من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الحادي والثلاثون: في لوامعِ البروقِ أُنسٌ للمستوحشِ المشوقِ
حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال حدثنا عبد الله بن شيب قال حدثنا مروان بن أبي بكرة قال حدثني محمد بن إبراهيم الليثي قال حدثني محمد بن معن الغفاري قال اقتحمتِ السَّنة ودخل المدينة ناسٌ من الأعراب منهم صرَّة من كلاب وكانوا يدعون عامَهم ذلك الجُراف قال فأبرقوا ليلة في النَّجد وغدوت عليهم فإذا غلام منهم قد عاد جلداً وعظماً ضيعةً ومرضاً وضمانة حبٍّ وإذا هو قد رفع عقيرته بأبيات والهاً من الليل:
ألا يا سنا برقٍ علَى فلكِ الحمىليَهنكَ مِنْ برقٍ عليَّ كريمُ
لمعتَ اقتداءَ الطَّيرِ والقومُ هجَّعٌفهيَّجتَ أسقاماً وأنتَ سليمُ
فبتُّ بحدِّ المِرفقينِ أشيمهُكأنِّي لبرقٍ بالسَّتَارِ حميمُ
فهلْ مِنْ معيرٍ طرفَ عينٍ جليَّةٍفإنسانُ عينِ العامريِّ كليمُ
وفي قلبهِ البرقُ المُلالي رَميَّةٌبذكرِ الحمى وهنا تكادُ تهيمُ
قال فقلت له ففي دون ما بك يُفحم عن الشِّعر فقال صدقت ولكنَّ البرق أنطقني ثمَّ ما لبث يومه ذلك حتَّى مات.
وقال آخر:
أقولُ لبوَّابَيْنِ والسِّجنُ مغلقٌوطالَ عليَّ اللَّيلُ ما تَرَيانِ
فقالا نرَى برقاً يلوحُ وما الَّذييشوقكَ مِنْ برقٍ يلوحُ يَمانِ
فقلتُ افتحا لي البابَ أجلسْ إليكُمالعلِّي أرَى البرقَ الَّذي تَرَيانِ
فقالُوا أُمرنا بالوثاقِ وما لنابمعصيةِ السُّلطانِ فيكَ يَدانِ
ألا ليتَ شِعري وهو ممَّا يهمُّنيمتى أنا والصَّهَّالُ مُلتقيانِ
وأنشدني أحمد بن يحيى:
أكلَّما لمعتْ بالغورِ بارقةٌهفا إليها جَناحا قلبكَ الخفقُ
إنْ كنتَ مثَّلتَها مِنْ كلِّ رابعةٍللشَّمسِ والبدرِ أوْ للمنظرِ الأنقِ
لتُصبحنَّ قتيلاً طُلَّ مصرعهُمِنْ طعنةٍ في الحشا مكتومةِ العلقِ
وقال الأحوص:
أصاحِ ألمْ تحزنكَ ريحٌ مريضةٌوبرقٌ تلالا بالعقيقينِ لامعُ
فإنَّ غريبَ الدَّارِ ممَّ يشوقهُنسيمُ الرِّياحِ والبروقُ اللَّوامعُ
ومنْ دونِ ما أسمُو بطرفي لأرضهمْمفاوزُ مُغبرٌّ منَ التِّيهِ واسعُ
فأبدتْ كثيراً نظرَتي منْ صبابتيوأكثرُ منهُ ما تجنُّ الأضالعُ
أهمُّ لأنسَى ذكرَها ويشوقُنيرفاقٌ إلى أهلِ الحجازِ نوازعُ
وقالت رامة بنت الشماخ:
أُلامُ علَى نجدٍ ومنْ تكُ دارهُبنجدٍ يُهجهُ الشَّوقُ شيءٌ يرايعهْ
تُهجهُ جنوبٌ حينَ تبدُو بنشرهايمانيةٌ والبرقُ إذْ لاحَ لامعهْ
وقالت امرأة من طي:
إذا ما صَبيرُ المزنُ أومضَ برقهُببغدادَ لم تبلجْ بعيني بوارقهْ
ولكنْ متى ما تبدُ منهُ مخيلةٌبنجدٍ فذاكَ البرقُ لا بدَّ شائقهْ
وقالت الخنساء:
أمبتدرٌ قلبي إن العينُ آنستْسنا بارقٍ بالنجدِ غير تهامي
فليت سماكياً يطيرُ ربابهُيقادُ إلى أهلِ الغضا بزمامِ
فيشربَ منهُ جَحْوشٌ ويشيمهُبعينيْ قطاميٍّ أغرَّ شآمي
فأُقسمُ أنِّي قد وجدتُ لجَحْوشٍإذا جاءَ والمستأذنونَ نيامُ
فإنْ كنتَ من أهلِ الحجازِ فلا تلحْوإنْ كنتَ نجديّاً فلحْ بسلامِ
فأهلُ الحجازِ معشرٌ ما أُحبُّهمْوأهلُ الغضا قومٌ عليَّ كرامُ
وقال عبد الرحمن بن دارة:
نظرتُ ودورٌ من نصيبينَ دونَناكأنَّ غريباتِ العيونِ بها رُمدُ
لكيما أرى البرقَ الَّذي أومضتْ بهِذُرى المزنِ علويّاً وكيفَ لنا يبدُو
وإنِّي ونجداً كالقريبينِ قَطَّعاقوًى من جبالٍ لم يشدُّ لها عقدُ
وقال أبو القمقام الأسدي:
خليليَّ طالَ اللَّيلُ واشتغلَ القذَىبعينيَّ واستأنستُ برقاً يمانيا
خليليَّ إلا تبكيا لأخيكما.. ما بي أقل..
