من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الخامس والأربعون: مَنْ لم يقعْ لهُ الهوَى باكتسابٍ لم ينزجرْ بالعتابِ
العلَّة في ذلك أنَّ المعاتبة إنَّما هي توقيف على مواضع المصلحة وتبين لما في الحال الَّتي بقي عليها المعاتب من المنقصة فمن كان أصل هواه اختياراً لنفسه فتبيَّن موضع النَّقص في اختياره رجع إلى قول عذَّاله ومن وقع هواه مضطراً بغلبة إلى الانقياد لإلفه لم يعلق العذل بسمعه لأنَّ العذل يأتيه من غير جهته والشَّيءُ لا يوجب زواله إلاَّ ضدُّ ما أوجب ثباته فكما أنَّ الهوَى الاختياريَّ يضادُّه التَّوقيف على مواضع الحال فيوجب على صاحبه أن يختار إزالته فكذلك الهوَى الاضطراريُّ لا يزايله إلاَّ اضطرارٌ يضادُّه والهوَى الاختياريُّ أيضاً على ضعفه لا تمحوه ضروريَّته ولا تعارض في تركه لأنَّها تجيء من غير جهته وهو لا يزول إلاَّ بزوال الجهة الَّتي أوجبته إذْ محالٌ أن يكون شيءٌ علَّةً لشيءٍ فيزول المعلول والعلَّة قائمةٌ.
ولقد أحسن عمر بن ضبيعة الرقاشي حيث يقول:
قضَى اللهُ حبَّ المالكيَّةِ فاصطبرْعليهِ فقدْ تجرِي الأُمورُ علَى قدرِ
ألا فليقلْ مَنْ شاءَ ما شاءَ إنَّمايُلامُ الفتَى فيما استطاعَ منَ الأمرِ
وللبحتري في نحو ذلك:
للحبِّ عهدٌ في فؤادِي لمْ يخنْمنه السُّلوُّ وذمَّةٌ لمْ تخفرِ
لا أبتغِي بدلاً بسُلمَى خُلَّةًفلتقتربْ بالوصلِ أوْ فلتهجرِ
وقال يحيى بن منصور:
يلومكَ فيها اللائمونَ كأنَّنيلأمرِ الوشاةِ مستقيدٌ مسلِّمُ
وإنِّي أرَى العينَ الَّتي لا تُنيمُهاإذا جعلتْ عينُ الوشاةِ تُنوِّمُ
فها أنا متروكٌ وبثِّي فإنَّهُشتيتٌ بهِ أهواؤهُ متقسِّمُ
ولقد أحسن أبو تمام حيث يقول:
ألمْ ترَني خلَّيتُ عيني وشانَهاولمْ أحفلِ الدُّنيا ولا حدَثانَها
لقدْ خوَّفتْني النَّائباتُ صروفَهاولو آمنتْني ما قبلتُ أمانَها
عِنانٌ منَ اللَّذَّاتِ قدْ كانَ في يديفلمَّا مضَى الإلفُ استردَّتْ عنانَها
يقولونَ هلْ يبكِي الفتَى لخريدةٍمتَى ما أرادَ اعتاضَ عَشراً مكانَها
وهلْ يستعيضُ المرءُ مِنْ خَمسِ كفِّهِولو صاغَ مِنْ حرِّ اللُّجينِ بنانَها
وأنشدني أحمد بن يحيى:
لا تلْحِيا في حبِّ ظَبيةَ هائماًأمسَى بظبيةَ هائماً مشغولا
هَيمانُ يعطشُ بالفراتِ لحبٌّهاويزيدهُ بردُ الشَّبابِ غَليلا
وقال آخر:
فكادَ يعتبُني في غيرِ فاحشةٍبعضِ اتِّباعِ الهوَى والمشربَ الألفُ
يا أيُّها العاذلُ الرَّاجي لأُعتبهُماذا تراكَ منَ التَّلوامِ تَعترفُ
أفي الصِّبى لمتَني أنتَ الفداءُ لهُوهلْ عصَى لكَ مِنْ لذَّاتهِ خلَفُ
إذا ذممتَ الصِّبى يوماً فلا ترَنيممَّنْ يطيعُكَ أوْ يرضَى بما تصفُ
إنَّ القلوبُ إذا نيَّاتها اختلفتْفلا تكادُ على الأضغانِ تأتلفُ
وأنشدني أحمد بن يحيى:
وقدْ علمتْ سمراءُ أنَّ حديثَهافجيعٌ كما ماءُ السَّماءِ فجيعُ
إذا أمرتْكَ العاذلاتُ بصرمِهاهفتْ كبدٌ ممَّا يقُلْنَ صديعُ
وزادني غيره:
وكيف أُطيعُ العاذلاتِ وحبُّهايورِّقُني والعاذلاتُ هجوعُ
وقال أبو صخر الهذلي:
أرِقتُ ونامَ عنِّي مَنْ يلومُولكنْ لمْ تنمْ عنِّي الهمومُ
كأنِّي مِنْ تذكُّرها أُلاقيأذًى ما أظلمَ اللَّيلُ البهيمُ
سليمٌ ملَّ منهُ أقرَبوهُوعطَّلهُ المُداوي والحميمُ
يلومكَ في مودَّتها رجالٌلَوَ انَّهمُ بدائكَ لمْ يلومُوا
قلوبهمُ وأنفسهمْ صحاحٌوقلبكَ مِنْ تذكُّرها سقيمُ
فأنتَ وإنْ لحاكَ النَّاسُ فيهاجميعَ النَّاسِ تعصِي أوْ تلومُ
وقال الضحاك بن عقيل الخفاجي:
لقدْ لامَني فيها رجالٌ وقدْ أرَىمكانَ نساءٍ قدْ مُلئنَ لها حقدا
يُخبِّروني أنِّي سفيهٌ فزادَنيمقالةُ مَنْ قدْ قالَ لي ولَها وَجدا
علَى حبِّها فازددتُ ضعفاً ولم أكنْأرَى قبلُ عندِي غيرَ ما استسلفتْ ودَّا
وهذا لعمري من أحسن الكلام وجيده وإن كان في البيت الأخير غلط يسير لأنه زعم أنَّ من ملامهم فيها زاده ضعفاً من محبَّتها والعذل لا يزيد المحبة ولا ينقصها ولكن النَّفس إذا اشتدَّ ضنُّها فغُري العذل بمسامعها عارضها ضربٌ من الإشفاق على حال من عوتبت في محبَّته وخشيت أن يكون العذل مزيلاً له عن مرتبته وكان تحريك خاطرة الضَّنّ بذلك زائدة في القلق ومهيِّجة للفكر فيتوهَّم صاحبها أنَّ محبَّته قد تزايدت وما تزايدت ولا تناقصت وهذا الغلط لم يجر على صاحب هذه الأبيات وحده بل قد جرى على من قبله وبعده.
وقال معاذ ليلى في نحو ذلك:
يقرُّ بعيني قربُها ويَزيدُنيبها عجباً مَنْ كانَ عندِي يعيبُها
وكمْ قائلٍ قد قالَ تُبْ فعصيتهُوتلكَ لعمري توبةٌ لا أتوبُها
فيا نفسُ صبراً لستُ واللهِ فاعلَميبأوَّلِ نفسٍ غابَ عنها حبيبُها
وقال عمر بن يحيى الطائي:
قالَ العواذلُ لي أينقصُ حبُّهالا بلْ علَى رغمِ الوشاةِ يزيدُ
تأبَى قرابةُ بينِنا ومودَّةٌولها عليَّ مواثقٌ وعهودُ
طُوِّينَ في حججٍ مضينَ سوالفٍحذارَ الوشاةِ فنقضُهنَّ شديدُ
وإذا تعرَّضَ زاجرٌ عنْ حبِّهاقُلنا عليكَ صفائحٌ ولحودُ
وقالت وجيهة بنت أوس:
وعاذلةٍ تغدُو عليَّ تلومُنيعلَى الشَّوقِ لمْ تمحُ الصَّبابةَ مِنْ قلبِي
فما ليَ إنْ أحببتُ أرضَ عشيرتِيوأحببتُ طرفاءَ القُصيبةِ مِنْ ذنبِ
وقال مالك بن حارث الهذلي:
يقولُ العاذلاتُ أكلَّ يومٍلسُرُّبةِ مالكٍ عنَقٌ شَناحُ
وقدْ خرجتْ نفوسهمْ فماتُواعلَى إخوانهمْ وهمُ صحاحُ
ولستُ مقصِّراً ما سافَ مالِيولو عُرضتْ لِلَبَّتيَ الرِّماحُ
فلومُوا ما بدَا لكمُ فإنِّيسأُعتبكمْ إذا انفسخَ المُراحُ
وقال جرير:
إذا ما نمتِ هانَ عليكِ ليلِيوليلُ الطَّارقاتِ منَ الهمومِ
إذا ما لُمتِني وعذرتُ نفسِيفلومِي ما بدَا لكِ أنْ تلومِي
وقال القعقاع:
خليليَّ مرَّا بي قليلاً لتؤجَراوأنْ تكسَبا خيراً منَ الحمدِ والأجرِ
فقالا اتَّقِ اللهَ العليَّ فإنَّماتُصلِّيكَ أسبابَ الهوَى لهبُ الجمرِ
فقلتُ أطيعانِي فليسَ عليكُماحسابِي إذا لاقيتُ ربِّي ولا وِزرِي
عليَّ الذي أجنِي وليسَ عليكُماوربِّي أولى بالتَّجوُّزِ والغفرِ
أتحرقُني يا ربِّ إنْ عجتُ عَوجةًعلَى رخصةِ الأطرافِ طيِّبةِ النَّشرِ
أما العذل الذي يقع ابتداء فليس على النَّفس منه من المؤونة كما عليها من عذل من أملت عنده من المعونة ولقد كسب هذا البائس على نفسه تعباً كاسراً لمنقلبه ومسقطاً لهمَّته باستدعائه المساعدة من ذكر قصَّته ومن هذا وأشباهه كرهنا للمحبِّ الاطلاع على أسراره ولكن متى غُلب على أمره لم يلم على إفشاء سرِّه.
ولقد أحسن أبو تمام الطائي حيث يقول:
فحْواكَ عينٌ علَى نجواكَ يا مَذِلُحتَّامَ لا يتقضَّى قولكَ الخطِلُ
وإنَّ أسمجَ مَنْ تشكُو إليهِ هوًىمَنْ كانَ أحسنَ شيءٍ عندهُ العذلُ
وقال يزيد بن الطثرية:
تذكَّرتُ ذاتَ الخالِ مِنْ فرطِ حبِّهاضُحًى والقِلاصُ اليَعمُلاتُ بنا تخدِي
فما ملكتْ عينايَ حينَ ذكرتُهادموعَهما حتَّى انحدرنَ علَى خدِّي
فأنَّبني صحبِي وقالُوا أمنْ هوًىبكيتَ ولو كانُوا همُ وجدُوا وجدِي
وقالُوا لقدْ كنَّا نعدُّكَ مرَّةًجليداً وما هذا بفعلِ فتًى جلدِ
ألا لا تلومُوني فلستُ وإنْ نأتْبمُنصرمٍ عنها هوايَ ولا ودِّي
ألمْ تعلَمَا أنَّ الرَّعابيبَ لمْ تزلْمَفاتينَ قبلِي للكهولِ وللمُردِ
فإنْ أغوَلا تُكتبْ عليكم غوايَتيأجلْ لا وإنْ أرشدْ فليسَ لكمْ رُشدي
وإنَّ لِذاتِ الخالِ يا صلحِ زُلفةًومنزلةً ما نالَها أحدٌ غيرِي
وقال أيضاً:
ألا يا خليليَّ الَّذينَ تواصَيابيَ اللَّومَ إلاَّ أنْ أُطيعَ وأسمعَا
قفا فانظُرا لا بدَّ مِنْ رجعِ نظرةٍيمانيَّةٍ شتَّى بها القومُ أوْ معَا
لمُغتصبٍ قد عزَّهُ القومُ أمرهُيكفُّ حياءً عبرةً أنْ تطلَّعا
فإنْ كنتمُ ترجونَ أنْ تصرِفوا الهوَىبِيهمَا ويُروَى في السَّرابِ فينقَعا
فردُّوا هبوبَ الرِّيحِ أوْ غيِّروا الهوَىإذا حلَّ ألواذَ الحشا فتمنَّعا
وقال ذو الرمة:
أعاذلَ قدْ أكثرتِ مِنْ قيلِ قائلٍوعيبٌ علَى ذي اللُّبِّ لومُ العواذلِ
أعاذلَ قد جرَّبتُ في الدَّهرِ ما كفَىونظَّرتُ في أعقابِ حقٍّ وباطلِ
فما الدَّهرُ مِنْ خرقاءَ إلاَّ كما أرىحنينٌ وتذارفُ الدُّموعِ الهواطلِ
وقال عدي بن زيد:
وعاذلةٍ هبَّتْ بليلٍ تلومُنيفلمَّا غلتْ في اللَّومِ قلتُ لها اقصِرِي
أعاذلَ قد أطنبتِ غيرَ مُصيبةٍفإنْ كنتِ في غيٍّ فنفسكِ فارْشِدي
أعاذلَ إنَّ الجهلَ مِنْ لذَّةِ الفتَىوإنَّ المنايا للرِّجالِ بمرصدِ
كفَى حزَناً للمرءِ أيَّامُ دهرهِتروحُ لهُ بالواعظاتِ وتغتدِي
وأنشدني أحمد بن يحيى لجميل بن معمر:
يقولونَ مهلاً يا جميلُ وإنَّنيلأُقسمُ ما بي عنْ بُثينةَ مِنْ مهلِ
أحلماً فقبلَ اليومِ كانَ أوانهُأَمَ اخشَى فقبلَ اليومِ أُوعدتُ بالقتلِ
وقال آخر:
تقولُ العاذلاتُ تعزَّ عنهاوداوِ غليلَ قلبكَ بالسُّلوِّ
وكيفَ ونظرةٌ منها اختلاساًألذَّ منَ الشَّماتةِ بالعدوِّ
وقال الطائي:
أذكتْ عليكَ شهابَ نارٍ في الحشابالعذلِ وهناً أُختُ آلِ شهابِ
عذلاً شبيهاً بالجنونِ كأنَّماقرأتْ بهِ الورهاءُ نصفَ كتابِ
وقال البحتري:
طفقتْ تلومُ وَلاتَ حينَ ملامهِلا عندَ كرَّتهِ ولا إحجامهِ
لمْ يروِ مِنْ ماءِ الشَّبابِ ولا انجلتْذهبيَّةُ الصَّبَواتِ عنْ أيَّامهِ
وقال آخر:
مِنْ أجلكِ ظلَّ العائداتُ يلُمْننيويزعمنَ أنِّي في طلابكِ عانِي
ويرفدْنني نصحاً زعمنَ وإنَّهُلَفي حرجٍ مَنْ لامَني ونَهانِي
وقال آخر:
أترانِي تاركاً باللهِما أقوَى لِما أهوَى
أنا أشهدُ أنَّ الحبَّمِنْ قلبِي إذنْ دعوَى
وذكروا أنَّ العتبي حبس ابناً له في بيتٍ لمَّا ظهر على أنَّه عاشق ليكون الحبس رادعاً له ففتح الباب عنه بعد مدَّة فوجده قد كتب على الحائط:
أتظنُّ ويحكَ أنَّني أبلَىوأُطيعُ في الهوَى عقلا
ومدَّ الحرف الأخير مع استدارة حائط البيت أجمع فلمَّا نظر أبوه إلى ذلك يئس منه فخلَّى سبيله.
وقال آخر:
يلومكَ فيها اللاَّئمونَ نصاحةًفليتَ الهوَى باللاَّئمينَ مكانِيا
لَوَ انَّ الهوَى عنْ حبِّ ليلَى أطاعنيأطعتُ ولكنَّ الهوَى قدْ عصانِيا
وهذا الكلام لا يكون إلاَّ عن حال ضعيفة أو بعقب ضجرةٍ شديدةٍ لأنَّ صاحبه لم يرضَ بالتَّبرُّم من هواه حتَّى ضمَّ إلى ذلك تمنِّي انصراف الحال إلى سواه وأحسن من هذا قولاً وأجمل منه فعلاً الذي يقول:
تشكَّى المحبُّونَ الصَّبابةَ ليتَنيتحمَّلتُ ما يلقَوْنَ مِنْ بينِهم وحدِي
وكانتْ لنفسِي لذَّةُ الحبِّ كلُّهافلمْ يلقَها قبلِي محبٌّ ولا بعدِي
وأحسن مجنون بني عامر حيث يقول:
وقالُوا لوْ تشاءُ سلوتَ عنهافقلتُ لهمْ فإنِّي لا أشاءُ
لها حبٌّ تمكَّنَ مِنْ فؤادِيفليسَ لهُ وإنْ زُجر انتهاءُ
وقال آخر:
يقولونَ لي اصبرْ وائْتجرْ قلتُ طالَماصبرتُ ولكنْ لا أرَى الصَّبرَ ينفعُ
فيا ليتَ أجرِي كانَ قسِّمَ بينهمْومِنْ دونِيَ الصَّمانُ فالخبتُ أجمعُ
ولبعض أهل هذا العصر:
يُعاتبُني أُناسٌ في التَّصابِيبألبابٍ وأفئدةٍ صحاحِ
إذا اختلطَ الظَّلامُ وهمْ سُكارَىبكاساتِ الرُّقادِ إلى الصَّباحِ
ولِي سُكرٌ يُجنِّبني رُقادِيفما أدرِي الغدوَّ منَ الرَّواحِ
أمَا لي في بلادِ اللهِ بابٌيؤدِّيني إلى سبلِ النَّجاحِ
بلَى في الأرضِ متَّسعٌ عريضٌولكنْ قدْ مُنعتُ منَ البراحِ
وما يُغنِي العقابَ عيانُ صيدٍإذا كانَ العقابُ بلا جناحِ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع