تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)

الباب الثاني: العقل عند الهوَى أسيرٌ والشَّوق عليهما أميرٌ

قال جالينوس العشق من فعل النفس وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد وفي الدماغ ثلاثة مساكن التَّخييل وهو في مقدم الرأس والفكر وهو في وسطه والذِّكر وهو في مؤخره وليس يكمل لأحدٍ اسم عاشق إلاَّ حتَّى إذا فارق من يعشقه لم يخلُ من تخييله وفكره وذكره وقلبه وكبده فيمتنع عن الطعام والشراب باشتغال الكبد ومن النوم باشتغال الدماغ والتَّخييل والذِّكر له والفكر فيه فيكون جميع مساكن النفس قد اشتغلت به فمتى لم يشتغل به وقت الفراق لم يكن عاشقاً فإذا لقيه خلت هذه المساكن ولعمري لقد أحسن فيما وصف واحتجَّ لما قال فانتصف غير أَنه ذكر حال العشق وحده وترك ذكر أحوال ما قبله وأحوال ما بعده وذلك أنَّ الأحوال الَّتي تتولد عن السماع والنظر مختلفة في باب العظم والصِّغر ولها مراتب فأول ما يتولد عن النظر والسماع الاستحسان ثمَّ يقوى فيصير مودَّة والمودَّة سبب الإرادة فمن ودَّ إنساناً ودَّ أن يكون له خلاًّ ومن ودَّ غرضاً ودَّ أن يكون له مُلكاً ثمَّ تقوى المودَّة فتصير محبَّة والمحبَّة سبباً للطاعة.

وفي ذلك يقول محمد الوراق:

تعصِي الإلهَ وأنتَ تُظهرُ حبَّهُهذا محالٌ في القياسِ بديعُ
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «تعصي الإله وأنت تظهر حبه»
لو كانَ حبُّكَ صادقاً لأَطعتَهُإنَّ المحبَّ لمنْ أحبَّ مُطيعُ
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «تعصي الإله وأنت تظهر حبه»

ثمَّ تقوى المحبَّة فتصير خُلَّة والخلَّة بين الآدميين أن تكون محبَّة أحدهما قد تمكَّنت من صاحبه حتَّى أسقطت السرائر بينه وبينه فصار متخلِّلاً لسرائره ومطَّلعاً على ضمائره.

وفي هذا النحو يقول بعض أهل هذا العصر:

فلا تهجرْ أخاكَ بغيرِ ذنبٍفإنَّ الهجرَ مفتاحُ السُّلوِّ
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «فلا تهجر أخاك بغير ذنب فإن»
إذا كتمَ الخليلُ أخاهُ سرّاًفما فضلُ الصَّديقِ علَى العدوِّ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «فلا تهجر أخاك بغير ذنب»

ويقال إنَّ الخلَّة بين الآدميين مأخوذة من تخلُّل المودَّة بين اللَّحم والعظم واختلاطهما بالمخ والدم وهذا المعنى غير مخالف للأول بل هو أوضح سبب له لأن من حلَّ من النفس هذا المحل لم يستبدَّ عنه بأمر ولم يستظهر عليه بسرّ.

وقد أنشدنا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في هذا النحو:

تغلغلَ حبُّ عَثمةَ في فؤادِيفباديهِ معَ الخافِي يسيرُ
للشاعر عبيد الله بن مسعود الهذلي، اقرأ القصيدة
تغلغلَ حيثُ لمْ يبلغْ شرابٌولا حزنٌ ولمْ يبلغْ سرورُ
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «صدعت القلب ثم ذررت فيه»

ثمَّ تقوى الخلَّة فتوجب الهوَى والهوَى اسم لانحطاط المحب في مَحابِّ المحبوب وفي التوصُّل إليه بغير تمالك ولا ترتيب.

أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى:

وإنَّ امرءاً يهوِي إليكِ ودونهُمنَ الأرضِ مَوْماةٌ وبيداءُ خَيْفقُ
لمحقوقةٌ أنْ تستجيبي لصوتهِوإنْ تعلَمِي إنَّ المعينَ موفَّقُ
للشاعر الأعشى، من قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق»

ثمَّ تقوى الحال فيصير عشقاً والعاشق يمنعه من سرعة الانحطاط في هوى معشوقه إشفاقه عليه وضنُّه به حتَّى أنَّ إبقاءه عليه ليدعوه إلى مخالفته وترك الإقبال عليه فمن النَّاس من يتوهَّم لهذه العلَّة أنَّ الهوَى أتمُّ من العشق وليس الأمر كذلك ثمَّ يزداد العشق فيصير تتْيِيماً وهو أن تصير حال المعشوق مستوفية للعاشق فلا يكون فيه معها فضل لغيرها ولا يزيد بقياسه شيئاً إلاَّ وجدته متكاملاً فيها.

وفي مثل هذا المعنى يقول أبو الشيص:

وقفَ الهوَى بِي حيثُ أنتِ فليسَ لِيمُتأخَّرٌ عنهُ ولا مُتقدَّمُ
للشاعر ابن أبي الخصال، اقرأ القصيدة
أجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةًحبّاً لذكركِ فليلُمْنِي اللُّوَّمُ
للشاعر حسن كامل الصيرفي، من قصيدة «كان التنقل في الغرام يلذ لي»
أشبهتِ أعدائِي فصرتُ أُحبُّهمْإذ كانَ حظِّي منكِ حظِّي منهمُ
للشاعر ابن سهل الأندلسي، من قصيدة «وقف الهوى لي حيث أنت فليس لي»
وأَهنتِنِي فأهنتُ نفسِي جاهداًما مَنْ يهونُ عليكِ ممَّنْ أُكرمُ
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

ولو لم يقل أبو الشيص في عمره بل لو لم يقل أحد من أهل عصره غير هذه الأربعةِ الأبيات لكانوا مقصرين وإذا كانت كل خواطر العشَّاق فيما يتمنَّاه واقعة ممَّن يهواه على الأمر الَّذي يرضاه فهذه في المشاكلة الطبيعية الَّتي لا يفنيها مرُّ الزَّمان ولا تزول إلاَّ بزوال الإنسان وإذا صحَّ هذا المذهب لم يعجب من أن يميل الإنسان إلى الإنسان بخلَّة أوْ خلَّتين فإذا زالت العلَّة زال الهوَى فلا يزال المرابط متنقِّلاً إلى أن يصادف من يجتمع فيه هواه فحينئذ يرضاه فلا ينعطف عنه إلى أحد سواه.

ولبعض أهل هذا العصر في هذا المعنى:

أيا زاعماً أنِّي لهُ غيرُ خالصِوأنِّي موقوفٌ علَى كلِّ قانصِ
كمَا أنتَ فانظرْ في وفائكَ خالصاًتراهُ لمنْ يهواكَ أمْ غيرَ خالصِ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أيا زاعما أني له غاير خالص»
فحينئذٍ فارجعْ بما تستحقُّهُعليَّ وطالبني إذاً بالنَّقائصِ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أيا زاعما أني له غاير خالص»
سأعرضُ نفسِي يمنةً وشآمةٌعلَى كلِّ ثاوٍ في البلادِ شاخصِ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أيا زاعما أني له غاير خالص»
إلى أن أرَى شكلاً يصونُ مودَّتِيفحينئذٍ أغلُو علَى كلِّ غائصِ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أيا زاعما أني له غاير خالص»
أمثلِي يخونُ العهدَ عنْ غيرِ حادثٍرمانِي إذاً ربي بحتفٍ مُغافصِ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أيا زاعما أني له غاير خالص»

ثمَّ يزداد التَّتييم فيصير ولهاً والوله هو الخروج عن حدود الترتيب والتَّعطُّل عن أحوال التَّمييز حتَّى تراه يطلب ما لا يرضاه ويتمنَّى ما لا يهواه ثمَّ لا يحتذي مع ذلك مثالاً ولا يستوطن حالاً.

وقد قال حبيب بن أوس الطائي في نحو هذا:

ولَّهَتهُ العُلى فليسَ يعدُّ البؤسَ بؤساً ولا النَّعيمَ نعيماً

والشَّوق تابع لكلِّ واحدة من هذه الأحوال والمستحسن يشتاق إلى ما يستحسنه على قدر محلِّه من نفسه ثمَّ كلَّما قويت الحال قوي معها الاشتياق فالحبّ وما أشبهه يتهيَّأ كتمانه فإذا بلغت الاشتياق بطل الكتمان.

وفي مثل ذلك يقول يزيد بن الطثرية:

أعِيبُ الَّذي أهوَى وأُطرِي جوارياًيرينَ لها فضلاً عليهنَّ بيِّنا
برغمِي أُطيلُ الصَّدَّ عنها إذا بدتْأُحاذرُ أسماعاً عليها وأعيُنا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ألا طرقت ليلى فأحزن ذكرها»
فدْ غضبتْ أنْ قلتُ أنْ ليس حاجتِيإليها وقالتْ لمْ يُردْ أنْ يحبَّنا
وهلْ كنتُ إلاَّ مُعمَداً قانطَ الهوَىأسرَّ فلمَّا قادهُ الشَّوقُ أعلَنا
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ألا طرقت ليلى فأحزن ذكرها»
أتانِي هواها قبلَ أنْ أعرفَ الهوَىفصادفَ قلبِي خالياً فتمكَّنا
للشاعر أبو الهدى الصيادي، من قصيدة «أهيم بخود عندها القلب قد فنى»

ولعمري إنَّ هذا لمن نفيس الكلام غير أنَّ في البيت ضعفاً وذلك أنَّه جعل سبب تمكُّن الهوَى من قلبه أنَّه صادفه خالياً لم يسبقه إليه غيره وليست هذه من أحوال أهل التَّمام إذ كلُّ من صادف محلا لا يدافع عنه لم يتعذر عليه طريق التَّمكُّن منه.

وقد قال بعض أهل هذا العصر:

وقدْ كانَ يسبِي القلبَ في كلِّ ليلةٍثمانونَ بلْ تسعونَ نفساً وأرجحُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «وقد كان يسبي القلب في كل ليلة»
يهيمُ بهذا ثمَّ يعشقُ غيرهُويسلاهمُ مِنْ فورهِ حينَ يصبحُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «وقد كان يسبي القلب في كل ليلة»
وكانَ فؤادِي صاحياً قبلَ حبِّكمُوكانَ بحبِّ الخلقِ يلهُو ويمزحُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «وقد كان يسبي القلب في كل ليلة»
فلمَّا دعَا قلبِي هواكَ أجابهُفلستُ أراهُ عنْ ودادكَ يبرحُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «وقد كان يسبي القلب في كل ليلة»
رُميتُ بهجرٍ منكَ إنْ كنتُ كاذباًوإنْ كنتُ في الدُّنيا بغيركَ أفرحُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «وقد كان يسبي القلب في كل ليلة»
وإنْ كانَ شيءٌ في البلادِ بأسرِهاإذا غبتَ عنْ عينيَّ عندِي يملحُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «وقد كان يسبي القلب في كل ليلة»
فإنْ شئتَ واصِلْنِي وإنْ شئتَ لمْ تصلْفلستُ أرَى قلبِي لغيركَ يصلحُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «وقد كان يسبي القلب في كل ليلة»

فالمحبَّة ما دامت لهواً ونظراً فهي عذبة المبتدأ سريعة الانقضاء فإذا وقعت مرتَّبة على التَّمام في المصافاة تعذَّرت قدرة القلب على هواه فحينئذ تضلُّ أفهام المتميزين وتبطل حيل المتفلسفين.

وفي نحو ذلك يقول بعض الظرفاء:

طوَى شَجَنا في الصَّدرِ فالدَّمعُ ناشرُهْفإنْ أنتَ لمْ تعذرهُ فالشَّوقُ عاذرُهْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «طوى شجنا في الصدر فالدمع ناشره»
هوًى عذبتْ منهُ مواردُ بدرهِفلمَّا نمَى أعيتْ عليهِ مصادرُهْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «طوى شجنا في الصبر فالدمع ناشره»

وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى لامرأة من قيس:

وما كيِّسٌ في النَّاسِ يُحمدُ رأيهُفيوجدُ إلاَّ وهوَ في الحبِّ أحمقُ
للشاعر أبو العيناء، من قصيدة «وما كيس في الناس يحمد رأيه»
وما مِنْ فتًى ما ذاقَ بؤسَ معيشةٍفيعشقُ إلاَّ ذاقَها حينَ يعشقُ

وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير:

ورمَى الهوَى منَّا القلوبَ بأسهمٍرميَ الكُماةِ مَقاتلَ الأعداءِ
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
ومنَ العجائبِ قتلهُ لكرامِنَاوشِدادِنا بمكائدِ الضُّعفاءِ
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة

وقال أبو دلف:

الحربُ تضحكُ عنْ كرِّي وإقدامِيوالخيلُ تعرفُ آثارِي وأقدامِي
سيفِي مدامِي ورَيْحانِي مُثقفةٌوهمَّتي مِقَةُ التَّقصيمِ للهامِ
وقدْ تجرَّدَ لي بالحسنِ مُنفرداًأمضَى وأشجعُ منِّي يومَ إقدامِي
سلَّتْ لواحظهُ سيفَ السَّقامِ علَىجسمِي فأصبحَ جسمِي رَبعَ أسقامِ

وقال آخر:

ألا قاتلَ اللهُ الهوَى كيفَ يقتلُوكيفَ بأكبادِ المحبِّينَ يفعلُ
فلا تعذُلنِّي في هوايَ فإنَّنيأرَى سَورةَ الأبطالِ في الحبِّ تبطلُ

وقال آخر:

الحبُّ يتركُ مَنْ أحبَّ مدَلَّهاًحيرانَ أوْ يقضِي عليهِ فيسرعُ
الحبُّ أهونهُ شديدٌ فادحٌيهنُ القويَّ منَ الرِّجالِ فيصرعُ
مَنْ كانَ ذا حزمٍ وعزمٍ في الهوَىوشجاعةٍ فالحبُّ منهُ أشجعُ

وقال النابغة الذبياني:

لوْ أنَّها عرضتْ لأشمطَ راهبٍيدعُو الإلهَ صرورةٍ مُتعبِّدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»
لرَنَا لبهجتِها وحسنِ حديثِهاولخالَهُ رشَداً وإنْ لمْ يرشدِ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»
أسعُ البلادَ إذا أتيتكِ زائراًوإذا هجرتكِ ضاقَ عنِّي مَقعدِي

وأنشدتني أعرابية بالبادية:

تبصَّرْ خليلِي هلْ ترَى بينَ وائشٍوبينَ أحَيٍّ مِنْ ظعائنَ كالأثْلِ
ظعائنُ يَسلبنَ الفتَى الغرَّ عقلهُوذا الأهلِ حتَّى لا يُبالِيَ بالأهلِ

وقال آخر:

أروحُ ولمْ أُحدثْ لليلى زيارةًلبئسَ إذاً راعِي المودَّةِ والوصلِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أروح ولم أحدث لليلى زيارة»
ترابٌ لأهلِي لا ولا نعمةٌ لهمْلشدَّ إذنْ ما قدْ تعبَّدنِي أهلِي
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أروح ولم أحدث لليلى زيارة»

وقال ماني:

مُكتئبٌ ذُو كبدٍ حرَّىتبكِي عليهِ مقلةٌ عبرَى
للشاعر عبد الصمد بن المعذل، اقرأ القصيدة
يرفعُ يمناهُ إلى ربِّهِيدعُو وفوقَ الكبدِ اليسرَى
للشاعر ماني المُوَسوَس، اقرأ القصيدة
يبقَى إذا كلَّمتهُ باهتاًونفسهُ ممَّا بهِ سكرَى
للشاعر ماني المُوَسوَس، اقرأ القصيدة
تحسبهُ مُستمعاً ناصتاًوقلبهُ في أُمَّةٍ أُخرَى
للشاعر ماني المُوَسوَس، اقرأ القصيدة

وقال غيره وهو مجنون بني عامر:

وشُغلتُ عنْ فهمِ الحديثِ سوَىما كانَ فيكِ وحبُّكمْ شُغلِي
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وشغلت عن فهم الحديث سوى»
وأديمُ نحوَ مُحدِّثي نظَرِيأنْ قدْ فهمتُ وعندكمْ عقلِي
للشاعر أبو بكر الشبلي، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

مَنْ كانَ لمْ يدرِ ما حبٌّ وصفتُ لهُإنْ كانَ في غفلةٍ أوْ كانَ لمْ يجدِ
الحبُّ أوَّلهُ روعٌ وآخرهُمثلُ الحرارةِ بينَ القلبِ والكبدِ

وقال الحسين بن مطير الأسدي وهو من جيد ما قيل في معناه:

قضَى اللهُ يا أسماءُ أنْ لستُ زائلاًأُحبُّكِ حتَّى يغمضَ العينَ مُغمضُ
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
فحبُّكِ بلوَى غيرَ أنْ لا يسرُّنيوإنْ كانَ بلوَى أنَّني لكِ مُبغضُ
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
إذا ما صرفتُ القلبَ في حبِّ غيرِهاإذاً حبُّها مِنْ دونهِ يتعرَّضُ
فيا ليتَني أقرضتُ جَلداً صبابَتيوأقرَضَني صبراً علَى الشَّوقِ مُقرضُ
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

أما قوله فحبُّك بلوَى فكلام قبيح المعنى وذلك أنَّه كان صادقاً في هواها مختاراً لها على ما سواها فقد أتى على نفسه إذ جعل اختياره مضرّاً بقلبه وإن كان لم يدخل في الهوَى مختاراً وإنَّما وقع به اضطراراً فقد أخطأ إذ سمَّى ما هو موجودٌ في طبعه مفارقٌ لنفسه باسم البلوى الَّتي تعرض له وتنصرف عنه وأمَّا إخباره بأنَّه لا يسرُّ بأن يكون مبغضاً لها فكلامٌ لو سكت عنه كان أولى أو أن يكفّه أنَّه مُبتلًى عند نفسه بهواها حتَّى يريد مع ذلك أن يكون مبغضاً مائلاً إلى سواها غير أنِّي أرجع إلى من ملكه الإشفاق وغلب على قلبه الاشتياق عذراً بأن يُظهر ما يضمر سواه ويتمنَّى لنفسه غير ما يهواه ألم يسمع الَّذي يقول:

مِنْ حبِّها أتمنَّى أنْ يُلاقينِيمِنْ نحوِ بلدتِها ناعٍ فينْعَاها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «من حبها أتمنى أن يلاقيني»
كيْما أقولَ فراقٌ لا التقاءَ لهُوتُضمرُ النَّفسُ يأساً ثمَّ تسلاها

وهذا لعمري سرفٌ شديد وطريق الاعتذار لقائله بعيد وأقرب منه قول أبي الوليد بن عبيد الطائي:

مُقيمٌ بأكنافِ المصلَّى تصيدُنيلأهلِ المصلَّى ظبيةٌ لا أصيدُها
للشاعر البحتري، من قصيدة «سواي مرجي سلوة أو مريدها»
أُريدُ لنفسِي غيرَها حينَ لا أرَىمُقاربةً منها ونفسي تريدُها
للشاعر البحتري، من قصيدة «سواي مرجي سلوة أو مريدها»

وهذا الكلام أيضاً حسن الظَّاهر قبيح الباطن وذلك أنَّه يعبِّر عن صاحبته أنَّه إنَّما يريدها ما دامت تواصله فإذا هجرته انصرف عنها قلبه إلاَّ أنَّه وإن كان مقصِّراً في هذا البيت فما قصَّر في قوله:

يهواكَ لا أنَّ الغرامَ أطاعهُحتماً ولا أنَّ السُّلوَّ عصاهُ
مُتخيِّرٌ ألفاكَ خيرةَ نفسهِممَّن نآهُ الودُّ أوْ أدناهُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أرج لريا طلة رياه»

وهذا ضد قول أبي علي البصير:

لوْ تخيَّرتُ ما عشقتُ ولوْ مُلِّكتُ أمرِي عرفتُ وجهَ الصَّوابِ

وأقبح من هذا القول الَّذي يقول:

إنَّ الَّذي بعذابِي ظلَّ مُفتخراًهلْ كنتَ إلاَّ مليكاً جارَ إذ قدرَا
لولا الهوَى لتَحَاربْنا علَى قدرٍوإن أُفقْ يوماً ما فسوفَ ترَى

هذا يتوعد محبوبه بالعقاب وهو أسير في يده يجري عليه حكمه وينفذ فيه فكيف لو قد ملك نفسه وقدر على الإنصاف من خصمه هذه حالٌ لا يُخبر بها عن نفسه إلاَّ من قد غُلب على عقله أو تحيَّر في أمره وقد قال جميل في قريبٍ من هذا المعنى قولاً مليحاً وإن لم يكن معناه عندنا صحيحاً وهو:

فيا ربِّ حبَّبْني إليها وأعطِنِي المودَّةَ منها أنتَ تُعطي وتمنعُ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «إلى الله أشكو لا إلى الناس حبها»
وإلاّ فصبِّرني وإنْ كنتُ كارهاًفإنِّي بها يا ذا المعارجِ مولعُ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أهاجك أم لا بالمداخل مربع»

وللمجنون ما هو أقبح منه:

فيا ربِّ سوِّ الحبَّ بيني وبينهاكَفافاً فلا يرجحْ لليلَى ولا ليَا
وإلاّ فبغِّضْها إليَّ وأهلَهاتكنْ نعمةً ذا العرشِ أهديتَها ليَا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»

وأنشدني أبو العباس محمد بن يزيد النحوي ليزيد بن الطثرية في ضد هذا المعنى:

يقولونَ صبراً يا زيدُ إذا نأتْويا ربِّ لا ترزقْ علَى حبِّها صبرَا

فهذا يختار لنفسه البلاء ضنّاً بمحلِّها من الهوَى ولعمري إنَّ هذه لحالٌ وكيدةٌ وإنَّها لو فارقته حتَّى يرى نفسه بعين الحريَّة من ملكها لانتقل عن رأيه وندم على وفائه وقد حدَّثتني مريم الأسدية قالت سمعت امرأة عقيليَّة تقول وهي على بعير لها تسير:

سُقينا سُلوةً فَسَلا كِلاناأراكَ اللهُ نعمةَ مَنْ سقانا

قالت مريم فسألتها عن خَبالها فقالت كنت أهوى ابن عمٍ لي ففطن بي بعض أهلي فسقوني وإيَّاه شيئاً فسلا كل واحد منا عن صاحبه وهذه حالٌ قلَّ ما يقع مثلها وهي ألطف محلاًّ من كل ما ذكرناه وما نذكره بعدها لأنّا إنَّما نصف من آثر المقام مع من يهواه على السلوّ عنه والرَّاحة من أذاه وهو بعد مقيمٌ في هواه وصاحبة هذا البيت قد سلت عن محبوبها وإنَّما تأسَّى على العشق لا على المعشوق وفي مثل هذا المعنى يقول بعض الهذليين:

إذا ما سألتُكَ وعْداً تُريحُبهِ مُهجتي فأنا المُستريحُ
فلا تُعطني الوعدَ خوفَ السُّلوِّفإنِّي علَى حسراتي شحيحُ
أحَبُّ إليَّ من الصَّبرِ عنكَفُؤادٌ قريحٌ وقلبٌ جريحُ

ولقد أحسن الوليد بن عبيد حيث يقول:

ويُعجبني فَقري إليكَ ولمْ يكنْلِيُعجبني لولا محبَّتكَ الفَقرُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «متى لاح برق أو بدا طلل قفر»
وما ليَ عذرٌ في جُحودكَ نعمةًولو كان لي عذرٌ لما حسُنَ العذرُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «متى لاح برق أو بدى طلل قفر»

وأحسن الَّذي يقول:

وما سرَّني أنِّي خليٌّ مِنَ الهوَىعلَى أنَّ لي ما بينَ شرقٍ إلى غربِ
فإنْ كانَ هذا الحبُّ ذنبي إليكُمُفلا غفرَ الرَّحمانُ ذلكَ من ذنبِ

وأحسن أيضاً الَّذي يقول:

أحببتُ قلبي لمَّا أحبَّكمُوصارَ رأيي لِرأيهِ تبعا
ورُبَّ قلبٍ يقولُ صاحبهُتَعْساً لقلبي فبئسَ ما صنعا

وأنشدني أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار لجميل بن معمر:

خليليَّ فيما عِشتما هلْ رأيتُماقتيلاً بكى من حبِّ قاتلهِ قبلي
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي»
فلوْ تركتْ عقلي معي ما تبعتُهاولكنْ طِلابيها لما فاتَ من عقلي
للشاعر جميل بن معمر، من قصيدة «يقولون مهلا يا جميل و إنني»

وهذا المعنى الَّذي في البيت الثاني داخل فيما عينَّاه من أنَّ من أقبل على من يهواه ما دام مفتقراً إليه فليست له في ذلك منَّةٌ عليه وحدثني أبو العباس أحمد بن يحيى النَّحويّ عن أبي سعيد عن القرويّ قال حدثني أخي عمران بن موسى قال أخبرني بعض أصحابنا أنَّ المجنون لما تغوَّل كان لا يؤخذ منه الشعر إلاَّ أن يجلس الرجل قريباً منه فينشد النَّسيب فيرتاح إليه فإذا سمع ذلك أنشد قال فجلس إلى جنبه رجلٌ فأنشده بيتاً من النَّسيب فقال ما أحسن هذا ثمَّ أنشده:

عجبتُ لِذاكَ عُروةَ كيفَ أضحىأحاديثاً لقومٍ بعدَ قومِ
وعروةُ ماتَ موتاً مُستريحاًوها أنذا أموَّتُ كُلَّ يومِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «عجبت لعروة العذري أمسى»

وأنشدني بعض الأدباء للمجنون أيضاً:

أراني إذا صلَّيتُ يمَّمْتُ نحوهاأمامي وإنْ كانَ المصلَّى ورائيا
وما بيَ إشراكٌ ولكنَّ حبَّهامكانَ الشَّجى أعْيا الطَّبيبَ المُداويا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»
أُصلِّي فما أدري إذا ما ذكرتهاأثنْتَيْنِ صلَّيتُ الضُّحى أمْ ثمانيا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي بالزرق الرسوم الخواليا»
وما جئْتها أبغي شفائي بنظرةٍفأبصرتُها إلاَّ انصرفتُ بدائيا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «تذكرت ليلى والسنين الخواليا»

وأنشدني بعض الكتاب لنفسه:

ولي فؤادٌ إذا طالَ السَّقامُ بهِهامَ اشتياقاً إلى لُقيا مُعذِّبهِ
يفديكَ بالنَّفس صبٌّ لو يكونُ لهُأعزُّ من نفسهِ شيءٌ فداكَ بهِ
للشاعر الوأواء الدمشقي، من قصيدة «يا من تجنبت صبري في تجنبه»

النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كتاب الزهرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.