من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السادس: التَّذلُّلُ للحبيبِ مِن شيمِ الأديبِ
قد ذكرنا أن تقصير المحبوب عن مواصلة محبّه وتراخيه عن إظهاره على كل ما له في قلبه إنَّما يتولَّدان عن وقوع الثقَّة به فربَّما جهل المحبُّ على نفسه فتوهَّم أنَّ ذلك داخل في باب الخيانة والغدر فكافى عليه بالانحراف والهجر فيجني على نفسه ما لا يتلافاه العذر ولا يقاومه الصبر والحازم من صبر على مضاضة التَّدلُّل والتمس العزَّ في استشعار التَّذلُّل فحينئذ يتمكَّن من وداد محبوبه ويظفر من هواه بمطلوبه.
قال الحسن بن هانئ:
يا كثيرَ النَّوحِ في الدِّمنِلا عليها بلْ على السَّكنِ
سُنَّةُ العشَّاقِ واحدةٌفإذا أحببتَ فاسْتَكنِ
وقال معاذ ليلى:
عفَا اللهُ عنِي ليلَى وإنْ سفكتْ دمِيفإنِّي وإنْ لمْ تُجزِنِي غيرُ عاتبِ
عليها ولا مُبدٍ لليلَى شكايةًوقدْ يُشتكَى المُشكِي إلى كلِّ صاحبِ
يقولونَ تبْ عن حبِّ ليلَى وذكرِهاوما خلتُنِي عنْ حبِّ ليلَى بتائبِ
وقال عمر بن أبي ربيعة:
لستُ مِن ظالمَتِي منتصِفاًقبَّحَ اللهُ محبّاً يَنتصفْ
وفتاةٍ أنْ تغبْ شمسُ الضُّحىفهيَ للنَّاسِ منَ الشَّمسِ خلَفْ
أجمعَ النَّاسُ على تفضيلِهاوهواهمْ في سِواها مُختلفْ
وقال المؤمل:
أمنْ فقدِ الحبيبِ عيناكَ تبكِينعمْ فقدُ الحبيبِ أشدُّ فقدِ
بَرانِي الحبُّ حتَّى صرتُ عبداًفقدْ أمسيتُ أرحمُ كلَّ عبدِ
فأُقسمُ لو هممتِ بمدِّ قلبِيإلى جوفِ السَّعيرِ لقلتُ مُدِّي
وقال أبو الوليد عبيد الطائي:
منِّيَ وصلٌ ومنكَ هجرُوفيَّ ذلٌّ وفيكَ كِبرُ
عذَّبني حبُّكَ المُعنِّيوغرَّني منكَ ما يغرُّ
قدْ كنتُ حرّاً وأنتَ عبدٌفصرتُ عبداً وأنتَ حرُّ
يا ظالماً لي بغيرِ جرمٍإليكَ مِنْ ظُلمكَ المفرُّ
أنتَ نَعيمي وأنتَ بؤسِيوقدْ يسوءُ الَّذي يسرُّ
وقال آخر:
تُسيءُ بنا هندٌ ونحسنُ جهدَنافحتَّى متى هندٌ تُسيءُ ونُحسنُ
وأَجبنُ عنْ تقريعِ هندٍ بذنبِهاولوْ غيرُ هندٍ كانَ ما كنتُ أجبنُ
وأنشدني محمد بن الخطاب الكلابي قال أنشدني ماني لنفسه:
يزيدُنِي ما استزدتُ مِن صلتهْوعنْ قليلٍ يعودُ في هبتهْ
لوْ حزتُ قطرَ السَّماءِ لانهملتْعليَّ ظُلماً سماءُ مَوْجَدتهْ
كمْ زلَّةٍ منهُ قدْ ظفرتُ بهافقامَ حبِّي لهُ بمعذرتهْ
تُفنِي اللَّيالي وعيدَهُ وأناقريبُ عهدٍ بسوءِ مملكتهْ
وقال أبو تمام الطائي:
ظنِّي بهِ حسَنٌ لولا تجنِّيهِوأنَّهُ ليسَ يرعَى عهدَ حُبِّيهِ
عمَّتْ محاسنهُ عنِّي إساءتَهُحتَّى لقدْ حسُنتْ عندِي مساويهِ
تاهتْ علَى صورةِ الأشياءِ صورتهُحتَّى إذا خضعتْ تاهتْ علَى التِّيهِ
لمْ تجتمعْ فرقُ الحُسنِ الَّتي افترقتْعنْ يوسفِ الحسنِ حتَّى استجمعتْ فيهِ
وقال آخر:
مُستقبلٌ بالَّذي يهوَى وإنْ كثرتْمنهُ الإساءةُ معذورٌ بما صنعَا
في وجههِ شافعٌ يمحُو إساءتَهُمنَ القلوبِ وجيهٌ حيثُ ما شفعَا
وأنشدني بعض إخواننا:
يا مَنْ أراهُ أحقَّ بِي منِّيإنْ غبتُ عنكَ فلمْ تغبْ عنِّي
أغفلْتَنِي لمَّا اعتللتُ ولمْيكُ ذاكَ منكَ يدورُ في ظنِّي
وأمرُّ ما ذاقَ امرؤٌ فهِمٌما جاءهُ مِن موضعِ الأمنِ
كنْ كيفَ شئتَ فما منَحْتُكَهُصفوٌ بلا كدرٍ ولا منِّ
وقال كثيِّر:
أسيئِي بنا أوْ أحسنِي لا مَلولةًلدينا ولا مقليَّةً إنْ تقلَّتِ
أصابَ الرَّدى مَن كانَ يهوَى لكِ الرَّدىوجُنَّ اللَّواتي قلنَ عزَّةُ جُنَّتِ
خليليَّ هذا رسمُ عزَّةَ فاعْقِلاقلوصَيْكُما ثمَّ ابْكِيا حيثُ حلَّتِ
وقال آخر:
إنَّ الهوانَ هو الهوَى نقضُ اسمهِفإذا هويتَ فقدْ لقيتَ هوانَا
وإذا هويتَ فقدْ تعبَّدكَ الهوَىفاخضعْ لإلفكَ كائناً مَنْ كانا
وقال آخر:
صفحتُ برغمِي عنكَ صفحَ ضرورةٍإليكَ وفي قلبِي ندوبٌ منَ العتبِ
خضعتُ وما ذنبِي إنَّما الحبُّ عزَّنِيفأَغضيتُ ضُعفاً عنْ معالجةِ الحبِّ
وما ذاكَ بِي فقرٌ إليكَ مُنازعٌيُذلِّلُ منِّي كلَّ ممتنعٍ صعبِ
إلى اللهِ أشكُو أنَّ ودِّي مُضيَّعٌوقلبِي جميعٌ عندَ مقتسمِ القلبِ
وقالت امرأة من الأعراب:
بنفسِي وأهلِي مَن لَوَ انِّي أتيتهُعلَى البحرِ فاستسقيتُهُ ما سقانِيَا
ومَن لوْ رأَى الأعداءَ ينتَضِلونَنِيلهمْ غرضاً يرمونَنِي لرَمانِيا
ومَن قدْ عصيتُ النَّاسَ فيهِ جماعةًوصرَّمتُ خُلاَّني لهُ وجفانِيَا
فيا أخويَّ اللائِمَيَّ علَى الهوَىأُعيذُكما باللهِ منْ مثلِ ما بِيَا
سألتُكُما باللهِ لِمَّا جعلتُمامكانَ الأذَى واللَّومِ أنْ ترثيا لِيَا
ولا تغْفَلا إنْ لامَنِي ثَمَّ لائمٌولو سخطَ الواشونَ أنْ تعذُرانِيا
فأُقسمُ لو خُيِّرتُ بينَ فراقهِوبينَ أبِي اخترتُ أنْ لا أبا لِيَا
ثكلتُ أبي إنْ كنتُ ذُقتُ كريقهِلشيءٍ ولا ماءً منَ المزنِ صافِيَا
وقال كثيّر:
وقائلةٍ دعْ وصلَ عزَّةَ واتَّبعْمودَّةَ أُخرى وابلُها كيفَ تصنعُ
أراكَ عليها في المودَّةِ زارِياًوما نلتَ منْها طائلاً حيثُ تسمعُ
فقلتُ ذَريني بئسَ ما قلتِ إنَّنيعلَى البخلِ منها لا علَى الجودِ أتْبعُ
وقال البحتري:
أميلُ إليكَ عنْ ودٍّ قريبٍفتُقصيني علَى النَّسبِ البعيدِ
فما ذنبي بأنْ كانَ ابنُ عمِّيسواكَ وكانَ عودُكَ غيرَ عودي
وفي عينيكَ ترجمةٌ أراهاتدلُّ علَى الضَّغائنِ والحُقودِ
وأخلاقٍ عَهدْتُ اللِّينَ فيهاغدتْ وكأنَّها زُبرُ الحديدِ
وقد عاقدْتَني بخلافِ هذاوقال الله أوْفوا بالعقودِ
وما ليَ قوَّةٌ تنهاكَ عنِّيولا آوي إلى رُكنٍ شديدِ
سأرحلُ عاتباً ويكونُ عتبيعلَى غيرِ التَّهدُّدِ والوعيدِ
وأحفظُ منكَ ما ضيَّعتَ منِّيعلَى رَغمِ المُكاشحِ والحسودِ
هذا الكلام وإن كان فيه شيء من التَّواضع والاستكانة فإنَّ فيه ضرباً من الضَّجر الدَّاعي إلى الخيانة لأنَّ صاحبه لم يصبر على التَّذلُّل نفسه على ما صبر عليه من بدأنا بذكره.
وفي نحو هذا المعنى قول الآخر:
فإنْ يكُ هذا منكَ جدّاً فإنَّنيمُداوي الَّذي بيني وبينكَ بالهجرِ
ومُنصرفٌ عنكَ انصرافَ ابنِ حرَّةٍطوى ودَّهُ والطَّيُّ أبقى علَى النَّشرِ
وفي مثله يقول البحتري:
وكنتُ أرى أنَّ الصُّدودَ الَّذي مضىدلالٌ فما إنْ كانَ إلاَّ تجنُّبا
فوا أسفا حتَّامَ أسألُ مانِعاًوآمنُ خوَّاناً وأُعتبُ مُذنبا
سأثْني فؤادي عنكِ أو أتبعُ الهوَىإليكِ إنِ استعصى فؤادي أوْ أبى
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه في نحوه:
ما لي أُقرِّبُ منكَ نفسي جاهداًوأراكَ منِّي جاهداً تتباعدُ
قدَّمتَ دونَ أخيكَ من هو دونهُوعندْتَ عنهُ وهوَ منكَ يُعاندُ
أيأستني بعدَ الرَّجاء فمنْ ترىيرجوكَ بعدي أوْ عليكَ يُحاسدُ
أمْ كيفَ يأملُ منكَ يوماً صالحاًأحدٌ ورأيكَ فيَّ رأيٌ فاسدُ
وقال ابن حازم في نحو ذلك:
لا ترضَ عيشاً علَى امتهانولا تردْ وصلَ ذي امتنانِ
أشدُّ منْ عَيلةٍ وفقرٍإغضاءُ حُرٍّ علَى هوانِ
إذا نبا منزلٌ بحُرٍّفمنْ مكانٍ إلى مكانِ
وهؤلاء كلُّهم ومن جرى في هذا القول مجراهم إنَّما يتضاجرون على خلاَّنهم لثقلهم إيَّاهم عن عاداتهم ومنعهم إيَّاهم ما استعبدوه من مواصلاتهم لتغلُّب الحيرة على قلوبهم يحسبون أنَّ انحرافهم عن أحبابهم أقلُّ أذًى عليهم من الصبر لهم على محبَّاتهم ولو قد أنفذوا ما عزموا عليه من الفراق والهجر لشاهدوا ما يضطرُّهم إلى الرُّجوع بالصِّغر والتَّوسل إلى الصَّفح بالعذر ما لم يسمع الَّذي يقول:
مزحتَ بالهجرِ ولا علمَ ليأنَّكَ مُشتاقٌ إلى الهجرِ
فلا يضقْ عفوُكَ عن تائبٍتضيقُ عنهُ سعةُ العُذرِ
وفي مثل ذلك يقول الآخر:
يا بيتَ خنساءَ الَّذي أتجنَّبُذهبَ الزَّمانُ وحبُّها لا يذهبُ
ما لي أحنُّ إذا جِمالكِ قرَّبتْوأصدُّ عنكِ وأنتِ منِّي أقربُ
لله درُّكِ هلْ لديكِ مُعوَّلٌلِمُكلَّفٍ أمْ هلْ لودِّكِ مطلبُ
وفي نحو ذلك يقول البحتري:
رحلتُ عنكَ رحيلَ المرء عن وطنهْورحلةَ السَّكنِ المشتاقِ عن سكنِهْ
فإنْ تحمَّلتُ صبراً عنكَ أوْ مُنيتْنفسي به فهو صبرُ الطَّرفِ عن وسنِهْ
ولبعض الأعراب في مثل ذلك:
وإنِّي وإنْ لم آتِ ليلى وأهلهالَباكٍ علَى ليلى بُكا ذي التَّمائمِ
بُكاً ليسَ بالنَّزرِ القليلِ ودائمٌكما الهجرُ من ليلى علَى الوصلِ دائمُ
هجرتُكِ أياماً بذي العُمرِ إنَّنيعلَى هجرِ أيامي بذي العُمرِ نادِمِ
فلمَّا مضتْ أيَّامُ ذي العمرِ وارتمىبيَ الهجرُ لامتني عليكِ اللَّوائمُ
وإنِّي وذاكَ الهجرُ لو تعلمينهُكَمَاذيةٍ عن طفلها وهيَ رائمُ
ألمْ تعلمي أنِّي أهيمُ بذكركُمْعلَى حينِ لا يبقى علَى الوصلِ دائمُ
أظلُّ أُمنِّي النفسَ إيايَ خالياًكما يتمنَّى باردَ الماء صائمُ
ولقد أحسن العباس بن الأحنف حيث يقول:
لا بدَّ للعاشقِ من وقفةٍتكونُ بينَ الوصلِ والصَّرْمِ
حتَّى إذا الهجرُ تمادى بهراجعَ من يهوى علَى رغمِ
وأحسن أيضاً في قوله:
العاشقانِ كلاهما مُتعتِّبُوكلاهما مُتذلِّلٌ مُتغضِّبُ
صدَّتْ مُراغمةً وصدَّ مُراغماًوكلاهما ممَّا يُعالجُ مُتعبُ
راجعْ أحبَّتكَ الذين هجرتهمإنَّ المُتيَّمَ قلَّ ما يتجنَّبُ
إنَّ الصُّدودَ إذا تمكَّنَ منكمادبَّ السُّلوُّ لهُ فعزَّ المطلبُ
ولبعض أهل هذا العصر:
يا مُتُّ قبلكَ طالَ الحُزنُ والأسفُوجاوزَ الشَّوقُ بي حدَّ الَّذي أصِفُ
قلبي إليكَ مع الهجرانِ مُنعطفٌوأنتَ عنِّي رخيُّ البالِ مُنحرفُ
فإنْ تكنْ عن إخائي اليومَ مُنصرفاًفاللهُ يعلمُ ما لي عنكَ مُنصرفُ
هَبْني اعترفتُ بأنِّي لستُ ذا شغفٍألمْ يكنْ كمدي أن لستُ أنتصفُ
كمْ قد كذبتُ علَى قلبي فكذَّبنيطولُ الحنينِ وعينٌ دمعها يكفُ
إن كنتَ يوماً مُقيلي زلَّةً سلفتْفالآنَ من قبلِ أن يُغرى بيَ التَّلفُ
اللهَ اللهَ في نفسي فقدْ عطِبتْوليسَ في قيلها من شُكرها خلفُ
قد ذلَّلَ الشَّوقُ قلبي فهوَ مُعترفٌإنَّ التَّذلُّلَ في حكم الهوَى شرفُ
فاعملْ برأيكَ لا أدعوك مُعتدياًولا أقولُ لشيءٍ قُلتهُ سرفُ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع