من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب التاسع عشر: ما عتبَ منِ اغتفرَ ولا أذنبَ منِ اعتذر
المعتذر لا ينفكُّ من إحدى حالين إمَّا أن يكون صادقاً أو كاذباً فإن كان صادقاً فعذره مقبول وإن كان كاذباً فإنه لم يتجشَّم مضاضة الكذب في نفسه إلاَّ لنفاسة صاحبه في صدره ومن كان بهذه الحال قُبل عذره بل وجب شكره.
وقد قال البحتري:
إقبلْ معاذيرَ مَنْ يأتيكَ معتذراًإنْ برَّ عندكَ فيما قالَ أو فجَرَا
فقدْ أطاعكَ مَنْ يُرضيكَ ظاهرهُوقدْ أجلَّكَ مَنْ يعصيكَ مُستترا
ولبعض أهل هذا العصر:
أنتَ ابتدأتَ بميعادِي فأوفِ بهِولا تربَّصْ بهِ صرفَ المقاديرِ
ولا تكِلْني إلى عذرٍ تُزخرفهُفالذَّنبُ أحسنُ مِنْ بعضِ المعاذيرِ
وله أيضاً:
إلى اللهِ أشكُو مَنْ بدانِي بوصلهِفلمَّا حوَى قلبِي براهُ ببخلهِ
سآجرُ نفسِي عنْ تقاضيهِ راضياًإلى أنْ أراهُ ساخطاً بعدَ فعلهِ
وآخذُ منهُ العفوَ ما دامَ باخلاًوأنَّهَى لسانِي أنْ يعودَ لعذلهِ
فربَّ اعتذارٍ قدْ تمنَّيتُ أنَّنيخرستُ وأنِّي لمْ أُخاطبْ بمثلهِ
وقال آخر:
مْ أجنِ ذنباً فإنْ زعمتَ بأنْأتيتُ ذنباً فغيرُ مُعتمدِ
قدْ تطرفُ الكفُّ عينَ صاحبِهافلا يرَى قطعَها منَ الرَّشَدِ
وقال آخر:
ما أحسنَ العفوَ منَ القادرِلا سيَّما عنْ غيرِ ذي ناصرِ
إنْ كانَ لي ذنبٌ ولا ذنبَ ليفما لهُ غيركَ مِنْ غافرِ
أعوذُ بالودِّ الَّذي بينَناأنْ تُفسدَ الأوَّلَ بالآخرِ
وقال آخر:
هبْنِي أسأتُ وقدْ أتيْتُ بمثلِ ذنبِ أبي لهبْ
فأنا أتوبُ ومَا أسأتُ وكمْ أسأتَ فلمْ تتبْ
وقال آخر:
هَبينِي يا معذِّبتِي أسأتُوبالهجرانِ قبلكمُ بدأتُ
فأينَ الفضلُ منكِ فدتكِ نفسيعليَّ إذا أسأتِ كمَا أسأتُ
ولبعض أهل هذا العصر:
لجُرمِي عقابٌ والتَّجاوزُ ممكنٌوأولاهُما إسعافُ مَنْ صحَّ صدقهُ
فإنْ لمْ تجاوزْ حسبَ ما تستحقُّهُفلا تتجاوزْ حسبَ ما أستحقُّهُ
وله أيضاً:
العذرُ يلحقهُ التَّحريفُ والكذبُوليسَ في غيرِ ما يُرضيكَ لي أربُ
وقدْ أسأتُ فبالنُّعمى الَّتي سلفتْلما مننتَ بعفوٍ ما لهُ سببُ
وقال آخر:
لا والَّذي إنْ كذبتُ اليومَ عذَّبنيوإنْ صدقتكمُ فاللهُ نجَّانِي
ما قرَّتِ العينُ بالأبدالِ بعدكمُولا مجدتُ لذيذَ العيشِ يغشانِي
إنِّي وجدتُ بكمْ ما لمْ يجدْ أحدٌجنٌّ بجنٍّ ولا إنسٌ بإنسانِ
وقال البحتري:
أأنسَى مَنْ يُذكِّرُ فيهِ ألاَّشبيهَ لهُ يعدُّ ولا ضريبُ
وقدْ أكدَى الصَّوابُ عليَّ حتَّىوددتُ بأنَّ شانيَّ المُصيبُ
فإنْ لا تحسبِ الحسناتِ منهالصاحبها فلا تُحصَى الذُّنوبُ
أتوبُ منَ الإساءةِ إنْ ألمَّتْوأعرفُ مَنْ يُسيءُ ولا يتوبُ
وقال أيضاً:
اللهُ يعلمُ والدُّنيا مُنغَّصةٌوالعيشُ مُنتقلٌ والدُّهر ذُو دولِ
لأنتَ عندِي وإنْ ساءتْ ظنونكَ بِيأحظَى منَ الأمنِ عندَ الخائفِ الوجلِ
ولعبيد بن طاهر:
إغتفرْ زلَّتي لتُحرزَ فضلَ الشُّكرِ منِّي ولا يفوتكَ أجرِي
لا تكِلْني إلى التَّوسُّلِ بالعذْرِ لعلِّي ألاَّ أقومَ بعذرِي
وقال آخر:
فإنْ لا أكنْ للفضلِ أهلاً فإنَّكمْبفضلكمُ للعفوِ عنْ مذنبٍ أهلُ
ففضلكَ أرجُو لا البراءةَ إنَّهأبى اللهُ إلاَّ أن يكونَ لكَ الفضلُ
وقال محمد بن عبد الملك الزيات:
رفعَ اللهُ عنكَ نائبةَ الدَّهرِ وحاشاكَ أن تكونَ عليلا
أُشهدُ اللهَ ما علمتُ وما ذاكَ من العذرِ جائزاً مقبُولا
فاجعلَنْ لي إلى التَّوسُّلِ بالعذْرِ سبيلاً إذْ لم أجدْ لِي سبيلا
فقديماً ما جادَ ذو الفضلِ بالصَّفحِوما سامحَ الخليلُ الخليلا
وقال الحسين الخليع:
بنفسِي حبيبٌ لا يملُّ التَّعتُّباإذا زدتهُ في العذرِ زادَ تعصُّبا
يُطيلُ ضِرارِي بامتحانِ صبابتِيوقدْ علمَ المكنونَ منها المغيَّبا
فلستُ أُناجِي غيرهُ مذْ عرفتهُفأنظُرَ إلاَّ خائفاً مُترقِّبا
أيا مَنْ تجنَّى الذَّنبَ أعلمُ أنَّهعلَى ثقةٍ أنْ لستُ بالغيبِ مُذنبا
أمَا لخضُوعِي مِنْ ضميركَ شافعٌمنَ السُّقمِ قدْ يشفي المُلحَّ المعذَّبا
أمَّا اعتذاره بأنَّه لا يُناجي غير صاحبه إلاَّ خائفاً مترقِّباً فقبيحٌ جدّاً ولعمري إنَّ الإصرار على الغدر أصلح من التَّنصُّل بهذا العذر إذ من لم يكن عليه رقيب من نفسه يصونها عن مكاره إلفه فلا درك في مودَّته.
وقد قال بعض أهل هذا العصر في هذا النحو:
كأنَّ رقيباً منكَ يرعَى خواطرِيوآخرَ يرعَى ناظرِي ولسانِي
فما عاينتْ عينايَ بعدكَ منظراًيسوؤكَ إلاَّ قلتُ قدْ رمَقانِي
ولا بدرتْ في فِيَّ بعدكَ مزحةٌلغيركَ إلاَّ قلتُ قدْ سمِعانِي
ولا خطرتْ مِنْ ذكرِ غيركَ خطرةٌعلَى القلبِ إلاَّ عرَّجا بعنانِ
إذا ما تسلَّى الغايرونَ عنِ الهوَىبشربِ مدامٍ أوْ سماعِ قيامِ
وجدتُ الَّذي يُسلِي سوايَ يشوقُنيإلى قربكمْ حتَّى أملَّ مكانِي
وفتيانِ صدقٍ قدْ سئمتُ لقاءهمْوعفَّفتُ طرفِي عنهمُ ولسانِي
وما الزُّهدُ أسلَى عنهمُ غيرَ أنَّنيأراكَ علَى كلِّ الجهاتِ تراني
وأتم من هذا قول مسلم بن الوليد:
رحلتُ مُذْ يومِ نادَوا بالرَّحيلِ علَىآثارهمْ ثمَّ لمْ أنظرْ إلى أحدِ
أغضتْ عنِ الخلقِ عيني ما ترَى حسَناًفي النَّاسِ حتَّى تراهمْ آخرَ الأبدِ
وقال آخر:
لأيُّ شيءٍ صددتَ عنِّييا بائناً بالعَزَاءِ منِّي
أكانَ منِّي فعالُ سوءٍيحسنُ في مثلهِ التَّجنِّي
إنَّ شفيعِي إليكَ منِّيدموعُ عَيني وحسنُ ظنِّي
فبالَّذي ساقَني ذليلاًإليكَ ألا عفوتَ عنِّي
وقال آخر:
كلُّ يومٍ يقولُ لي لكَ ذنبٌيتجنَّى ولا يرَى ذاكَ منِّي
فأنا الدَّهرَ في اعتذارٍ إليهِفإذا ما رضِي فليسَ يُهنِّي
ربَّما جئتهُ أُسلِّفهُ العذرَ لبعضِ الذُّنوبِ خوفَ التَّجنِّي
وقال علي بن الجهم:
عفا اللهُ عنكَ ما حرمةٌأعوذُ بعفوكَ أنْ أُبعدا
ألمْ ترَ عبداً عدَا طورهُومولًى عفا ورشيداً هدَى
ومفسدَ أمرٍ تلافيتَهُفعادَ فأصلحَ ما أفسدَا
أقِلْني أقالكَ مَنْ لمْ يزلْيَقيكَ ويصرفُ عنكَ الرَّدى
لئنْ جلَّ ذنبٌ ولمْ أعتمدْهُلأنتَ أجلُّ وأعلَى يدَا
وقال البحتري:
يُخوِّفني مِنْ سوءِ رأيكَ معشرٌولا خوفَ إلاَّ أنْ تجورَ وتظلما
أُعيذكَ أنْ أخشاكَ مِنْ غيرِ حادثٍأتيتُ ولا جرمٌ إليكَ تقدَّما
أُقرُّ بما لمْ أجنِهِ متنصِّلاًإليكَ علَى أنِّي إخالُكَ ألوَما
وقال أيضاً:
وعتابِ خلٍّ قدْ سمعتُ فلم أكنْجلدَ الضَّميرِ علَى استماعِ مُمِضِّهِ
طافَ الوشاةُ بهِ فأحدثَ ظلمةًفي جوِّهِ ووعورةً في أرضهِ
غضبانُ حمِّلَ إحْنَةً لوْ حُمِّلتْثبَجَ الصَّباحِ لثُقِّلتْ مِنْ نهضهِ
مهلاً فداكَ أخوكَ قدْ ألهيتهُعنْ لهوهِ وشغلتهُ عن غُمضهِ
خزْيانُ أكبرَ أنْ تظنَّ جنايةًفي بسطهِ لصديقهِ أوْ قبضهِ
ماذا توهَّمُ أن يقولَ وقولهُفي نفسهِ ولسانهُ في عِرضهِ
أنَبوتُ عنكَ بزعمهمْ ومتى نَبَافي حالةٍ بعضُ امرئٍ عن بعضهِ
وقال بعض أهل هذا العصر:
أخوكَ الَّذي أمسَى بذكركَ مُغرمايتوبُ إليكَ اليومَ ممَّا تقدَّما
فإنْ لم تصلهُ رغبةً في وصالهِولمْ تكُ مشتاقاً فصِلْهُ تكرُّما
فقدْ والَّذي عافاكَ ممَّا ابتلَى بهِتندَّمَ لوْ أرضاكَ أنْ يتندَّما
وباللهِ ما كانَ الصُّدودُ الَّذي مضَىملالاً ولا كانَ الجفاءُ تبرُّما
فلا تحرِبَنْ بالغدرِ مَنْ صدَّ مُكرهاًوأظهرَ إعراضاً وأبدَى تجهُّما
فلمْ يُلههِ عنكَ السُّلوُّ وإنَّماتأخَّرَ لمَّا لم يجدْ مُتقدَّما
وقال آخر:
كُحلتْ مقلَتِي بشوكِ القَتادِلم أذُقْ مذْ حُممتَ طعمَ الرُّقادِ
يا أخِي الباذلُ المودَّةَ والنَّازلُ مِنْ مقلتِي مكانَ السَّوادِ
مَنَعَتْني عليكَ رقَّةُ قلبِيمِنْ دُخولي عليكَ في العوَّادِ
لو بأُذني سمعتُ منكَ أنيناًلتَفَقَّا معَ الأنينِ فؤادِي
وقال علي بن الجهم:
إنَّ دونَ السُّؤالِ والاعتذارِخطَّةٌ صعبةً علَى الأحرارِ
ليسَ جهلاً بها تورَّدها الحرُّ ولكنْ سوابقُ الأقدارِ
إرضَ للسَّائلِ الخضوعِ وللقارفِ ذنباً مضاضةَ الاعتذارِ
وقال آخر:
هاجرتْنِي ثمَّ لا كلَّمتْني أبداًإنْ كنتُ خنتكِ في حالٍ منَ الحالِ
أوِ انتجيتُ نجِيّاً في خيانتكمْوخفتُ خطرَتَها منِّي علَى بالِ
فسوِّغيني المُنى كيما أعيشَ بهاثمَّ اطلقِي البخلَ ما أطلقتِ آمالي
ولبعض أهل هذا العصر:
أتوبُ إليكَ مِنْ نقضِ العهودِلتؤمنَ مقلَتِي منَ السُّهودِ
أسأتُ فلا تُعنَّى بالدَّعاوىفها أنذا أُقرُّ بلا شهودِ
وقدْ كانَ الجحودُ عليَّ سهلاًولكنِّي أنِفتُ منَ الجحودِ
فقلْ لِي لا عدمتكَ مِنْ مسيءٍبما استحللتَ نقضَ عُرى العهودِ
ألا يا نفسُ قد أخطأتِ فيماأتيتِ فإنْ نجوتِ فلا تعُودِي
فكمْ جانٍ تجافَى غيرَ جهلٍفعادَ فلمْ يذقْ طعمَ الهجودِ
وقال منصور النمري:
لعلَّ لهُ عذراً وأنتَ تلومُوكمْ لائمٍ قد لامَ وهو مُليمُ
أخٌ لكَ مشتاقٌ تذكَّرَ خلَّةًلها عندهُ ودٌّ فباتَ يهيمُ
سلامٌ علَى أمِّ الوليدِ وذكرِهاوعهدٍ لها لمْ يُنسَ وهوَ قديمُ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع