من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الحادي عشر: مَنْ وفَى الحبيبُ هانَ عليهِ الرَّقيبُ
وإنَّما يغلظ أمر الرقيب على من يمتحن بمفارقة الحبيب فأما من غلبه الفراق وملكه الإشفاق وأذاع سره الاشتياق قلَّ اكتراثه بمن يرتقبه بل سهل عليه ألاّ يعاين من يحبّه إذا وثق بقربه منه وأمن من إعراضه عنه وربَّما كانت غيبة الحبيب أيسر من حضوره مع الرقيب وهذا شيء تختلف فيه الآراء علَى حسب غلبات الأهواء.
قال ابن الدمينة:
يقولونَ قصِّرْ عنْ هواها فقدْ وعتْضغائنَ شبَّانٌ عليكَ وشيبُ
وما إنْ تُبالِي سخطَ مَنْ لا تحبُّهُإذا نصحتْ ممَّن تحبُّ جُيوبُ
وقال أبو تمام الطائي:
ما شئتَ مِنْ منطقٍ أديبِفيهِ ومِنْ منظرٍ أرِيبِ
لمَّا رأى رقبةَ الأعادِيعلَى معنًّى بهِ كئيبِ
جرَّدَ لِي مِنْ هواهُ نُصحاًصارَ رقيباً علَى الرَّقيبِ
وقال أيضاً:
مِنْ قطعِ ألفاظهِ توصيلُ مهلكَتِيووصلِ ألحاظهِ تقطيعُ أنفاسِي
رُزقتُ رقَّةَ قلبٍ منهُ نغَّصهامُنغِّصٌ مِنْ رقيبٍ قلبهُ قاسِي
وقال بعض الفصحاء:
طَلْحٌ ولكنَّا نرَى الحيَّاتِ رُقطاً في خِلالهْ
يمنعْنَنا أنْ نستظلَّمنَ الهواجرِ في ظلالهْ
وقال الأخطل:
وليسَ القذَى بالعودِ يسقطُ في الإنَاولا بذبابٍ خطبهُ أيسرُ الأمرِ
ولكنَّ شخصاً لا نسرُّ بقربهِرمتْنا بهِ الأزمانُ مِنْ حيثُ لا ندرِي
وأنشد أعرابي بالبادية:
أحقّاً عبادَ اللهِ أنْ لستُ وارداًمياهَ الحِمَى إلاَّ عليَّ رقيبُ
ولا آتياً وحدِي ولا بجماعةٍمنَ النَّاسِ إلاَّ قيلَ ذاكَ مريبُ
أحبُّ ظباءَ الواديَيْنِ وإنَّنيلمُشتهرٌ بالواديينِ غريبُ
أُميمُ احْفظِي عهدَ الهوَى لا يزُلْ لناعنِ النَّأيِ والهجرانِ منكِ نصيبُ
ألا يا أُميمَ القلبِ دامَ لكِ الغِناأمَا ساعةٌ إلاَّ عليكِ رقيبُ
وقال آخر:
صغيرٌ يصيرُ بالا كثير مجربأوْ آخر يرمي بالظُّنونِ أرِيبُ
وقال آخر:
وإنِّي لآتِي البيتَ أُبغضُ أهلهُوأُكثرُ هجرَ البيتِ وهوَ حبيبُ
تطيبُ لي الدُّنيا مراراً وإنَّهالتخبثُ حتَّى ما تكادُ تطيبُ
وأُعرضُ عنْ أشياءَ منكِ تُريبُنِيوأُدعى إلى ما نابكُمْ فأُجيبُ
وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر:
حَبيبي حبيبٌ يكتمُ النَّاسَ أنَّهُلنا حينَ ترمينا العيونُ حَبيبُ
يُباعدُني في المُلتقَى وفؤادهُوإنْ هوَ أبدَى لي البعادَ قريبُ
ويُعرضُ عنِّي والهوَى منهُ مقبلٌإذا خافَ عيناً أو أشارَ رقيبُ
فتخرسُ منَّا ألسنٌ حينَ نلتقِيوتنطقُ منَّا أعينٌ وقلوبُ
وله أيضاً:
إذا ما التقيْنَا والوُشاةُ بمجلسٍفليسَ لنا رسلٌ سِوَى الطَّرفِ بالطَّرفِ
فإنْ غفلَ الواشونَ فزتُ بنظرةٍوإنْ نظرُوا نحوِي نظرتُ إلى السَّقفِ
أُسارقُ مولاها السُّرورَ بقربِهاوأهجر أحياناً وفي هجرهمْ حتفِي
وقال آخر:
إذا غفِلوا عنَّا نطقْنا بأعينٍمِراضٍ وإنْ خِفنا نظرْنا إلى الأرضِ
شكَا بعضُنا لمَّا التقينَا تستُّراًبأبصارِنا ما في النُّفوسِ إلى بعضِ
وقال مسلم بن الوليد:
جعلْنا علاماتِ المودَّةِ بينَنادقائقَ لحظٍ هنَّ أخفَى منَ السِّحرِ
فأعرفُ منها الوصلَ في لينِ طرفِهاوأعرفُ منها الهجرَ بالنَّظرِ الشزرِ
وأنشدنا ابن أبي طاهر لأبي تمام:
أزورُ محمَّداً وإذا التقَيْناتكلَّمتِ الضَّمائرُ في الصُّدورِ
فأرجعُ لمْ ألُمهُ ولمْ يلُمنِيوقدْ فهمَ الضَّميرُ منَ الضَّميرِ
وقال آخر:
إذا نحنُ خفْنا الكاشحينَ فلمْ نطقْكلاماً تكلَّمنا بأعيُننا سرَّا
فنقضِي ولمْ يُعلمْ بِنا كلَّ حاجةٍولمْ نظهرِ الشَّكوى ولمْ نهتكِ السِّترا
ولو قذفتْ أحشاؤُنا ما تضمَّنتْمنَ الوجدِ والبلوَى إذنْ قذفتْ جمرا
صاحبُ هذا الشِّعر البائس مغترٌّ بالزَّمان جاهل بصروف الأيام يتبرَّم بالرَّقيب مع مشاهدة الحبيب وهو لا يعلم أن هذه الحال تتقاصر عنها الآمال وتنقطع دونها الآجال ولكن من لم ينكبه الفراق ولا الهجر ولم يعترض إلى الخيانة والغدر حسب أن الرَّقيب هو منتهى كيد الدَّهر وظنَّ أنَّه قد امتُحن بما لا يقوم له الصَّبر.
وقد قال بعض أهل هذا العصر:
لَئنْ كانَ الرَّقيبُ بلاءَ قومٍفما عندي أجلُّ من الرَّقيبِ
حجابُ الإلفِ أيسرُ من نواهُوهجرُ الخلِّ خيرٌ للأديبِ
ولا وأبيكَ ما عاينتُ شيئاًأشدَّ من الفِراقِ علَى القلوبِ
وقال آخر:
أشارتْ بعينيها إشارةَ خائفٍحذارِ عيونِ الكاشحينَ فسلَّمتْ
فردَّ عليها الطَّرْفُ منِّي سلامَهاوأوْما إليها أسكُني فتبسَّمتْ
وأومَتْ إلى طرفي يقولُ لِطَرفهابنا فوقَ ما تلقى فأشجتْ وتيَّمتْ
فلوْ سئلتْ ألحاظُنا عن قلوبناإذنْ لاشتكتْ ممَّا بها وتبرَّمتْ
وما هكذا إلاَّ عيونُ ذوي الهوَىإذا خافتِ الأعداءَ يوماً تكلَّمتْ
وقال آخر:
وقفنا فلولا أنَّنا راعَنا الهوَىلهتَّكنا عندَ الرَّقيبِ نحيبُ
وفي دونِ ما نلقاهُ من ألمِ الهوَىتُشقُّ جيوبٌ بل تُشقُّ قلوبُ
ولمَّا نظرنا بالرَّقيبِ ولحظهِولحظي علَى لحظِ الرَّقيبِ رقيبُ
صدَدْنا وكلٌّ قد طوى تحتَ صدرهِفؤاداً له بين الضُّلوعِ وجيبُ
وقال آخر:
إذا ما التقينا والوُشاةُ بمجلسٍفألسُننا حربٌ وأعينُنا سِلْمُ
وتحتَ مجاري الصَّدرِ منَّا مودَّةٌتطَّلَعُ سرّاً حيثُ لا يذهبُ الوهمُ
وأنشد ابن أبي طاهر:
إذا خِفنا من الرُّقباءِ عيناًتكلَّمتِ العيونُ عنِ القلوبِ
وفي غمزِ الحواجبِ مُستراحٌلِحاجاتِ المُحبِّ إلى الحبيبِ
وقال آخر:
ومُراقَبينِ يُكاتمانِ هواهُماجعلا الصُّدورَ لما تجنُّ قُبورا
يتلاحظانِ تلاحظاً فكأنَّمايتناسخانِ منَ الجُفونِ سُطورا
وأنشد ابن أبي طاهر:
عرفتْ بالسَّلامِ عينَ الرَّقيبِوأشارتْ بلحظِ طرفٍ مُريبِ
وشكتْ لوعةَ النَّوى بجُفونٍأعربتْ عن لسانِ قلبٍ كئيبِ
رُبَّ طرفٍ يكونُ أفصحَ من لفْظٍ وأبدى لِمُضمَراتِ القلوبِ
وقال آخر:
وإذا التقينا والعيونُ روامقٌصمَتِ اللِّسانُ وطرفُها يتكلَّمُ
تشكو فأفهَمُ ما تقولُ بطرفِهاويردُّ طرفي مثلَ ذاكَ فتفهمُ
وأنشدني ابن أبي طاهر:
كتبتُ إلى الحبيبِ بكسْرِ عينيكتاباً ليسَ يقرأُهُ سواهُ
فأخبرني تورُّدُ وجنتيهِوكسرُ جفونهِ أنْ قد قراهُ
وأنشدني أيضاً لنفسه:
لقدْ عرَّضَ بالحبِّكما عرَّضتُ بالحُبِّ
وكانتْ أعينٌ رُسلاًمكانَ الرُّسلِ بالكتبِ
عيونٌ تنقلُ الأسرارَمن قلبٍ إلى قلبِ
وقال آخر:
إذا نظرتْ طرفي تكلَّمَ طرفُهاوجاوبَهُ طرفي ونحنُ سُكوتُ
فكمْ نظرةٍ منها تُخبِّرُ بالرِّضاوأخرى لها نفسي تكادُ تموتُ
وأنشدني ابن أبي طاهر:
ومُلاحظٍ سرقَ السَّلامَ بطرفهِحذرَ العُيونِ ورِقْبةً للحارسِ
راجعتُهُ بلسانِ طرفٍ ناطقٍيُخفي البيانَ علَى الرَّقيبِ الجالسِ
فتكلَّمتْ منَّا الضَّمائرُ بالَّذينُخفي وفازَ مُجالسٌ بمُجالسِ
وقال الطرماح:
كأنْ لم يرُعْكَ الظَّاعنونَ ببينِهمْبلى إنَّ بينَ الظَّاعنينَ نزوعُ
يُراقبْنَ أبصارَ الغيارى بأعينٍحواذِرَ ما تجري لهنَّ دموعُ
وقال آخر:
أشارتْ بطرفِ العينِ خيفةَ أهلِهاإشارةَ محزونٍ ولم تتكلَّمِ
فأيقنْتُ أنَّ الطَّرفَ قد قالَ مرحباًوأهلاً وسهلاً بالحبيبِ المتيَّمِ
وأنشدني ابن أبي طاهر:
ألاحظُها خوفَ المُراقبِ لحظةًفأشكو بطرفي ما بقلبي منَ الوجدِ
فتفهمُهُ عن لحظِ عيني بقلبِهافتومي بطرفِ العينِ أنِّي علَى العهدِ
وله أيضاً:
تُحدِّثنا الأبصارُ ما في قلوبِنافنغنى بها عمَّا يُردَّدُ في الكتبِ
علاماتُنا مكتوبةٌ في جِباهناحبيبانِ موقوفانِ في سُبلِ الحُبِّ
وقال آخر:
بنانُ يدٍ تُشيرُ إلى بنانٍتُجاوبُنا وما يتكلَّمانِ
جرى الإيماءُ بينهُما رسولاًفأعربَ وحيَهُ المُتناجيانَ
وأنشدني ابن أبي طاهر:
يُكلِّمُها طرفي فتومي بطرفِهافتُخبرُ عمَّا في الضَّميرِ منَ الوجدِ
فإنْ نظر الواشونَ صدَّتْ وأعرضتْوإنْ غفِلوا قالتْ ألستُ علَى العهدِ
وقال بعض الأعراب:
فلمَّا ادَّركْنا راعهُنَّ مُنادياًكما راعَ خيلاً من لجامٍ صلاصِلُهْ
فنازعْنَنا وحياً خفيّاً كأنَّهُجنى المُجتني الرِّيحانِ أمرعَ حاصلُهْ
بوحيٍ لوَ انَّ العُصمَ تسمعُ رجْعهُلقُضْقضَ من أعلى إبانٍ حوافلُهْ
وأنشدنا ابن أبي طاهر:
ومنِّي ومنها اثنانِ قلبٌ ومُقلةٌمريضانِ مغبوطٌ وآخرُ يرحَمُ
وطرفي لها عمَّا بقلبي من الهوَىإذا لم أُطقْ شكوى إليها مُترجِمُ
وقال آخر:
يكلِّمُ طرفي طرفَها حينَ نلتقيوإن كانَ فينا للعتابِ صدودُ
فإنْ نحنُ صرنا للفراقِ تلاحظتْلنا بهوانا أعينٌ وخدودُ
فنحنُ كأنَّا بالقلوبِ وذِكرهاإذا ما افترقنا حاضرونَ شهودُ
وقال الراعي:
يُناجيننا والطَّرفُ دونَ حديثناويقضينَ حاجاتٍ وهُنَّ موازِحُ
فلمَّا تفرَّقنا شجيْنَ بعَبرةٍوزوَّدننا شوقاً وهُنَّ فواضحُ
فويلُ امِّها من خلَّةٍ لوْ تنكَّرتْلأعدائنا أوْ صالحتْ منْ تُصالحُ
وقال آخر:
قفي أخبريني ثمَّ حُكمكِ واجبٌعليَّ إذا خبَّرتِ ما أنا سائلُ
متى أنا ناجٍ يا قتولُ فأوْمأتْبطرفٍ كفى رجعَ الَّذي أنا قائلُ
وقال آخر:
ألا حبَّذا الدَّهْنا وطيبُ تُرابهاوأرضٌ خلاءٌ يصدعُ اللَّيلَ هامُها
ونصُّ المهاري بالعشيَّاتِ والضُّحىإلى نفرٍ وحيُ العُيونِ كلامُها
وأنشدني الفضل بن أبي طاهر:
إشارةُ أفواهٍ وغمزُ حواجبٍوتكسيرُ أجفانٍ وكفٌّ تُسلِّمُ
وألسنُنا معقودةٌ عنْ شَكاتناوأبصارُنا عنها الصَّباباتِ تفهمُ
وقال ابن الوليد عبيد الطائي:
يتبسَّمنَ من وراءِ حواشي الرَّيْطِ عن بردِ أُقحوانِ الثُّغورِ
ويُساقطنَ والرَّقيبُ قريبٌلحظاتٍ يُعلنَّ سرَّ الضَّميرِ
ضعُفَ الدَّهرُ عن هواها وما الدَّهْرُ علَى كلِّ دولةٍ بقديرِ
ليسَ في العاشقينَ أنقصُ حظّاًفي التَّصابي من واصلٍ مهجورِ
أمَّا هذا الكلام فكلام متغطرس علَى الأيام وقد كان يقال عند الثِّقة بالأيَّام تُحذر الغِيَر.
وقال إبراهيم النظّام:
ونشكو بالعيونِ إذا التقينافنفهمُهُ ويعلمُ ما أردْتُ
أقولُ بمُقلتي أنْ متُّ شوقاًفيوحي طرفهُ أنْ قدْ علمْتُ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع