من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثلاثون: من مُنع من البراح تشوَّق بالرِّياح
كلُّ متشوَّقٍ من العشَّاق بنسيم ريحٍ أوْ لمعان برقٍ أوْ سجع حمامٍ فهو ناقصٌ عن حال التَّمام من جهتين إحداهما قلَّة صبره على فقد صاحبه حتَّى يحتاج أن يرى ما يشوقه بذكره والأخرى أنَّ من كانت هذه صفته فإنَّ الصَّبابة لم تتمالك على قلبه فتشغله عن أن يتشوَّق بشيءٍ يلمُّ به غير أنَّ الشَّوق بما ذكرناه إنَّما يقصِّر بأهله عن درجة الكمال وليس بمدخلٍ لهم في جملة الموصوفين بالنَّقص والإخلال ومن مختار ما قيل في الشَّوق بالرِّياح.
قول ذي الرمة:
إذا هبَّتِ الأرياحُ من نحوِ جانبٍبهِ أهلُ ميٍّ هاجَ شوقي هبوبُها
هوًى تذرفُ العينانِ منهُ وإنَّماهوى كلِّ نفسٍ حيثُ حلَّ حبيبُها
وقال آخر:
وقدْ عاودتْنا الرِّيحُ منها بنفحةٍعلَى كبدٍ من طيبِ أرواحها بردُ
عِديني بنفسي أنتِ وعداً فربَّماجلا كربةَ المكروبِ عن قلبه الوعْدُ
فقدْ بتُّ لا قومٌ ولا كبليَّتيولا مثلُ وجدي في الشِّفا بكمُ وجدُ
وقال مجنون بني عامر:
أيا جبليْ نعمانَ باللهِ خلِّياطريقَ الصَّبا يخلصْ إليَّ نسيمُها
أجدْ بردَها أوْ تشفِ منِّي حرارةًعلَى كبدٍ لمْ يبقَ إلاَّ صميمُها
فإنَّ الصَّبا ريحٌ إذا ما تنسَّمتْعلَى نفسِ مغمومٍ تجلَّتْ غيومُها
وقال ابن الدمينة:
وقدْ جعلتْ ريَّا الجنوبِ إذا جرتْعلَى ضعفِها تبدَا لنا وتطيبُ
جنوبٌ بريَّا مِنْ أُميمةَ تغتدِيحجازيَّةً عُلويةً وتؤوبُ
وقالت وجيهة بنت أوس الضبية:
فلو أنَّ ريحاً بلَّغتْ وحْيَ مُرسلحفِيِّ لناجيتُ الجنوبَ علَى النَّقبِ
فقلتُ لها أدِّي إليهمْ تحيَّتيولا تخلطيها طالَ سعدكِ بالتُّربِ
فإنِّي إذا هبَّتْ شمالٌ سألتُهاهلِ ازدادَ صدَّاحُ النُّميرةِ مِنْ قربِ
وقال يزيد بن الطثرية:
إذا ما الرِّيحُ نحوَ الأثلِ هبَّتْوجدتُ الرِّيحَ طيِّبةً جنوبا
فماذا يمنعُ الأرواحَ تسرِيبريَّا أُمِّ عمرو أنْ تطيبا
أليستْ أُعطيتْ في حسنِ خلقٍكما شاءتْ وجُنِّبتِ العيوبا
وقال آخر:
خليليَّ مِنْ سكانَ مُرَّانَ هاجَنيسكونُ الجنوبِ مرَّةً وابتسامُها
فإنْ تسأَلاني ما دوائِي فإنَّنيبمنزلةٍ أعيَى الطَّبيبَ سقامُها
وقال صخر الحرمازي:
لعمركَ ما ميعادُ عينيكَ بالبُكابداراءَ إلاَّ أنْ تهبَّ جنوبُ
أُعاشرُ في داراءَ مَنْ لا أُحبُّهُوبالرَّملِ مهجورٌ إليَّ حبيبُ
وقال آخر:
عليكِ سلامُ اللهِ أمَّا قلوبُنافمرضَى وأمَّا ودُّنا فصحيحُ
وإنِّي لأستسقِي بكلِّ سحابةٍتمرُّ بها منْ نحوِ أرضكِ ريحُ
قال آخر:
هوَى صاحِبي ريحُ الشَّمالِ إذا جرتْوأهوَى لنفسي أنْ تهبَّ جنوبُ
وما ذاكَ إلاَّ أنَّها حينَ تنتهيتناهَى وفيها مِنْ أُميمةَ طيبُ
فويلِي منَ العذَّالِ ما يترُكوننيبغمِّي أمَا في العاذلينَ لبيبُ
يقولُونَ لو عزَّيتَ قلبكَ لارْعَوىفقلتُ وهلْ للعاشقينَ قلوبُ
وقال مهدي بن الملوح:
إذا الرِّيحُ مِنْ نحوِ الحبيبِ تنسَّمتْوجدتُ لريَّاها علَى كبدِي بردَا
علَى كبدٍ قدْ كادَ يُبدي بها الجوىصدوعاً وبعضُ القومِ يحسبُني جلدا
وقال آخر:
تمرُّ الصَّبا بساكنِ ذي الغضافيصدعُ قلبي أنْ يهبَّ هبوبُها
قريبةُ عهدٍ بالحبيبِ وإنَّماهوَى كلِّ نفسٍ حيثُ كانَ حبيبُها
وقال الجويرية:
يصحِّحُ أوصابي علَى النَّأيِ والهوَىمُهيجُ الصَّبا مِنْ نحوِها حينَ تنفحُ
وما اعترضتْ للرَّكبِ أدماءُ حرّةٌمنَ العينِ إلاَّ ظلَّتِ العينُ تسفحُ
وعاتبةٍ عندِي لها قلتُ أقْصريفغيركِ خيرٌ منكِ قولاً وأنصحُ
وقال الورد بن الورد العجلي:
أمُغترباً أصبحتَ في دارِ مهرةٍألا كلُّ نجديٍّ هناكَ غريبُ
إذا هبَّ عُلويُّ الرِّياحِ وجدتَنيكأنِّي لعُلويِّ الرِّياحِ نسيبُ
ألا حبَّذا الإصعادُ لو تستطيعهُولكنْ أجلْ لا ما أقامَ عسيبُ
فإنْ مرَّ ركبٌ مُصعدونَ فقلبهُمعَ المُصعدينَ الرَّائحينَ جنيبُ
سلِ الرِّيحَ إنْ هبَّتْ جنوباً ضعيفةًمتى عهدُها بالدَّيرِ زِير حبيبُ
متى عهدُها بالمُوقلاتِ وحبَّذاشواكلُ ذاكَ العيشِ حينَ يطيبُ
ولا خيرَ في الدُّنيا إذا أنتَ لمْ تزرْحبيباً ولمْ يطربْ إليكَ حبيبُ
وقال آخر:
ألا ليتَ شِعري هلْ يعودَنَّ ما مضَىلياليَ عيشُ الأصفياءِ رطيبُ
وهلْ عائدٌ قبلَ المماتِ فراجعٌعلَى عهدهِ دهرٌ إليَّ حبيبُ
وإنِّي لتُحْييني الصَّبا وتُميتُنيإذا ما جرتْ بعدَ الشَّمالِ جنوبُ
وتبردُ نفسي بلْ تعيشُ حشاشَتيشمالٌ بها بعدَ الهدوِّ هبوبُ
وأرتاحُ للبرقِ اليمانِي كأنَّنيلهُ حينَ يجري في السَّماءِ نسيبُ
وقال ابن الدمينة:
ألا لا أُحبُّ السَّيرَ إلاَّ مُصعِّداًولا الرِّيحَ إلاَّ أنْ تهبَّ جنوبُ
إذا هبَّ عُلويُّ الرِّياحِ وجدتَنيكأنِّي لعُلويِّ الرِّياحِ نسيبُ
وقال آخر:
إذا هبَّتِ الأرواحُ مِنْ نحوِ أرضهمْوجدتُ لريَّاها إذا ما جرتْ بردَا
ومَنْ يلبسِ الدُّنيا ونُعمى ويختلفْعليهِ جَديداها يُجِدَّا لهُ فقدا
وقال ابن الدمينة:
فيا حسراتِ النَّفسِ مِنْ غربةِ النَّوىإذا قسمتْها نيَّةٌ وشعوبُ
ومِنْ خطراتٍ تعتَريني وزفرةٍلها بينَ جلدي والعظامِ دبيبُ
وقدْ جعلتْ ريَّا الجنوبِ إذا جرتْعلَى طيبِها تبدَا لنا وتطيبُ
جنوبٌ بريَّا مِنْ أُميمةَ تغتديحجازيَّةً علويَّةً وتؤوبُ
وقال هدبة بن خشرم:
ألا ليتَ الرِّياحَ مسخَّراتٌلِحاجتنا تراوحُ أوْ تؤُبُ
فتُبلغنا الشَّمالُ إذا أتتْناوتُبلغَ أهلَنا عنَّا الجنوبُ
ولبعض أهل هذا العصر في هذا المعنى:
مباشرةُ النَّسيمِ لشخصِ إلفيأشدُّ عليَّ مِنْ فقدِ الحبيبِ
نأَى عنِّي الحبيبُ فصارَ قلبييغارُ علَى الصَّبا وعلَى الجنوبِ
ولوْ يسطيعُ ما درجتْ دَبورٌإذنْ ونهَى الشَّمالُ عنِ الجنوبِ
خليلِي مِنْ نواكَ أخذتُ حظِّيفهلْ لي في نوالكَ مِنْ نصيبِ
نُفيتُ منَ الهوَى إنْ كانَ قلبيدعَى ودّاً كودِّكَ في المغيبِ
وقال حميد بن ثور:
يهشُّ لنجديِّ الرِّياحِ كأنَّهُأخُو كربةٍ داني الإسارِ طليقُ
فيا طيبَ ريَّاها وبردَ نسيمِهاإذا حانَ مِنْ حامي النَّهارِ طروقُ
وقال جرير:
يا حبَّذا جبلُ الرَّيانِ مِنْ جبلٍوحبَّذا ساكنُ الرَّيانِ مَنْ كانا
وحبَّذا نفحاتٌ منْ يمانيَةٍتأتيكَ منْ قبلِ الرَّيانِ أحيانا
وقال آخر:
إذا هبَّ علويُّ الرِّياحِ وجدتَنييهشُّ لعلويِّ الرِّياحِ فؤاديا
فإنْ هبَّتِ الرِّيحُ الصَّبا هيَّجتْ لنادواعيَ حزنٍ لم يجدنَ مُداويا
وما هبَّتِ الرِّيحُ الصَّحيحةُ موهناًمنَ اللَّيلِ إلاَّ بتُّ للرِّيحِ ضاويا
وإلاَّ علتْني عبرةٌ ثمَّ زفرةٌوإلاَّ تداعى القلبُ منِّي تداعيا
وقالت امرأة من مرة:
ألا خَليا بردَ الجنوبِ فإنَّهُيُداوي فؤادي مِنْ هواهُ نسيمُها
وكيفَ تُداوي الرِّيحُ شوقاً مماطلاًوعيناً طويلاً للدُّموعِ سجومُها
وقال آخر:
حسبتُ الغضا يشفي هُيامِي فلم أجدْشميمَ الغضا يشفي هُيامَ فؤاديا
بلَى لو أتتْنا الرِّيحُ تُدلجُ موهناًبريحِ الخزامى كانَ أشفى لِما بِيا
وقال الوقاف وهو الورد بن الورد الجعدي:
إذا تركتْ وحشيَّةٌ نجدَ لم يكنْلعينيكَ ممَّا يشكوانِ طبيبُ
إذا راحَ ركبٌ مُصعدونَ فقلبهُمعَ المصعدينَ الرَّائحينَ جنيبُ
وكانتْ رياحُ الشَّامِ تُبغضُ مرَّةًفقدْ جعلتْ تلكَ الرِّياحُ تطيبُ
وقد كانَ علويُّ الرِّياحِ أحبَّهاإلينا فقدْ دارتْ هناكَ جنوبُ
وقال آخر:
ألا حبَّذا يومٌ تهبُّ به الصَّبالنا وعشيَّاتٌ تدانتْ غيومُها
بنُعمانَ إذْ أهلي بنُعمانَ جيرةٌلياليَ إذْ يرضَى بدارٍ مقيمُها
وقال كلاب بن عقبة:
بأهلي ونفسي مَنْ تجنَّبتُ دارهُومَنْ لا أرَى لي مِنْ زيارتهِ بدَّا
ومَنْ ردَّني إذْ جئتُ زائرَ بيتهِولو زارَ بيتي ما أُهينَ ولا رُدَّا
ومَنْ لا تهبُّ الرِّيحُ مِنْ شقِّ أرضهِفتبلغَني إلاَّ وجدتُ لها بردا
وقال آخر:
ما هبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تلقاءِ أرضكمُإلاَّ وجدتُ لها برداً علَى كبدي
ولا تنسَّمتْ أُخرى أستفيقُ لهاإلاَّ وجدتُ خيالاً منكَ بالرَّصدِ
وقال ابن الدمينة:
يمانيَةٌ هبَّتْ بليلٍ فأرَّقتْحشاشةَ نفسٍ قد تعنَّى طبيبُها
أبِيني إذا استخبرتِ هل تحفظُ الهوَىأُميمةُ أم هلْ عادَ بعدِي رقيبُها
وقال الورد بن الورد العبسي:
ألا ليتَ أنَّ الرِّيحَ في ذاتِ بينِنارسولٌ فتطوي بينَنا بلداً قفْرا
فتخبرَها ماذا لقينا منَ الهوَىوتُخبرنا عنها علانيَةً جهرا
وقال آخر:
ألا يا جبالَ الغورِ خلِّينَ بينَناوبينَ الصَّبا يخرجُ علينا سَنينُها
فقدْ طالَ ما حالت ذُراكنَّ بينَناوبينَ ذُرى نجدٍ فما نسْتَبينُها
وقال طريح بن إسماعيل:
هلِ الرِّيحُ مِنْ صبٍّ مقيمٍ مريحةٌعلَى الظَّاعنِ النَّائي سلامَ المسلمِ
وكيفَ تناسى مَنْ تجدِّدُ ذكرَهُنسيمُ الرِّياحِ للصَّبا المتنسَّمِ
وقالت العيوق بنت مسعود:
إذا هبَّتِ الأرواحُ زادتْ صبابةًعليَّ وبرحاً في فؤادي هبوبُها
ألا ليتَ أنَّ الرِّيحَ ما حلَّ أهلُنابصحراءِ نجدٍ لا تهبُّ جنوبُها
وآلتْ يميناً لا تهبُّ شمالُهاولا نكباً إلاَّ صَباً نستطيبُها
وقال آخر:
ألا حبَّذا ريحُ الأُلا إذا جرتْبريَّاهُ هبَّاتُ الرِّياحِ الجنائبُ
وإنِّي لمعذورٌ إلى الشَّوقِ كلَّمابدَا لي مِنْ نخلِ الصَّباحِ النَّصائبُ
وقال آخر:
هلِ الرِّيحُ أوْ برقُ اليمامةِ مخبرٌضمائرَ حاجٍ لا أُطيقُ لها ذكرا
سُليمى سقَاها اللهُ حيثُ تصرَّفتْبها غُرباتُ الدَّارِ عن دارِنا القطرا
إذا درجتْ ريحُ الصَّبا وتنسَّمتْتعرَّفتُ مِنْ نجدٍ وساكنهِ نشرا
تقرَّفَ قرحُ القلبِ بعدْ انْدِمالهِفهيَّجَ دمعاً لا جموداً ولا نذرا
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع