من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثامن والثلاثون: مَنْ حُجبَ عن الأثرِ تعلَّل بالذِّكرِ
قال القمقام الأسدي:
ألا ليتَ شِعري هلْ ترَى تذكرينَنيفذكركِ في الدُّنيا إليَّ حبيبُ
وهلْ لي نصيبٌ في فؤادكِ ثابتٌكما لكِ عندِي في الفؤادِ نصيبُ
رأيْنا نفوساً هيّماً طالَ حبسُهاعلَى غيرِ جرمٍ ما لهنَّ ذنوبُ
يحمنَ حيامَ الهيمِ لمْ تلقَ ساقياًأثابَ النُّفوسَ الحيّماتِ مُثيبُ
فلستُ بمتروكٍ فاشرَب شُربةًولا النَّفسُ عمَّا لا تنالُ تطيبُ
وقال حميد بن ثور:
فلا يبعدِ اللهُ الشَّبابَ وقولهاإذا ما صبوْنا صبوةً ستتوبُ
لياليَ سمعُ الغانياتِ وطرفُهاإليَّ وإذْ رِيحي لهنَّ جنوبُ
وأرضَى بقولِ النَّاسِ أنتَ مهوّنٌعلينا وإذْ غصنُ الشَّبابِ رطيبُ
وقال النابغة الجعدي:
تذكَّرتُ والذِّكرى تضرُّ بذي الهوَىومِنْ حاجةِ المحزونِ أنْ يتذكَّرا
ندامايَ عندَ المنذرِ بنِ محرِّقٍأرَى اليومَ منهمْ ظاهرَ الأرضِ مقفرَا
وقال متمم بن نويرة:
وكنَّا كندمانيْ جَذيمةَ حقبةًمنَ الدَّهرِ حتَّى قيلَ لنْ يتصدَّعا
فلمَّا تفرَّقنا كأنِّي ومالكاًلطولِ اجتماعٍ لمْ نقمْ ليلةً معَا
فإنْ تكنِ الأيَّامُ فرَّقنَ بينَنافقدْ بانَ محموداً أخي يومَ ودَّعا
وقال عدي بن زيد:
فإنْ أمسيتُ مكتئباً حزيناًكثيرَ الهمِّ يشهدُني الحذارُ
فقدْ بُدِّلتُ ذاكَ بنُعمِ بالٍوأيَّامٍ لياليها قصارُ
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر قال أنشدنا أبو تمام لنفسه:
ألا إنَّ صدرِي مِنْ غرامِي بلاقعٌعشيَّةَ شاقتْني الدِّيارُ البلاقعُ
لئنْ كانَ أمسَى شملُ وحشكَ جامعاًلقدْ كانَ لي شملٌ بأُنسكَ جامعُ
أُسيءُ علَى الدَّهرِ الثَّناءَ فقدْ قضَىعليَّ بجورٍ صرفهُ المتتابعُ
وقال حميد بن ثور:
قضَى اللهُ في بعضِ المكارهِ للفتَىرشاداً وفي بعضِ الهوَى ما يحاذرُ
شربْنا بثُعبانٍ منَ الطَّودِ بردَهاشفاءً لغمٍّ وهيَ داءٌ مخامرُ
لياليَ دُنيانا علينا رحيبةٌوإذْ عامرٌ في أوَّلِ الدَّهرِ عامرُ
وقدْ كنتُ في بعضِ الصَّبابةِ أتَّقيوأخشَى علينا أنْ تدورَ الدَّوائرُ
وأعلمُ أنِّي إنْ تغطَّيتُ مرَّةًمنَ الدَّهرِ مكشوفٌ غطائِي فناظرُ
وقال أيضاً:
خليليَّ إنْ دامَ همُّ النُّفوسِعليها ثلاثَ ليالٍ قتلْ
علَى أنَّ شيئاً سمعْنا بهِيسمَّى السُّرورُ مضَى ما فعلْ
وقال البحتري:
عيشٌ لنا بالأبرقَيْنِ تأبَّدتْأيَّامهُ وتجدَّدتْ ذكراهُ
والعيشُ ما فارقتهُ فذكرتهُلهفاً وليسَ العيشُ ما تنساهُ
وقال محمد بن عبيد الأزدي:
فلمَّا قضيْنا عصمةً مِنْ حديثِناوقدْ فاضَ مِنْ بعدِ الحديثِ المدامعُ
جرَى بينَنا منَّا رسيسٌ يزيدُناسقاماً إذا ما استيقنتهُ المسامعُ
كأنْ لمْ تجاورْنا أُميمُ ولمْ تقمْبفيضِ الحمَى إذْ أنتَ بالعيشِ قانعُ
فهلْ مثلَ أيَّامٍ تسلَّفنَ بالحمَىعوائدُ أوْ عيشُ السّتارَيْنِ واقعُ
وقال قيس بن ذريح:
فإنْ تكنِ الدُّنيا بليلَى تقلَّبتْعليَّ وللدُّنيا بطونٌ وأظهرُ
فقدْ كانَ فيها للأمانةِ موضعٌوللكفِّ مرتادٌ وللعينِ منظرُ
وللهائمِ الظَّمآنِ ريٌّ بريقِهاوللدَّنفِ المشتاقِ خمرٌ مسكِّرُ
قال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي فقلنا له فما الَّذي بقي بعد ما وصفت قال بقيت الموافقة.
وقال البحتري:
كانَ الوصالُ بُعيدَ هجرٍ منقضٍزمنَ اللِّوَى وقُبيلَ بينٍ آفدِ
ما كانَ إلاَّ لفتةً مِنْ ناظرٍعجلٍ بها أوْ نهلةً مِنْ واردِ
ولبعض أهل هذا العصر:
رعَى اللهُ دهراً فاتَ لمْ أقضِ حقَّهُوقدْ كنتُ طبّا بالأُمورِ مجرِّبا
لياليَ ما كانتْ رياحكَ شمألاًعليَّ ولا كانتْ بروقكَ خلَّبا
لياليَ وفَّيتُ الهوَى فوقَ حقِّهِوفاءً وظرفاً صادقاً وتأدُّبا
فلمْ أرَ ودّاً عادَ ذنباً وقدْ مضتْلهُ حقبٌ يشجَى بذكراهُ مَنْ صبَا
ولمْ أرَ سهماً هتَّكَ الدِّرعَ وانتهَىإلى القلبِ قِدماً ثمَّ قصَّر أوْ نبَا
ولا عذرَ للصَّمصامِ إنْ بلغَ الحشاوكَلَّ ولمْ يثلمْ لهُ العظمُ مضربَا
ولا لجوادٍ سابقَ الرِّيحَ سالماًوقامَ فأعيَا بلْ تقطَّرَ أوْ كبَا
فأنَّى بعذرٍ في اطِّراحِي وجفوتيونقضِ عهودٍ أُكِّدتْ زمنَ الصِّبا
إذا عوقبَ الجانِي علَى قدرِ جرمهِفتعنيفُهُ بعدَ العقابِ منَ الرِّبا
وقال ابن ميادة:
ألا يا لقومِي للهوَى والتَّذكُّرِوعينٍ قذَى إنسانها أُمُّ جحدرِ
فلمْ ترَ عيني مثلَ قلبيَ لمْ يطرْولا كضلوعِي فوقهُ لمْ تكسَّرِ
وقال الطرماح:
عرفتُ لسلمَى رسمَ دارٍ تخالُهاملاعبَ جِنٍّ أوْ كتاباً منمنمَا
وعهدِي بسلمَى والشَّبابُ كأنَّهُعسيبٌ نمَى في ريِّهِ فتقوَّما
يعضُّ سِواراها جلانَا لَوَ أنَّهاإذا بلغا الكفَّينِ أنْ يتقدَّما
وقال الحسن بن وهب:
الدَّمعُ مِنْ عينيْ أخيكَ غزيرُفي ليلهِ ونهارهِ محدورُ
ذكرٌ يجولُ بها الضَّميرُ كأنَّمايُذكَى بها تحتَ الفؤادِ سعيرُ
وقال علي بن محمد العلوي:
شآكَ الزَّمانُ بكرِّ الزَّمانِوأفناكَ مِنْ كرِّهِ كلُّ فانِ
إساءةُ دهركَ محفوفةٌبما لمْ يكنْ للصِّبى في ضمانِ
لياليَ لا يشبعُ النَّاظرانِ مَا قابلاكَ ولا يُروَيانِ
لياليَ لمْ يكتسِي العارضانِ شيباً ولمْ يقصصِ الشَّاربانِ
فإنْ يكُ هذا الزَّمانُ انقضىوبُدِّلتَ أخبارهُ بالعيانِ
فلا بالقِلى تتناسَى الصِّبىولا بالرِّضا رضيَ العاذلانِ
ونازلةٍ كنتُ مِنْ حدِّهاعلَى غزرٍ مثلَ حدِّ السِّنانِ
ومِنْ نكباتِ خطوبِ الزَّمانِأُلاحظُها بجنانِ الجبانِ
ألا هلْ سبيلٌ إلى نظرةٍبكُوفانَ يحيَى بها النَّاظرانِ
وهلْ أدنوَنْ مِنْ وجوهٍ نأتْوهنَّ منَ النَّفسِ دونَ الدَّواني
أُناسٌ همُ الأُنسُ دونَ الأنيسِوجنَّاتُ عيشكَ دونَ الجنانِ
وله أيضاً:
واهاً لأيَّامِ الشَّبابِ وما لبسنَ منَ الزَّخارفْ
وزوالهنَّ بمَا عرفْتُ منَ المناكرِ والمعارفْ
أيَّامَ ذكركَ في دواوينِ الصِّبى صدرَ الصَّحائفْ
وقفَ النَّعيمُ عنِ الصَّباوزَلَلْتُ عنْ تلكَ الموقفْ
وقال البحتري:
أرسومُ دارٍ أمْ سطورُ كتابِذهبتْ بشاشتُها معَ الأحقابِ
يجتازُ زائرُها بغيرِ لُبانةٍويُردُّ سائلُها بغيرِ جوابِ
ولربَّما كانَ الزَّمانُ محبَّباًفنبَا بمنْ فيها منَ الأحبابِ
أيَّامَ عُودُ الدَّهرِ أخضرُ والهوَىتربٌ لبيضِ ظِبائها الأترابِ
لوْ تُسعفينَ وما سألتُ مشقَّةًلعدلتِ حرَّ جوًى ببردِ رُضابِ
ولئنْ شكوتُ ظَمايَ إنَّكِ لَلَّتيقِدماً جعلتِ منَ السَّرابِ شرابِي
وعُتبتُ مِنْ حُبِّيكِ حتَّى إنَّنيأخشَى ملامكِ أنْ أبثَّكِ ما بي
وقال أيضاً:
سقَى اللهُ عهداً مِنْ أُناسٍ تصرَّمتْمودَّتهمْ إلاَّ التَّوهُّمُ والذِّكرُ
وفاءٌ منَ الأيَّامِ رجعُ حُدوجهمْكما أنَّ تشريدَ الزَّمانِ بهمْ غدرُ
هلِ العيشُ إلاَّ أنْ تُساعفنا النَّوىبوصلِ سعادٍ أوْ يساعدَنا الدَّهرُ
علَى أنَّها ما عندَها لمُواصلٍوصالٌ ولا عنها لمصطبرٍ صبرُ
إذا ما نهَى النَّاهي فلجَّ بيَ الهوَىأصاختْ إلى الواشي فلجَّ بها الهجرُ
ويومَ تثنَّتْ للوداعِ وسلَّمتْبعينينِ موصولٌ بلحظِهما السِّحرُ
توهَّمتُها ألوَى بأجفانها الكرَىكرَى النَّومِ أوْ مالتْ بأعظُمها الخمرُ
وقال المرار الفقعسي:
ألا ذكِّراني يا خليليَّ ما مضَىمنَ العيشِ إذْ لمْ يبقَ إلاَّ تذكُّري
وإذْ لاهتزازِ العيشِ بالرَّكبِ لذَّةٌوإذْ كلُّ شربٍ باردٍ لمْ يُكدَّرِ
وإذْ أنتَ لمْ تشعرْ بعينٍ سخينةٍبكتْ مِنْ فراقٍ لكنِ الآنَ فاشعرِ
وقال أبو صخر الهذلي:
وإنِّي لتعرُوني لذكراكِ رعشةٌكما انتفضَ العصفورُ بلَّلهُ القطرُ
عجبتُ لسعيِ الدَّهرِ بيني وبينَهافلمَّا انقضَى ما بينَنا سكنَ الدَّهرُ
أمَا والَّذي أبكَى وأضحكَ والَّذيأماتَ وأحيَى والَّذي أمرهُ الأمرُ
لقدْ تَرَكتْني أحسدُ الوحشَ أنْ أرَىأليفَيْنِ منها ما يروعُهما الذُّعرُ
هجرتكِ حتَّى قلتِ لا أعرفُ القِلَىوزرتكِ حتَّى قلتِ ليسَ لهُ صبرُ
فيا هجرَ ليلَى قدْ بلغتَ بيَ المدَىوزدتَ علَى ما لمْ يكنْ يبلغُ الهجرُ
وقال السري بن مغيث النوفلي:
ألا هلْ مُقيتي اللهُ في أنْ ذكرتُهاوهنَّ بأعلَى ذاتِ عرقٍ خواضعُ
سُحيراً وأصحابِي يلبُّونَ بعدَمابدَا وجهُ مشهورٍ منَ الصُّبحِ ساطعُ
تمضَوْا هدَاكمْ ربُّ موسى فإنَّنيمُنيخٌ فباكٍ بكيةً ثمَّ رافعُ
وبينَ الصَّفا والرُّكنِ نادمتُ صُحبتيبذكراكِ والعوَّادُ ساعٍ وراكعُ
وفي جوفِ بيتِ اللهِ جمجمتُ زفرةًعليها وظلَّتْ تستهلُّ المدامعُ
ومِنْ نفرٍ عندَ التَّنبُّهِ جئتهمْوكلُّهم مِنْ خشيةِ اللهِ خاشعُ
فقلتُ لهم هلْ تعلمونَ منَ الجوَىدواءً فقالُوا أنتَ في النَّارِ واقعُ
فقلتُ لهمْ هلْ تعلمونَ بما الَّذيأُرجِّي ولا ما اللهُ بالعبدِ صانعُ
أيجعلُني في النَّارِ ربِّي وحبُّهاعلَى كبدِي منهُ شؤونٌ صوادعُ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع