من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثالث والأربعون: طريق الصَّبر بعيدٌ وكتمان الحبِّ شديدٌ
كان يقال سرُّك أسيرك فإذا تكلَّمت به صرت أسيره وأمَّا إفشاء من يحبُّ سرَّه إلى محبوبه فقد تقدَّم القول فيه بما في بعضه بلاغٌ وأمَّا اطِّلاع سائر النَّاس على وجد المحبّ بالمحبوب فهو خطأ من وجوهٍ أوَّلها تعرُّض المحبوب لما لا يحبّ من القالات والتَّشنيعات ثمَّ تعرُّض المحبّ نفسه للسِّعاية والارتقاب له وإنَّما يوصى بهذه الوصيّة من أمر سرّه إليه فأمّا من قد أخرجت الحال زمام السّرّ من يديه فلا ذنب له ولا لوم عليه وأمّا أسرار المحبوب عند المحبّ مثل مواعيده له وزيارته إيَّاه ومساعدته له على ما يهواه وما يجري بينهما من المعاتبات بل من سرائر المخاصمات فإنَّ غالبات الوجد لا توجب إفشائه بل توجب صونه وإخفائه ولن يشيع مثل ما وصفنا إلاَّ ضعيفٌ في الحال جدّاً فكتمان هذا أبين وجوباً من أن نزيد القول فيه توكيداً وإفشاء المحبَّة وحدها إلى غير المحبوب فواجبٌ على من أطاق كتمها ألاَّ يظهرها ومن عجز فخارجٌ عن باب المنع والوجوب ومن ضاق صدره عن سرِّه فلم يلم غيره على نشره وإن كان في الحقيقة ملوماً لأنَّ للمرء أن يتطوَّع بإظهار سرِّه وعلى المستودع أن لا يظهر سرَّ مستودعه.
ولبعض الأدباء في ذلك:
إذا ضاقَ صدرُ المرءِ عن سرِّ نفسهِفصدرُ الَّذي يُستودعُ السِّرَّ أضيقُ
ورُبَّ فتًى يجفو كرائمَ مالهِويرعى سوامَ الأبعدينَ فيُشفقُ
وقال يزيد بن الطثرية:
ومُستخبرٍ عنها ليعلمَ ما الَّذيلها في فؤادي غيرَ أنِّي أُحاذرُهْ
وردْتُ به عمياءَ منها ولمْ أكُنْإذا ما وشى واشٍ بليلى أُناظرُهْ
وقال آخر:
كريمٌ يُميتُ السِّرَّ حتَّى كأنَّهُإذا استخبروهُ عنْ حديثكِ جاهلُهْ
رعى سرَّكُمْ في مُضمرِ القلبِ والحشاحفيظٌ عليكمْ لا تخافُ غوائلُهْ
وأكتمُ نفسي بعضَ سرِّي تكرُّماًإذا ما أضاعَ السِّرَّ في السِّرِّ جاهلُهْ
ومُستسقطي بالجدِّ والهزلِ قد نبتْعلَى كلِّ حالٍ عن صفاتي معاولُهْ
تسقَّطني عنكُمْ فأخلفْتُ ظنَّهُوذو اللُّبِّ قد يُعيي الرِّجالَ تُحاولُهْ
فما رامَ حتَّى عادَ شكّاً يقينهُوأخلفهُ منِّي الَّذي كانَ ياملُهْ
وقال آخر:
قد جرَّرَ النَّاسُ أذيالَ الظُّنونِ بناوفرَّقَ النَّاسُ فينا ظنَّهمْ فرَقا
فجاهلٌ ينتحي بالظَّنِّ غيركمُوصادقٌ ليسَ يدري أنَّهُ صدقا
وقال بعض الأعراب:
وإنِّي لأستحييكِ أن أُطلقَ الهوَىوأن لا تُعدَّى خلسةَ اللَّحظاتِ
سأطوي الهوَى تحتَ الحشا طيَّ نازحٍقضى وطراً إن لم تبُحْ عبراتي
وأصبرُ للهجرانِ حتَّى يملَّنيوأدفعَ عنكِ السَّوءَ بالشُّبهاتِ
وقال آخر:
وما وجدُ مِلْواحٍ منَ الهيمِ خُلِّيتْعن الماءِ حتَّى جوْفُها مُتصلصلُ
تحومُ وتغشاها العصيُّ وحولهاأقاطيعُ أنعامٍ تعلُّ وتنهلُ
بأكثرَ منِّي غلَّةً وتعطُّفاًإلى الوردِ إلاَّ أنَّني أتجمَّلُ
وقال ابن الدمينة:
وكنَّا كريمَيْ معشرِ حُمَّ بينناتصافٍ فصُنَّاهُ بحسنِ صوانِ
سيبقى فلا يفنى ويخفى فلا يُرىوما علموا من أمرنا ببيانِ
وقال ذو الرمة:
فما زلتُ أطوي النَّفسَ حتَّى كأنَّهابذي الرِّمثِ لم تخطرْ علَى قلبِ ذاكرِ
حياءً وإشفاقاً منَ الرَّكبِ أن يروادليلاً علَى مستودعاتِ السَّرائرِ
ولعَمري إنَّ هذه الحال لجميلةٌ بين أهل الصَّفاء غير أنَّها من الأعداء أحسن منها من الأولياء إذْ ليس عجيباً أن يكتم الوليُّ سرَّ وليِّه كما يعجب من كتمان العدوِّ سرَّ عدوِّه.
وقد قال بعض أهل هذا العصر في هذا النحو:
وإنِّي وإن شاعتْ لديكَ سرائريفإنَّ الَّذي استودعتني غيرُ شائعِ
أبى اللهُ لي إلاَّ الوفاءَ لكلِّ منْرعى ليَ عهدي أوْ أضاعَ ودائعي
فكُنْ آمناً من أنْ أُذيعَ بسرِّكمْفما سرُّ أعدائي لديَّ بذائعِ
وما أنا ممدوحاً بحفظِ وديعةٍأقلُّ حقوقِ النَّاسِ حفظُ الودائعِ
وقال آخر:
لعَمركَ ما استودَعْتُ سرِّي وسرَّهاسوانا حِذاراً أن تضيعَ السَّرائرُ
ولا خاطبتْها مُقلتايَ بلحظةٍفتعرفَ نجوانا العيونُ النَّواظرُ
ولكنْ جعلتُ الوهمَ بيني وبينهارسولاً فأدْني ما تجنُّ الضَّمائرُ
أصونُ الهوَى بُقيا عليهِ منَ العدى مخافةَ أن يُغرى بذكراهُ ذاكرُ
وقال آخر:
تواقفَ معشوقانِ من غيرِ موعدٍوغُيِّبَ عن نجواهُما كلُّ كاشحِ
وكلَّتْ جفونُ العينِ عن حملِ مائهافما ملكتْ فيضَ الدُّموعِ السَّوافحِ
وإنِّي لأطوي السِّرَّ عن كلِّ صاحبٍوإن كانَ للأسرارِ عدْلَ الجوانحِ
وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى لعمر بن أبي ربيعة:
جرى ناصحٌ بالوُدِّ بيني وبينهافقرَّبني يومَ الحِصابِ إلى قتلي
فلمَّا تواقفنا عرفْتُ الَّذي بهاكمثلِ الَّذي بي حذوكَ النَّعلَ بالنَّعلِ
فسلَّمتُ فاستأنستُ خيفةَ أن يرىعدوٌّ مكاني أو يرى كاشحٌ فعلي
فقالتْ وألقتْ جانبَ السِّترِ إنَّمامعي فتكلَّمْ غيرَ ذي رقبةٍ أهلي
فقلتُ لها ما بي لكمْ من ضراعةٍولكنَّ سرِّي ليسَ يحملهُ مثلي
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر:
ألا حبَّذا حبِّي وأرضٌ يحلُّهاوثوبٌ عليها في الثِّيابِ رقيقُ
وفي القلبِ من حبِّي الَّذي ما درى بهِعدوٌّ ولم يظهرْ عليهِ صديقُ
وقال آخر:
خشيتُ لساني أن يكونَ خؤونافأودعْتُهُ قلبي فكانَ أمينا
وقلتُ ليخفى دونَ عيني وناظريأيا حركاتي كنَّ فيهِ سكونا
فما إنْ رأتْ عيني لعينيَ قطرةًولا سمعتْ أُذني لفِيَّ أنينا
لقد أحسنتْ أحشايَ تربيةَ الهوَىفها هو ذا كهلاً وكان جنينا
ولم أرَ قلباً خالياً أُودعَ الهوَىفدانَ لهُ حتَّى اصطفاهُ قرينا
وقال ابن ميادة:
وإنِّي لِما استودعْتُ يا أمَّ مالكٍعلَى قدمٍ من عهدهِ لكَتومُ
وإنِّي علَى الشَّوقِ الَّذي أنا داخلٌإذا باحَ أصحابُ الهوَى لضمومُ
وقال آخر:
وحبٍّ كأطباقِ البحارِ كتمتهُمعَ القلبِ لم يعلمْ بهِ منْ أُلاطفُ
وإنِّي أكُمُّ السِّرَّ حتَّى أردَّهُسليمَ الصَّفا لم تمتهنْهُ الزَّعانفُ
وأُخفي منَ الوجدِ الَّذي ما لوَ انَّهُيشيعُ لحرَّ الموطناتِ الألايفُ
وإنَّ البيت الثالث من هذه الأبيات ليس من الكلام الَّذي لا يقع مثله في النَّدرات ولئن كان صادقاً فيما قال إنَّه من صون إلفه لعلى حالٍ توجب له غلبة الوفاء بعهده والرِّعاية لودِّه إنَّ امرءاً يثق من وجده بأنَّ الإشاعة لذكره تدعو المستوطن الآلف إلى مفارقة الوطنين وطن روحه ووطن جسمه ثمَّ يترك ذلك ويتجشَّم مضاضة الكتمان في قلبه على الإشارة بذكر إلفه بما عساه غير مؤدٍّ إلى ضرره لشديد الإبقاء على إلفه ولمتمكِّن القدر على نفسه لأنَّ من ملكه الشّوق ملكاً صحيحاً عجز لأن لا يكون سرّه تصريحاً على أنَّ صاحبنا قد عرّض تعريضاً مليحاً بذكره لموضع إقامة قلبه إذْ هو بلا شكٍّ موضع إلفه وإنِّي لأستطرف قول نبهان العبشمي:
أما واللهِ ثمَّ اللهِ حقّاًيميناً ثمَّ أُتبعُها يمينا
لقدْ نزلتْ أُمامة من فؤاديتِلاعاً ما أُبحنَ ولا رُعينا
أظلُّ وما أبثُّ النَّاسَ أمريولا يخفى الَّذي بيَ فاعلمينا
أذودُ النَّفسَ عن ليلَى وإنِّيليعصيني شواجرُ قد صدينا
يرينُ مشارباً ويُذدنَ عنهاويُكثرنَ الصُّدودَ وما روينا
فهو أعزَّه الله لم يرض بتسميةٍ واحدةٍ حتَّى سمَّى اثنتين سمَّى الَّتي هو مقبلٌ عليها والَّتي هو يجب الانصراف عنها ثمَّ لا يسكت مع ما جناه حتَّى يمتنَّ بأنه يكاتم هواه ليت شعري ما الَّذي بقي عليه أن يخبر به بعد وصفه لمحلِّ من يهواه من قلبه وإخباره في الشِّعر باسمه ولولا أنَّ هذا بابٌ لا يحتمل لمن ذكرت حاله فيه ما يحتمل لمن ذكر في الباب الَّذي يليه لصفحنا عن هذا وأضعافه.
ولعمري لقد أحسن الَّذي يقول:
رماني بها قلبي فلمْ يُخطِ مقتليولم يكُ من يرمي تصاب مقاتلُهْ
فإنْ متُّ فابكوني قتيلاً بطرفهاقتيلَ عدوٍّ حاضرٍ ما يزايلُهْ
شكى وكنى عمَّنْ أحبَّ ولم يبُحْبأكثرَ من هذا الَّذي هو قائلُهْ
وإنَّ أحقَّ النَّاسِ أنْ يكثُرَ البكاعليهِ قتيلٌ ليسَ يُعرفُ قاتلُهْ
وأحسن مسلم بن الوليد في قوله:
عندي وعندكَ علمُ ما عنديمن ضُرِّ ما أُخفي وما أُبدي
لا أشتكي ما بي إليكَ ولوْنطقتْ بهِ العبراتُ في خدِّي
وجدي عليكَ أراهُ يُقنعُنيمن وصفِ ما ألقى منَ الوجدِ
فإذا اصطبرتُ علَى السكوتِ فلمْأنطقْ فممَّا بي منَ الوجدِ
وأحسن الَّذي يقول:
وإنِّي لأُغضي الطَّرفَ عنكِ تجمُّلاًوقلبي إلى أشياءَ عطشانُ جائعُ
فلا يسمعنْ سرِّي وسرَّكِ ثالثٌألا كلُّ سرٍّ جاوزَ اثنينِ شائعُ
وأحسن سوار بن المضرّب حيث يقول:
إنِّي سأسترُ ما ذو العقلِ ساترهُمن حاجةٍ وأُميتُ السرَّ كِتمانا
وحاجةٍ دونَ أخرى قد بدأتُ بهاجعلتُها للَّتي أخفيْتُ عُنوانا
إنِّي كأنِّي أرى مَنْ لا حياءَ لهُولا أمانةَ وسطَ النَّاسِ عُريانا
وقال كثير:
وقد زعمَتْ أنِّي تغيَّرتُ بعدهاومن ذا الَّذي يا عزُّ لا يتغيَّرُ
تغيَّرَ جسمي والخليقةُ كالذيعهدْتِ ولم يخبرْ بسرِّكِ مُخبرُ
وقال ذو الرحل لقمان بن توبة القشيري:
خليليَّ سيرا فاسألا أمَّ عاصمٍلنا عن بقيَّاتِ العهودِ القدائم
ألمْ تعلمي يا عمرَكِ اللهُ أنَّنيبذكركِ هدَّاءٌ علَى النَّأيِ هائم
وإنِّي علَى الهجرانِ يا أمَّ عاصمٍأدومُ علَى عهدِ الخليلِ المكارم
إذا السِّرُّ عندي من خليلٍ تضمَّنتْبه النَّفسُ لم يعلمْ به الدَّهرَ عالم
ترى بينَ أحناء الفؤادِ وضمِّهِإلى القلبِ أحناءَ الضُّلوعِ الكواتم
وقال الحسين بن الضحاك:
أيا منْ سروري به شقوةٌومن صفوُ عيشي بهِ أكدرُ
تجنَّيْتَ تطلبُ لمَّا مللْتَعليَّ الذُّنوبَ ولا تقدرُ
وماذا يضرُّكَ من شهرتيإذا كانَ سرُّكَ لا يُشهرُ
أمنِّي تخافُ انتشارَ الحديثِوحظِّيَ في سترهِ أوفرُ
ولو لم يكنْ فيَّ بُقيا عليكَنظرتُ لروحي كما تنظرُ
وقال بشار بن برد:
كتمْتُ عواذلي ما في فؤاديوقلتُ لهمْ لِيُتَّهمَ البعيدُ
ففاضَتْ عبرةٌ أشفقْتُ منهاتسيلُ كأنَّ وابلها الفريدُ
فقالتْ قدْ بكيتَ فقلتُ كلاَّوهلْ يبكي منَ الشَّوقِ الجليدُ
ولكنِّي أصابَ سوادَ عينيعُويدُ قذًى له طرَفٌ حديدُ
فقالوا ما لدمعتها سواءٌأكلْتَيْ مُقلتيكَ أصابَ عودُ
فقبلَ دموعِ عينكَ خبَّرتْنابما جمجمتَ زفرتُكَ الصَّعودُ
وقال آخر:
شيَّعتهمْ فاسترابوني فقلتُ لهمْإنِّي بُعثتُ معَ الأجمالِ أحدوها
قالوا فما نفسٌ يعلو كذا صعَداًأمْ ما لعينكَ ما ترقا مآقيها
قلتُ التَّنفُّسُ للآدابِ نحوكمُوماءُ عينيَ جارٍ من قذًى فيها
وأنشدتني ستيرة العصيبية:
ونادى بالتَّرحُّلِ بعضُ صحبيفرحتُ ومُقلتي غرقى بماها
فراحوا والشَّقيُّ له ديونٌوأشيا من حوائجَ ما قضاها
فأرخيْتُ العمامةَ دونَ صحبيعلَى عيني وقلتُ جرى قذاها
وما لي حاجةٌ إلاَّ ببكرٍوما ذنبي علَى أحدٍ سواها
فقالوا من ضِراري كيفَ بكرُوكيفَ تراكَ ترجو أن تراها
فقلتُ اللهُ حمَّ فراقَ بكرٍفأرجو أنْ يحمَّ لنا لِقاها
ولبعض أهل هذا العصر:
وكمْ ليلةٍ قد بتُّ أرقبُ صبحهاوأنجمها في الجوِّ ما تتزحزحُ
ويُمنايَ فوقَ القلبِ تُبردُ حرَّةٌويُسرايَ تحتَ الخدِّ والعينُ تسفحُ
فأصبحتُ مجهوداً عميداً منَ الهوَىوقد كادَ قلبي بالصَّبابةِ يطفحُ
وما علمَ الواشونَ فضلاً عنِ العِدىبسرٍّ وما مثلي بسرِّكَ بُفصحُ
فإنْ كانَ هذا القولُ عذراً قبلتهُوإن كانَ تعذيراً فمثلكَ يصفحُ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع