من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثالث والعشرون: مَنْ غلبهُ هواهُ علَى الصَّبر
مَنْ غلبهُ هواهُ علَى الصَّبر صبرَ لمنْ يهواهُ علَى الغدرِ
هذه الحال ليست جارية على الترتيب فيقع لصاحبها عذر أو تأنيب لأنها حال قد تجاوزت حدَّ العشق برضى المحب بكل فعل المحبوب وهو صاح عنها فأوقع له اختياره الرضى بها والمحبة معها ثمَّ تبعتها أشياء من غير جنسها إلاَّ أنَّها ليست هتكاً لحجاب المودة فاجتمعت معها وهذه حال وقعت بالمحبوب بعد أن وقع الرضى من محبة بخلافها ثمَّ وقع السخط منه بحدوثها والتباعد من صاحبها ثمَّ عرضت الحيرة الَّتي لا تمييز معها فردَّته بالصُّغر إلى ما لا يرضاه وصيَّرته على ما كان قبل وقوعه يخشاه وبين الرضى الاختياري وبين الرضى الاضطراري بَوْنٌ بعيد.
قال ذو الرمة:
أجِدَّكَ قد ودَّعتَ ميَّةَ إذْ نأتْفولَّى بقايا الحبِّ إلاَّ أمينُها
وإنِّي لطاوٍ سرَّها موضعَ الحشاكُمونَ الثَّرى في عهدةٍ يستبينُها
لئنْ زُوِّجتْ ميٌّ خُنيساً لطالَ مابغَى منذرٍ ميّاً خليلاً يهينُها
تزينُكَ إنْ جرَّدتها من ثيابِهاوأنتَ إذا جرِّدتَ يوماً تشينُها
ولمَّا أتاني أنَّ ميّاً تزوَّجتْخُنيساً بكى سهلُ المِعَى وحزونُها
فيا نفسُ ذلِّي بعدَ ميٍّ وسامحِيفقدْ سامحتْ ميٌّ وذلَّ قرينُها
وقال عمر بن نجا:
أتَى البخلُ دونَ الجودِ مِنْ أُمِّ واصلٍوضنَّ علينا بالعطاءِ ضنينُها
فللهِ درِّي يومَ مالتْ مودَّتيإليها ولم ترجعْ إليَّ يمينُها
وما خُنتها إنَّ الخيانةَ كاسمِهاولا نصحتْ نفسي لنفسٍ تخونُها
مددتِ حبالاً منكِ حتَّى تقطَّعتْإليَّ وما خانَ الحبالَ متينُها
فكيفَ أشعتِ السِّرَّ أُمَّ واصلٍوما أخلصَ الأسرارَ إلاَّ أمينُها
وقال آخر:
أكرُّ إلى ليلَى وأحسبُ أنَّنيكريمٌ علَى ليلَى وغيري كريمُها
فأصبحتُ قد أجمعتُ هجراً لبيتِهاوفي العينِ مِنْ ليلَى قذًى ما يريمُها
لئنْ آثرتْ بالودِّ أهلَ بلادِهاعلَى نازحٍ مِنْ أرضِها لا يريمُها
وما يستوِي مَنْ لا يرَى غيرَ لمَّةٍومَنْ هوَ عندَها لا يريمُها
وقال بعض الأعراب:
شكوتُ إلى رفيقيَّ الَّذي بيفجاءانِي وقد جمعَا دواءَ
وجاءا بالطَّبيبِ ليكوِيانيوما أبغِي عدِمتُهُما اكتواءَ
فلو ذهبا إلى ليلَى فشاءتْلأهدتْ لِي منَ السَّقمِ الشِّفاءَ
تقولُ نعمْ سأقضِي ثمَّ تلوِيولا تنوِي وإنْ قدرتْ قضاءَ
أصارمةٌ حبالَ الوصلِ ليلَىلأخضعَ يدَّعي دونِي ولاءَ
ومؤثرةُ الرِّجالِ عليَّ ليلَىولم أُؤثرْ علَى ليلَى النِّساءَ
ولو كانتْ تسوسُ البحرَ ليلَىصدرْنا عن شرائعهِ ظماءَ
فمرَّا صاحبيَّ بدارِ ليلَىجُعلتُ لها وإنْ بخلتْ فداءَ
أريتُكَ إنْ منعتَ كلامَ ليلَىأتمنعُني علَى ليلَى البكاءَ
ولبعض أهل هذا العصر:
وتزعم للواشين أني فاسدٌعليك وأني لستُ مما عهدتني
وما فسدت لي يشهدُ اللهُ نيةٌولكنما استفسدتني فأتهمتني
غدرتَ بعهدي عامداً وأخفتنيفخفت ولو آمنتني لأتمنتني
إلى الله أشكو لا إليك فطالماشكوت الذي ألقى إليك فزدتني
وله أيضاً:
أُفوِّضُ أسبابي إلى اللهِ كلَّهاوأقنعُ بالمقدورِ فيها وأرتَضي
واسمحُ بالتَّفويضِ حتَّى إذا انتهَىضميري إلى ما بينَنا لم أُفوِّضِ
وباللهِ لو خيِّرتُ بينكَ غادراًوبينَ كِلا المُلكينِ تخييرَ مُقتضِ
رضيتُكَ حظّاً منهما غيرَ أنَّنيبهذا الَّذي ترضاهُ لي غيرُ مرتضِ
وله أيضاً:
أبتْ غلَباتُ الشَّوقِ إلاَّ تقرُّباإليكَ ونأيُ العذلِ إلاَّ تجنُّبا
عليَّ رقيبٌ منكَ خالٍ بمهجَتيإذا أنا سهَّلتُ اطِّراحكَ صعَّبا
فها أنذا وقفٌ عليكَ مجرَّبٌإذا ما نبَا بي مركبٌ رمتُ مركبَا
وما كانَ صدِّي عنكَ صدَّ ملالةٍولا كانَ إقبالي عليكَ تطرُّبا
ولا كانَ ذاكَ العذلُ إلاَّ نصيحةًولا ذلكَ الإغضاءُ إلاَّ تهيُّبا
ولا الهجرُ إلاَّ فرطُ منٍّ ولا الرِّضىبلا سببٍ إلاَّ اشتياقاً معذَّبا
ومَنْ يُمنعِ العذب الزُّلال ويمتنعْمنَ الشُّربِ مِنْ سؤرِ الكلابِ تغضُّبا
خليقٌ إذا لمْ يستطعْ شربَ غيرهِوخافَ المنايا أنْ يذلَّ فيشربا
إذا المرءُ لمْ يُقدرْ لهُ ما يريدُهُأرادَ الَّذي يُقضى لهُ شاءَ أمْ أبى
وأنشد أعرابي ببلاد نجد:
فيا عجبَا مِنْ صونيَ الودَّ في الحشالمنْ هوَ فيما قد بدَا لي واترُ
ومِنْ طلبِي بالودِّ ثأري ولم يكنْليُدركَ تبلاً بالمودَّةِ ثائرُ
فيا عجبَا منِّي ومنها تُضيعُنيوأحفظُها هذا اختلافُ السَّرائرِ
ويا عجبَا كيفَ اتَّفقنا فناصحٌمصرٌّ ومطويٌّ علَى الغشِّ غادرُ
وقال البحتري:
مغتربُ الدَّارِ إنْ أرضهُ أجدْمسافةَ النَّجم دونَ مُغتربهْ
راجعتهُ القولَ في ملاطفةٍأهربُ مِنْ صدقهِ إلى كذبهْ
وقال آخر:
سأعرضُ بالشَّكِ دونَ اليقينِحتَّى أُحسِّنَ غيرَ الحسنْ
وأقنعُ إذْ خُنتني مُعلناًبقولكَ في السِّرِّ لي لم أخنْ
وقال مسلم بن الوليد:
سلوتُ وإنْ قالَ العواذلُ لا يسلووأقسمتُ لا يرقَى إلى سمعيَ العذلُ
أجارتنا ما في فراقكِ راحةٌولكنْ جرَى قولٌ فأنتِ بهِ بَسلُ
أمَا واغتيالِ الدَّهرِ خلَّةَ بينَنالقد غالَ إلفاً ساكناً بهمُ الشَّملُ
فما بِي إلى مستطرفِ العيشِ وحشةٌوإنْ كنتُ لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ
تتالَى بكِ الأمرُ الَّذي تكرهينهُإلى الحلمِ بالعُتبَى وقد سبقَ الجهلُ
عليكِ سلامٌ مِنْ أخٍ كانَ صاحباًبهِ تنزلُ الشَّكوى ويحتملَ الثِّقلُ
إذا تمَّ حالٌ وهو غايةُ مَنْ بكىحلا بعدكِ العيشُ الَّذي قلتُ لا يحلُو
وهذا كلام يستغني قارئه بقراءته عن التَّنبيه على تناقضه واستحالته ولا عذر في ذلك إلاَّ غلبة الحيرة على قائله وفي دون هذه الحال ما يذهل العقول ويطيش الألباب وليس العجب ممَّن أخطأ في هذا وإنَّما العجب ممَّن أصاب.
وقال علي بن محمد العلوي:
لياليَ يألفُكَ الغانياتُوكنَّ وكنتَ صغيراً صغارا
وقد كنتَ تملكُ ألحاظهنَّفصرنَ يُعرنكَ لحظاً مُعارا
فأصبحنَ أعقبنَ بعدَ الودادِبعاداً وبعدَ السُّكونِ النَّفارا
لا غرَّني غررُ الحادثاتِوقد كنتُ أوسِعُهنَّ اغترارا
وقال البحتري:
أَخفي هوًى في الضُّلوعِ وأُظهرُوأُلامُ في كمدٍ عليكِ وأُعذرُ
وأراكِ خنتِ على النَّوى مَنْ لم يخنْعهدَ الهوَى وهجرتِ مَنْ لا يهجرُ
وطلبتُ منكِ مودَّةً لم أُعطَهاإنَّ المعنَّى طالبٌ لا يظفرُ
هل دَينُ عَلوةَ يُستطاعُ فيُقتضىأوْ ظلمُ عَلوةَ يستفيقُ فيُقصِرُ
وقال أيضاً:
تمادَى بها وجدِي وملِّكَ وصلَهاخليُّ الحشا في وصلِها جدُّ زاهدِ
وما النَّاسُ إلاَّ واجدٌ غيرُ مالكٍلِما يبتغِي أوْ مالكٌ غيرُ واجدِ
سقَى الغيثَ أكتافَ الحِمى مِنْ محلَّةٍإلى الحِقفِ مِنْ رملِ اللِّوى المُتقاوِدِ
وقال آخر:
طلبتُ أخاً محضاً صحيحاً مسلَّماًنقيّاً منَ الآفاتِ في كلِّ موسمِ
لأمنحَهُ ودِّي فلم أُدركِ الَّذيطلبتُ ومَنْ لي بالصَّحيحِ لمسلمِ
وقال الأحوص:
قد ودَّعتْكَ وداعَ الصَّارمِ القالينعمْ وداعُ بناءٍ غيرَ إذلالِ
وعادَ ما ودَّعتني مِنْ مودَّتهابعدَ المواثيقِ كالجاري منَ الآلِ
فقلتُ لمَّا أتاني أنَّها ختَرَتْوطاوعتْ قولَ أعدائِي وعذَّالي
إنْ تصرمِ الحبلَ أوْ تُرضِ الوشاةَ بناأوْ تُمسِ قد رضيَتْ منَّا بأبدالِ
فقد أراها وما تبغِي بنا بدَلاًولا تطيعُ بنا في سالفِ الحالِ
أبقَى لها الدَّهرُ مِنْ ودِّي الَّذي عهدتْأمرَينِ لم يبرَحا منِّي علَى بالِ
شوقاً إليها إذا بتَّتْ مناسبَهايوماً وأبصرتُ منها رسمَ أطلالِ
وحفظَ ما استودعتْ عندِي وقد زعمتْأنْ ليسَ يحسنُ حفظَ السِّرِّ أمثالِي
إنْ كانَ يُسلِي فؤادِي ما أتيتِ بهِفلا رجعتُ إلى أهلي ولا مالي
جُهداً لأُعلمَها الودَّ الَّذي عهدتْعندِي وأكَّدتُ أقوالاً بأقوالِ
وقال أيضاً:
متى ما تُحلِّي مِنْ ذُرى الأرضِ تلعةًأزركِ ويكثرْ حيثُ كنتِ تردُّدي
وإنْ كدتُ شوقاً موهناً وذكرتُهالأرجعُ بالرَّوحاءِ عَودِي علَى بَدِي
وقلتُ لعينِي قد شقيتُ بذكرِهافجودِي بماءِ المقلتينِ أوِ اجمُدي
أجدَّكَ تنسَى أُمَّ عمرٍو وذكرُهاشعاركَ دونَ الثَّوبِ في كلِّ مرقدِ
فإنْ تتَّبعها تُغضِ عيناً علَى القذَىوإنْ تجتنبْها بعدَ ما نلتَ تكمدِ
أمَّا من دعته الضرورة إلى الصبر على من غدر به فلا مدخل لنا في أمره وأما من يتمنَّى لإلفه أن يميل إلى حبِّ غيره ليكون ذلك عاطفاً له عليه وداعياً له إلى وصله فهو من الحمق في محلٍّ قلَّ ما يتهيَّأ مثله وما أحسب من هذه صفته يكون إلاَّ داخلاً في جملة من وقعت لهم المحابُّ لتنفيذ ضرب من الشَّهوات.
وقال بعض المحدثين:
ولمَّا بدا لي أنَّها ما تحبُّنيوأنَّ فؤادِي ليسَ عنها بمُنسلِي
تمنَّيتُ أنْ تهوَى سوايَ لعلَّهاتذوقُ حراراتِ الهوَى فترقُّ لي
وأحس من هذا ومن كل ما تقدمه قول الآخر:
واللهِ لا نظرتْ عيني إليكَ ولاسالتْ مساربُها شوقاً إليكَ دمَا
إلاَّ رياءً لدفعِ القولِ عنكَ ولانازعتُكَ الدَّهر إلاَّ مكرهاً كلمَا
إنْ كنتَ خنتَ فلمْ أُضمرْ خيانتكمْواللهُ يأخذُ ممَّن خانَ أوْ ظلمَا
سماحةً لمحبٍّ خانَ صاحبهُما خانَ قطُّ محبٌّ يعرفُ الكرمَا
هذا البائس قد ألزم نفسه قطيعة من غدر به وصبَّرها على المكروه كله إلاَّ أنَّه مع ذلك غير مضيع لما في ذمَّته من رعاية صاحبه بنفي الظُّنون عنه وهذا أكثر ما يمكن من الرعاية أو أتمُّ ما يتهيَّأ من الصِّيانة لمن بادر بالخيانة ولمن ضيَّع حقوق الأمانة ومن منع نفسه من طاعة الاشتياق وهو بعد مقيم تحت راية الإشفاق فقد قدر على أمر عظيم وظفر بحظ جسيم.
وقال جميل:
أتَوْني فقالُوا يا جميلُ تبدَّلتْبُثينةُ أبدالاً فقلتُ لعلَّها
وعلَّ حبالاً كنتُ أحكمتُ عقدَهاأُتيحَ لها واشٍ رفيقٌ فحلَّها
وحدثني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال: حدثنا عبد الملك بن شبيب قال: حدثنا مشيختنا قال: بينما الحكم بن عمر الغفاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلّم يسير بخراسان في بعض البلاد وهو واليها إذ سمع في بعض غياطلها رجلاً يغنِّي بهذين البيتين:
تعزَّ بصبرٍ لا وجدِّكَ لا تُرىبِوادِي الحصى أُخرى اللَّيالي الغوابرِ
كأنَّ فؤادِي مِنْ تذكُّرهِ الحمىوأهلَ الحمى يهفو بهِ ريشُ طائرِ
فوقف وقال عليَّ بالرجل فأُتي به فقال ويحك ما أنت؟ قال رجل من أهل نجد من بني عامر كنت في الدَّهر من بني عامر فقال: هل لك في الحمى؟ فقال ما لي إلى ذلك سبيل ولي بالبلاد أهل وولد قال فإني أحمل معك أهلك وولدك قال فكيف بالمعاش لا حاجة لي في هذا قال ما من ذلك بدّ وأمر به أن يُحمل قال فاضطرب في أيديهم حتَّى مات وهذا من أعجب ما سمعت في معناه ولا أعرف لهذا الرجل عذراً في الفرار من الموضع الَّذي يهواه إلاَّ أن يكون قد اتَّصل به عن محبوبه من الغدر ما لا تنبسط على مثله يد الصَّبر فكان المقام على الفراق والتَّجلُّد على دواعي الاشتياق أهون عليه من مشاهدة ما لا طاقة له به عند التَّلاق.
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع