تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)

الباب الرابع: ليس بلبيبٍ من لم يصف ما به لطبيبٍ

قال أنو شروان لبزرجمهر متى يكون العييُّ بليغاً فقال إذا وصف هوًى أو حبيباً وقيل لبعض أهل هذا العصر متى يكون البليغ عييّاً فقال إذا سئل عمَّا يتمنَّاه أو شكا ما به إلى من يهواه وقال:

ما يعلمُ الله أنِّي مذْ هويتكمُأطيقُ إظهارَ ما ألقاهُ باللَّفظِ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «ما يعلم الله أني مذ هويتكم»
كمْ قدْ تحفَّظتهُ حتَّى إذا نظرتْعينِي إليكِ أزالتْ هَيْبتي حِفظِي
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «ما يعلم الله أني مذ هويتكم»

وقال بعض الأدباء في مثل ذلك:

أُفكِّرُ ما أقولُ إذا الْتقيناوأُحكمُ دائباً حُججَ المقالِ
فترتعدُ الفرائصُ حينَ تبدُووأنطقُ حينَ أنطقُ بالمحالِ

وقال آخر:

أتيتُ معَ الحدَّاثِ ليلَى فلمْ أقلْوأخليتُ فاستعجمتُ عندَ خلائِي
وجئتُ فلمْ أنطقْ وعدتُ فلمْ أحِرْجواباً كلاَ اليومينِ يومُ عنائِي
فيا عجباً ما أشبهَ اليأْسَ بالغِنَىوإنْ لمْ يكونا عندنا بسواءِ

وهذا المعنى الَّذي ذكره ليس بمستنكر قد تمنع المحبّ هيبة المحبوب من النيل الَّذي هو اللُّطف من الشَّكوى محلاً في القلوب ألم تسمع الَّذي يقول:

محبٌّ قالَ مُكتتماً مُناهُوأسعدهُ الحبيبُ علَى هواهُ
أضاعَ الخوفُ أنفسَ ما يُعانِيوما عذرَ المُضيعَ لما عَناهُ
فأصبحَ لا يلومُ بما جناهُمنَ التَّفريطِ إنساناً سواهُ
أسرَّ ندامةَ الكُسَعيِّ لمَّارأتْ عيناهُ ما صنعتْ يداهُ
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة

وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى:

وإنِّي لأخشَى أنْ أموتَ فُجاءةًوفي النَّفسِ حاجاتٌ إليكِ كمَا هيَا
وإنِّي ليُنْسيني لقاؤكِ كلَّمالقيتكِ يوماً أنِي أبثَّكِ ما بيَا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتاني عن مروان بالغيب أنه»
وقالُوا بهِ داءٌ عياءٌ أصابهُوقدْ علمتْ نفسِي مكانَ دوائيَا
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «أتاني عن مروان بالغيب أنه»

فهذا يخبرُ أنَّ لقاءها هو الَّذي يمنعهُ من شكوى ما يجده إلاَّ أنَّه يشفق من ضرره على نفسه ولا يُبقي بكتمانه على غيره على أنَّه قد قصَّر عنه كثير من أهل هذا العلم في قوله: إنَّ لقاءها يحدث في قلبه حالاً لم تكن قبل ذلك ظاهرة من نفسه إذ لو كان الهوَى قد استوفى منه حقَّه وتناهى به إلى غاية بعده لما كان اللقاء يزيد شيئاً ولا ينقصه.

كما قال يزيد بن الطثرية:

ولمَّا تناهَى الحبُّ في القلبِ وارداًأقامَ وسُدَّتْ بعدُ عنهُ مصادرهْ
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «بنفسي من لا بد أني هاجره»
فأيُّ طبيبٍ يُبرئُ الحبَّ بعدَمايسرُّ بهِ بطنُ الفؤادِ وظاهرهْ
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «بنفسي من لا بد أني هاجره»

وكما قال ذو الرمة:

ومَا زلتُ أطوي الشَّوقَ عنْ أمِّ خالدٍوجاراتِها حتَّى كأنْ لا أُريدُها
فما زالَ يَنمِي حبُّ ميَّة عندناويزدادُ حتَّى لمْ نجدْ ما نزيدُها

ولقد أحسن حبيب بن أوس الطائي حيث يقول:

إذا أزهدَتْني في الهوَى خِيفةُ الرَّدىجلتْ ليَ عنْ وجهٍ يُزهِّدُ في الزُّهدِ
فلا دمعَ ما لمْ يبدُ في إثرهِ دمٌولا وجدَ ما لمْ تعيَ عنْ صفةِ الوجدِ

وأحسن علي بن محمد العلوي الكوفي حيث يقول:

قالتْ عَييتَ عنِ الشَّكوى فقلتُ لهاجهدُ الشَّكايةِ أنْ أعيَا عنِ الكلمِ
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
أشكُو إلى اللهِ قلباً لو كَحلتُ بهِعينيكِ لاختضبتْ منْ حرِّهِ بدمِ
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
لا تُبرِمي فاقدَ الدُّنيا وبهجتَهاوما يسرُّ بهِ منها بلا ولَمِ
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

على أنَّه من طلب لآدميٍّ مثله بما لم يطالب الله عباده فأخلق بأن يكون ظالماً وقد مدح الله تبارك وتعالى قوماً فقال: (الذين إذا ذُكر اللهُ وجلتْ قلوبهمْ وإذا تُليتْ عليهمْ آياتهُ زادتهمْ إيماناً) فلم يعبهم تعالى بأن كان ذكره بحضرتهم وظهراً عليهم ما لم يمكن قبل موجوداً منهم ومن أحسن ما قيل وأعرفُ من الشِّعر في هذا المعنى:

تفديكِ نفسِي لستُ أدرِي أيُّماأيَّامكمْ مِن أيِّها أشجاهَا
في حبِّكمْ شغلٌ لقلبِي شاغلٌعن كلِّ نائبةٍ يخافَ رَداها

ومن جيد ما قيل في نحو الفصل الأول:

جعلتُكَ دنيائِي فإنْ أنتَ لم تجُدْعليَّ بوصلٍ فالسَّلامُ علَى الدُّنيا
كتمتُكَ ما ألقَى لأنَّكَ مُهجتيأخافُ عليها أنْ تذوبَ منَ الشَّكوَى

ولبعض أهل هذا الزَّمان في هذا المعنى:

بحُرمةِ هذا الشَّهرِ لما نعَّشتَنيبعفوكَ إنِّي قدْ عجزتُ عنِ العذرِ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «بحرمة هذا الشهر لما نعشتني»
فلوْ كنتَ تدرِي ما أُلاقِي منَ الهوَىلساءَكَ ما ألقَى فليتكَ لا تدرِي
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «بحرمة هذا الشهر لما نعشتني»
لأشقَى بما ألقَى وتبقَى منعَّماًخليّاً ونارُ الشَّوقِ تُسعرُ في صدرِي
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «بحرمة هذا الشهر لما نعشتني»

وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار عن ثابت بن الزبير عن أبي العتاهية:

مَنْ لعبدٍ أذلَّهُ مولاهُما لهُ شافعٍ إليهِ سواهُ
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «من لعبد أذله مولاه»
يشتكي ما بهِ إليهِ ويخشَاهُ ويرجوهُ مثلَ ما يخشاهُ
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «من لعبد أذله مولاه»

وهذه حال منقوضة لأنَّ من منعه من شكوى ما يلقاه إشفاقه من موجدة من يهواه فإنما أبقى على نفسه ومن امتنع من ذلك إشفاقاً على قلب صاحبه فقد اعترض على وجده التَّصنُّع إذ فعل ما يقدر على تركه.

وقال آخر:

الجسمُ ينقصُ والسَّقامُ يزيدُوالدَّارُ دانيةٌ وأنتَ بعيدُ
أشكوكَ أمْ أشكُو إليكَ فإنَّهُلا يستطيعُ سواهُما المجهودُ
للشاعر فضل جارية المتوكل، اقرأ القصيدة

وقال الحسن بن هانئ:

لا والَّذي لا إلهَ إلاَّ هوَما خانَ أحبابُنا وما تاهُوا
ما علمُوا بالَّذي يجنُّ لهمْمنْ طولِ شوقٍ ولا درَوْا ما هوَ

وللفتح بن خاقان:

قدرتُ علَى نفسِي فأزمعتَ قتلَهاعلَى غيرِ جدٍّ منكَ والنَّفسُ تذهبُ
كعصفورةٍ في كفِّ طفلٍ يسومُهاورودَ حياضِ الموتِ والطِّفلُ يلعبُ
للشاعر ابن الزيات، اقرأ القصيدة

وقال الحسين بن الضحاك:

أيَا مَنْ طرفهُ سحرُ ويَا مَن ريقهُ خمرُتجاسرتُ فكاشفتُكَ لمَّا غلبَ الصَّبرُ
وما أحسنَ في مثلكَ إنْ ينهتكَ السِّترُفإنْ عنَّفنِي النَّاسُ ففي وجهكَ لي عُذرُ

وقال أيضاً:

إنَّ منْ أطولِ ليلٍ أمداًليلَ مشتاقٍ تَصابَى فكتمْ
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
ربَّ فظِّ القلبِ لا لِينَ لهُلوْ رأَى ما بكَ منهُ لرحمْ
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة

وقال أيضاً:

أُكاتمُ وجدِي وما ينكتمْفمنْ لوْ شُكيتُ إليهِ رحِمْ
وإنِّي علَى حسنِ ظنِّي بهِلأحذرُ إنْ بُحتُ أنْ يحتشمْ
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
وقدْ علمَ النَّاسُ أنِّي لهُمحبٌّ وأحسبهُ قدْ علمْ
للشاعر الحسين بن الضحّاك، اقرأ القصيدة
ولِي عندَ رؤيتهِ نظرةٌتُحقِّقُ ما ظنَّهُ المتَّهمْ

وقال المجنون:

فأنتَ الَّذي إنْ شئتَ أشقيتَ عيشِيوإنْ شئتَ بعدَ اللهِ أنعمتَ لياليَا
وأنتَ الَّذي ما مِنْ صديقٍ ولا عِدارأَى نِضوَ ما أبقيتَ إلاَّ رثَا ليَا

وقال أبو نواس:

قالتْ ظَلومُ سَميَّةُ الظُّلمِما لِي رأيتكَ ناحلَ الجسمِ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت ظلوم سمية الظلم»
يا مَنْ رمَى قلبِي فأقصدَهُأنتَ الخبيرُ بموقعِ السَّهمِ

وقال أبو تمام:

واللهِ لوْ تلقَى الَّذي ألقَىلحرجتَ أنْ تتجاوزَ الحقَّا
بي فوقَ ما تلقَى بواحِدِهاأمٌّ تراهُ لجنبهِ مُلقَى
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «والله لو تدري بما ألقى»

وقال أبو صخر الهذلي:

بيدِ الَّذي شغفَ الفؤادَ بكمْتفريجُ ما ألقَى منَ الهمِّ
ما في الحياةِ إذا هيبت لناخيرٌ ولا للعيشِ مِن طعمِ
ولمَا بقيتِ لَتُبقينَّ جوًىبينَ الجوانحِ مُضرِعاً جسمي
فتيقَّنِي أنْ قدْ كلفتُ بكمْثمَّ اصنَعِي ما شئتِ عن علمِ

وقال خليفة بن روح الأسدي:

قِفي يا أُميمَ القلبِ نقرأ تحيَّةًونشكو الهوَى ثمَّ اصنعي ما بدَا لكِ
فلوْ قلتِ طَأْ في النَّارِ أعلمُ أنَّههوًى لكِ أو مُدنٍ لنا مِن وصالكِ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «قفى يا أميم القلب نقرأ تحية»
لقدَّمتُ رِجلي نحوَها فوطئْتُهاهُدًى منكِ لي أو هفوةً مِن ضلالكِ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «قفى يا أميم القلب نقرأ تحية»
فلا تجْعَلِيني كامرئٍ إنْ وصلتهِأشاعَ وإنْ صرَّمتهِ لمْ يُبالكِ

وأنشدني ابن أبي طاهر:

قالتْ لقيتَ الَّذي لمْ يلقهُ أحدٌقلتُ الدَّليلُ علَى ذاكَ الَّذي أجدُ
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
أودَعْتِني سقماً لا أستقلُّ بهِفليسَ ينفدُ حتَّى ينفدَ الأبدُ
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

وقال مضرس بن بطر الهلالي:

وكادتْ بلادُ اللهِ يا أمَّ مالكٍبما رحُبتْ يوماً عليَّ تضيقُ
أذودُ سوادَ الطَّرفِ عنكِ وما لهُإلى أحدٍ إلاَّ إليكِ طريقُ
ولوْ تعلَمينَ العلمَ أيقنتِ أنَّنيوربِّ الهدايا المُشعَراتِ صديقُ
سلِي هلْ قلانِي مِن عشيرٍ صحِبتهُوهلْ ذمَّ رَحْلي في الرِّفاقِ رفيقُ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني»

وأنشدني آخر:

أمسيتُ لَعَّاباً وأمسَى الهوَىيلعبُ في رُوحي وجثمانِي
أُشفقُ إنْ بُحنا وإنْ لمْ أبحْفالموتُ في سرِّي وإعلانِي

وأنشدني أبو الضياء لنفسه:

أُنظرْ إلى ناظرٍ قدْ شفَّهُ السّهدُواعطفْ علَى مهجةٍ أودَى بها الكمدُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنظر إلى ناظر قد شفه السهد »
لا ذقتَ ما ذاقهُ مَن أنتَ مالكهُولا وجدتَ بهِ مثلَ الَّذي يجدُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنظر إلى ناظر قد شفه السهد »
أخفَى هواكَ فنمَّتهُ مدامعهُوالعينُ تُعربُ عمَّا ضمَّتِ الكبدُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنظر إلى ناظر قد شفه السهد »
فإنْ جحدتَ الَّذي قاساهُ بينهمافشاهداهُ عليكَ الخدُّ والجسدُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «أنظر إلى ناظر قد شفه السهد »

وقال أبو المنهال الأشجعي:

يا أُمَّ عمروٍ وخيرُ القولِ أصدقهُأوْفي وأنتِ منَ المُوفينَ بالذِّممِ
أوْفِي وفاءَ كريمٍ ذِي محافظةٍوإنْ أبَيتِ تقاضيْنَا إلى حكمِ
عدلٍ منَ النَّاسِ يُرضِي حينَ يبلغهُأنْ كانَ حبلكِ أمسَى واهيَ الرِّممِ
فأعرَضَتْ ثمَّ قالتْ وهيَ لاهيةٌبعدَ التَّغضُّبِ قولَ المؤسفِ الأطِمِ
إنْ تدعُ لي حكَماً عدلاً أُحكِّمهُأنطِقْ لديهِ بلا عيٍّ ولا بكَمِ
منِّي بأرضكِ شجوٌ لستُ ناسيهِلوْ بالحجازِ هوَى أيَّامكِ القدُمِ

وكتب عبد الله بن الدمينة إلى أمامة:

وأنتِ الَّتي كلَّفتِني دلَجَ السُّرَىوجونُ القطَا بالجَلْهتينِ جثومُ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «فلو كنت أدرى أن ما كان كائن»
وأنتِ الَّتي قطَّعتِ قلبِي حزازةًوفرَّقتِ قرحَ القلبِ فهوَ كليمُ
وأنتِ الَّتي أحفظتِ قومِي فكلُّهمْبعيدُ الرِّضا دانِي الصُّدودِ كتومُ

وكتبت إليه:

وأنتَ الَّذي أخلفْتَني ما وعدْتَنِيوأشمتَّ بِي مَن كانَ فيكَ يلومُ
للشاعر أميمة امرأة ابن الدمينة، اقرأ القصيدة
وأبرزْتَنِي للنَّاسِ ثمَّ تركْتَنِيلهمْ غرَضاً أُرمَى وأنتَ سليمُ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «وأنت التي كلفتني دلج السرى»
فلوْ أنَّ قولاً يكلِمُ الجسمَ قدْ بدابجسميَ مِنْ قولِ الوُشاةِ كلومُ
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «فلو كنت أدرى أن ما كان كائن»

وكتب بعض أهل الأدب إلى أخ له من أهل هذا العصر:

سيِّدي أنتَ قدْ أسأْتَ بقولِيسيِّدي أنتَ فارضَ عبدَكَ عبْدا
لا تلقَّى الدُّعاءَ منِّي بنكرٍفتُرى قاتلاً لنفسيَ عمدَا

فأجابه:

أنا بالرِّقِّ في الهوَى منكَ أولَىوأرَى ذاكَ يشهدُ اللهُ مجدَا
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أنا بالرق في الهوى منك أولى»
علمَ اللهُ أنَّني منكَ راضٍأنْ ترانِي لعيدِ عبدِكَ عبدَا
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «أنا بالرق في الهوى منك أولى»

وقال آخر:

يا مُوقدَ النَّارِ إلهاباً علَى كبدِيإليكَ أشكُو الَّذي بِي لا إلى أحدِ
إليكَ أشكُو الَّذي بِي مِن هواكَ فقدْطلبتُ غيركَ للشَّكوَى فلم أجِدِ

وقال بعض الأعراب:

إذا لمتَها قالتْ عديمٌ وإنَّماصمتَّ فما جرَّبتَ جُوداً ولا بخلا
بلَى قلتُ هلْ ثمَّ انصرفتْ ولمْ تعدْفتستنكِرَ الإعراضَ أوْ تعرفَ البذْلا

أمَّا هذه فقد قرعت صاحبها على تركه تقاضيها تقريعاً يُغري المغترّين بشكوى كل ما يجدونه وبالإلحاح على من يودُّونه في المطالبة بجميع ما يريدونه وهذه حال من تحكَّم على مواردها تحكَّمت عليه مصادرها فيندم حيث لا تنفعه الندامة وهرب إلى حيث لا تنفعه السلامة وكيف يتهيَّأ للنَّادم على إظهار ما في ضميره أن يخفيه بعد إظهاره وقد كان جديراً أن يظهر منه بغلبات الحال في وقت حرصه على أسراره والمحبوب كثيراً ما يُطمع محبُّه في نفسه هذا الإطماع أو نحوه ليطَّلع على حقيقة ما في ضميره وقلبه فإذا وثق بصحَّة الملك زالت عنه دواعي الشك فتراخى حينئذ عن الاستعطاف تراخي المالكين وحصلت للنَّاسي المُظهر ما في ضميره ذلَّة المملوكين ولم أجد فيما جريت إليه في هذا الفصل بأرزأ مني على من أظهر إلفه على ما يجد من المحبَّة وإنَّما جريت إلى عيب من يدعوه إلى إظهار ما في نفسه رجاء النَّوال من صاحبه ولعمري لقد قال حبيب بن أوس في هذا الباب ما يقرب من جهة الصواب وهو قوله:

يا سقيمَ الجفونِ غيرَ سقيمِومريبَ الألحاظِ غيرَ مريبِ
إنَّ قلبي لكمْ لكالكبدِ الحرَّى وقلبي لغيركمْ كالقلوبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»
لستُ أُدلي بحرمةٍ مستزيداًفي ودادٍ منكمْ ولا في نصيبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»
غيرَ أنَّ العليلَ ليس بمذمومٍ علَى شرحِ ما بهِ للطَّبيبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»
لوْ رأيْنَا التَّوكيدَ خطَّةَ عجزٍما شفعْنا الأذانَ بالتَّثويبِ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أي مرعى عين ووادي نسيب»

وهذا الَّذي وصف أيضاً من الحال غير مستوعب لحد الكمال وذلك أن الكامل في حاله هو الَّذي كان غرضه في إظهار إلفه على كل ما يُلقى به أن يجعله مشاركاً له في علم ضمائره ومتحكِّماً معه لا بل عليه في سرائره فلا يتحكَّم هو حينئذ على خليله في أمرٍ ولا يستظهر عليه بسرٍّ وكلُّ من زال عن هذه الحال فزائلٌ عن مرتبة الكمال.

النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كتاب الزهرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.