وقال آخر:
أرقتُ وهاجَني البرقُ البعيدُأريدُ لكي يعودَ فلا يعودُ
أُريدُ لكي أزورَ بلادَ ليلَىفأمَّا غيرُ ذاكَ فلا أُريدُ
عليَّ أليَّةٌ إنْ كنتُ أدريأينقصُ حبُّ ليلَى أم يزيدُ
ولبعض أهل هذا العصر:
أرقتُ لبرقٍ من تهامةَ خافقٍكأنَّ سنَا إيماضهِ قلبُ عاشقِ
يلوحُ فأزدادُ اشتياقاً وما أرَىيشوِّقني لولاكَ من ضوءِ بارقِ
متى تدنُو لا يملكْ ليَ الشَّوقُ لوعةًوإنْ تنأى عنِّي فالتَّوهُّم شائقي
فرأيكَ في عبدٍ إليكَ مفرُّهُلتنعشَهُ بالوصلِ قبلَ العوائقِ
وأنشدني أبو طاهر الدمشقي:
أعنِّي علَى بارقٍ ناصبخفيٍّ كلمحكَ بالحاجبِ
كأنَّ تألُّقهُ في السَّماءِيدَا كاتبٍ أوْ يدا حاسبِ
وقال علي بن محمد العلوي:
شجاكَ الوميضُ ولذعُ المضيضِبنارِ الهوَى وببرقٍ يماني
كأنَّ تألّقهُ في السَّماءِرجعُ حسابٍ خفيفِ البنانِ
كأنِّيَ لم أدرِ أنَّ الرَّدىلهتكِ ستورِ الضَّنى قد رآني
أخلايَّ أُحفيكمُ طائعاًوأنتمُ مُنى النَّفسِ دونَ الأماني
ولكنْ يدُ الدَّهرِ رهنٌ بماسيُرمَى بأسهمهِ الفرقدانِ
عسَى الدَّهرُ أنْ يثنِ لي عطفهُبعطفِ الهوَى وبعيشٍ لِيانِ
وقال البحتري:
خيالٌ ملمٌّ أو حبيبٌ مسلّمُوبرقٌ تجلَّى أوْ حريقٌ مضرِّمُ
تقيَّضَ لي من حيثُ لا أعلمُ النَّوىويسري إليَّ الشَّوقُ من حيثُ أعلمُ
وقال النابغة:
أرقتُ وأصحابي هجوعٌ بربوةٍلبرقٍ تلالا في تهامةَ لامعُ
فأبدَى هموماً مِنْ همومٍ أجلُّهاوأكثرُ منها ما تجنُّ الأضالعُ
وقال آخر:
أرقتُ لبرقٍ آخرَ اللَّيلِ يلمعُسرَى دائباً فيما نهبُّ ونهجعُ
سرَى كاحتساءِ الطَّيرِ واللَّيلُ ضاربٌبأرواقهِ والصُّبحُ قدْ كادَ يسطعُ
وقال آخر:
بدَا البرقُ مِنْ نحوِ الحجزِ فشاقَنيوكلُّ حجازيٍّ لهُ البرقُ شائقُ
سرَى مثلَ نبضِ العرقِ واللَّيلُ دونهُوأعلامُ نجدٍ كلُّها والأسالقُ
وقال دعبل:
ما زلتُ أكلأُ برقاً في جوانبهِكطرفةِ العينِ تخبُو ثمَّ تختطفُ
برقٌ تجاسرَ مِنْ خفَّانَ لامعهُيقضي الصَّبابةَ مِنْ قلبي وينصرفُ
وقال آخر:
شبَّهتُ في أُخرياتِ اللَّيلِ مِنْ رجبٍبرقاً أتتْنا بهِ الجوزاءُ شؤْبوبا
صنجاً بصنائعهِ الأوتارُ قدْ نُصبتْبينَ السَّماءِ وبينَ الأرضِ مضروبا
وقال آخر:
أضاءَ البرقُ ليلةَ أذرعاتٍهوًى لا يستطيعُ لهُ طِلابا
هوًى بتهامةٍ وهوًى بنجدٍفأيُّ هواكَ تتركُ حينَ آبا
وقال كثيّر:
أهاجكَ برقٌ آخرَ اللَّيلِ واصبُتضمَّنهُ فرشُ الحيا فالمساربُ
تألَّقَ واحْمَوْمَى وخيَّمَ في الرُّبَىأحمُّ الذُّرى ذو هيدبٍ متراكبُ
إذا حرَّكتهُ الرِّيحُ أرزمَ جانبٌبلا هرَقٍ منهُ وأومضَ جانبُ
كما أومضتْ بالعينِ ثمَّ تبسَّمتْجريعٌ بدا منها جبينٌ وحاجبُ
يصحُّ النَّدى لا يذكرُ السَّيرَ أهلهُولا يرجعُ الماشي بهِ وهوَ جادبُ
وقال آخر:
وأرتاحُ للبرقِ اليمانِي كأنَّنيلهُ حينَ يجري في السَّماءِ نسيبُ
ولي كبدٌ حرَّى بما قدْ تضمَّنتْعليهِ وعينٌ بالدُّموعِ سكوبُ
أُصعِّدُ أنفاساً حنيناً ولوعةًكما حنَّ مقصورُ اليديْنِ قضيبُ
وقال أبو هلال الأسدي:
أشاقتكَ البوارقُ والجنوبُومِنْ عالي الرِّياحِ لها هبوبُ
أتتكَ بنفحةٍ مِنْ ريحِ نجدٍتضوَّعُ والعرارُ بها مشوبُ
وشمتُ البارقاتِ فقلتُ جادتْحيالَ القاعِ أوْ مُطِرَ القلوبُ
وقال محمد بن عبد الله الفقعسي:
أقولُ لقمقامِ بنِ زيدٍ أما ترَىسنا البرقِ يبدُو للعيونِ النَّواظرِ
فإنْ تبكِي للبرقِ الَّذي هيَّجَ الهوَىأُعنكَ وإن تصبرْ فلستُ بصابرِ
سقَى اللهُ حيّاً بينَ صارَةَ والحمىحِمى فَيْدَ صوبَ العاجناتِ المواطرِ
أمينٌ واد اللهِ مَنْ كانَ منهمُإليهمْ ووقَّاهُ حِمامَ المقادرِ
وقال بعض العامريين:
عدمتُ جداراً يمنعُ البرقَ أنْ يُرَىمعَ اللَّيلِ علويّاً تطيرُ شقائقهْ
وسقياً لذاكَ البرقِ لو أستطيعهُولكنْ عدِمنا نيَّةً ما توافقهْ
وقال آخر:
أعنِّي علَى برقٍ أُريكَ وميضهُتضيءُ دجنَّاتِ الظَّلامِ لوامعهْ
إذا اكتحلتْ عينا محبٍّ بضوئهِتجافتْ بهِ حتَّى الصَّباحِ مضاجعهْ
فباتَ وِسادي ساعدٌ قلَّ لحمهُعنِ العظمِ حتَّى كادَ تبدُو أشاجعهْ
وقال آخر:
نفى النَّومَ عنِّي فالفؤادُ كئيبُنوائبُ همٍّ ما تزالُ تنوبُ
وما جزعاً مِنْ خشيةِ الموتِ أخضلتْدموعِي ولكنَّ الغريبَ غريبُ
وإنِّي لأرعَى النَّجمَ حتَّى كأنَّنيعلَى كلِّ نجمٍ في السَّماءِ رقيبُ
ولبعض أهل هذا العصر:
أراعكَ برقٌ في دجى اللَّيلِ لامعُأجلْ كلُّ ما يلقاهُ ذو الشَّوقِ رائعُ
أألآنَ تخشَى البرقَ والإلفُ حاضرٌفكيفَ إذا ما لاحَ والإلفُ شاسعُ
وهاجتْ رياحٌ زدْنَ ذا الشَّوقِ صبوةًوباكرتِ الأيكُ الحمامُ السَّواجعُ
وعاشرتَ أقواماً فلمْ تلقَ فيهمِخليلكَ فاستعصتْ عليكَ المدامعُ
وأصبحتَ لا تروِي منَ الشِّعرِ إذْ نأَىهواكَ وباتَ الشِّعرُ للنَّاسِ واسعُ
سِوَى قولِ غيلانَ بنِ عقبةَ نادماًهلِ الأزمنُ اللاَّتي مضينَ رواجعُ
هناكَ تمنَّى أنَّ عينيكَ لم تكنْوأنَّكَ لم ترحلْ وإلفكَ رابعُ
فكلُّ الَّذي تلقَى يسوؤكَ إنْ دنَاودلُّ الَّذي تلقَى إذا بانَ فاجعُ
فيا ويكَ لا تسرع إلى البينِ إنَّههوَ الموتُ فاحْذرْ غِبَّ ما أنتَ صانعُ
وله أيضاً:
أمنْ أجلِ سارٍ في دجى اللَّيلِ لامعِجفوتُ حذارَ البينِ لِينَ المضاجعِ
علامَ تخافُ البينَ والبينُ راحةٌإذا كانَ قربُ الدَّارِ ليسَ بنافعِ
إذا لم تزلْ ممَّنْ تحبُّ مروَّعاًبغدرٍ فإنَّ الهجرَ ليسَ برائعِ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع