيثاًومن الوقت عند ذاك هويّا
ليت يومي يكون قبلك يوماًأنضج القلب للحرارة كيّا
خُلقاً عالياً وديناً كريماًوصراطاً تُهدي به مستويا
وسراجاً يهدي الظلام منيراًونبيّاً مسوداً عربيّا
حازماً عازماً حليماً كريماًعايداً بالنوال برّاً تقيّا
إن يوماً أتى عليك ليومكُدّرت شمسُه وكان جليّا
فعليك السلام منّا ومن ربكبالروح بُكرةً وعَشِيّا
وقال أبو سفيان بن الحارث:
أرقت فبات ليلي لا يزولوليل أخي المصيبة فيه طولُ
فقد عظمت مصيبته وجلتعشية قيل قد قُبض الرسولُ
فكلّ النَّاس منقطعين فيهاكأن النَّاس ليس لهم حويلُ
كأن النَّاس إذْ فقدوه عُمياًأضر بلب حارمهم عليلُ
نبيّ كان يجلو الشك عنّابما يوحى إليه وما يقولُ
ويهدينا فلا نخشى ضلالاًعلينا والرسول لنا دليلُ
يخبرنا بظهر الغيب عمايكون فلا يجور ولا يحولُ
ولم ترَ مثله في النَّاس حيّاوليس له من الموتى عديلُ
أفاطم إن جزعت فذاك عذراًوإن لم تجزعي فهو السبيلُ
فعودي بالعزاء فإن فيهثواب الله والفصل الجزيل
وقولي في أبيك ولا تمليوهل يُخزي بفعل أبيكِ قيلُ
فقبر أبيك سيد كل قبروفيه سيد النَّاس الرسولُ
وقال كعب بن مالك:
ونائحةٍ حَرّى تَحرَّقُ بالبُكاوتلطم منها خَدَّها والمُقلّدا
علَى هالكٍ بعد النبيّ محمدولو عقلت لم تبكِ إلاَّ مُحمدا
فُجِعْنا بخير النَّاس حيّاً وميّتاوأدناهُ من أهل السَّموات مَقْعدا
وأعظمهُ فقداً علَى كل مُسلمٍوأعظَمهم في النَّاس كلهمُ يَدا
إذا كانَ منه القولَ كان موفقاًوإن كان حيّاً كان نوراً مُجدَدا
وقد وازنتْ أخلاقُهُ المجدَ والتُّقىفلن تَلْقه إلاَّ رشيداً ومُرشدا
وقال عمرو بن سالم الخزاعي:
لعمري لئن جادت دموعي بالبكالمحقوقةٌ أن تستهل وتدمعا
أبا حفص إن الأمر جلّ عن البكاغداة نعى الناعي النبي فأسمعا
فلم أرَ يوماً كان أعظم حادثاًولم أرَ يوماً كان أكثر موجعا
فوالله لا أنساك ما دمت ذاكراًلشيء وما قَلّبتُ كفّاً وإصبعا
إذا ذكرت نفسي فراقَ محمدتهيجُ حزني عند ذلك أجمعا
وقال الزبرقان بن بدر:
آليت لا آسي علَى هالكبعد نبيِّ الله خيرِ الأنام
بعد النبي كان لنا هادياًمن حَيرةٍ كانت وبدرَ الظلام
يا مبلغ الأخيار عن ربّهفينا ويا مُحيي ليل التّمام
فاستأثر الله به إذْ وفىأيامه عند حضور الحِمام
وأي قوم أدركوا غبطةدامت لهم من آل حام وسام
وقال حسان بن ثابت:
إن الرزية لا رزية مثلهاميتٌ بطيبةَ مثله لم يفقدِ
فلقد أصيب جميع أمته بهمن كان مولوداً ومن لم يولدِ
والنَّاس كلهم لما قد عالهمترجو شفاعته بذاك المشهد
حتَّى الخليل أبوه في أشياعهونجيّه موسى النبيّ المهتدي
متواضعين لربّهم بفَعالهمتلك الفضيلة واجتماع السؤدد
يا خير من شدَّ المطية نحوهوفد لحاجته تروح وتغتدي
أنت الَّذي استنقذتَنا من حفرةمن يهوَ فيها من قُواه يبعدِ
وهديتنا بعد الضلالة والرَّدىفهدى الإله إلى السبيل الرشَّد
فجزاك عنّا الله خير جزئهبمقام محمود المقام مسوَّدِ
وقال أمية يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلّم وهي أبيات اخترناها، وقد ذكرنا بعض القصيدة في الباب الماضي وإنّما أردنا هذه الأبيات من هذا الباب لندل على جهل من حكينا قوله في الباب الَّذي قبله:
محمداً أرسله بالهدىفعاش غنيّاً ولم يُهتضَمْ
عطاءٌ من الله أعطيتهوخصَّ به الله أهلَ الحرمْ
وقد علموا أنّه خيرهموفي بيتهم ذي النّدى والكرمْ
نبيّ الهدى طيبٌ صادقٌرحيم رؤوف بوصل الرحمْ
به ختم الله من قبلهومن بعده من نبيٍّ ختمْ
يموت كما مات من قد مضىيُردُّ إلى الله باري النسمْ
مع الأنبياء في جنان الخلودهمُ أهلها غير حل القسمْ
وقال حسان بن ثابت:
هجوت محمداً فأجبت عنهوعند الله في ذاك الجزاء
فإن أبي ووالده وعرضيلعرض محمد منكم وقاء
وقال الله قد أرسلت عبداًيقول الحق ارتفع البلاء
أتهجوه ولستَ لهُ بكفءٍفشرّكما لخيركما الفداءُ
وهذا لعمري من أحسن الكلام لفظاً وأصحَّه معنى ولا أعرفُ بعده في الأنصاف غاية، ولا أقلَّ منه في الاختصار نهاية. ومن أشبه شيء به قصة عبد الله ابن رواحه حين تظلّمت اليهود من خرصه عليهم بخيبر فقال: إن شئتم أخذتموه بخرصي، وأعطيتموني ما يجب، وإن شئتم أخذتموه بما خرصته وقاسمتكم فأعطيتكم حقكم منه على ذلك. فقالت اليهود: هذا والله الحق، بهذا قامت السَّموات. وهذا المعنى الَّذي اختاره حسان رحمه الله في مدح النبيّ صلى الله عليه وسلّم وهو الاختيار في مثله، لأن من استعار وصفه بغاية ما يستحقه، والاقتصار من مدحه على ما لا يتهيأ للخصم دفعه أولى من غيره، وبما عسى أن يمدح النبيّ صلى الله عليه فيكون مستوعباً لفضله، ومقارناً لوضعه. وكل ما مدح فإنما يجري إلى منتهى عمله. وفضله صلى الله عليه، يُحلّ عن أن تدركه الخواطر والأفكار ويكبر عن أن تحيط بجمعه الروايات والأخبار صلى الله عليه وعلى أصحابه وآله المنتجبين صلاة تُبلّغه رضاه، وتتجاوز به إلى أن يقصر عنه مناه. وعليه وعليهم السلام ورحمة الله.
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع