تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)

الباب الأول: من كثُرت لحظاته دامت حسراته

قال بعض الحكماء ربَّ حربٍ جُنيت من لفظة وربَّ عشق غُرس من لحظة وقال العتبي أبو الغصن الأعرابي قال: خرجت حاجّاً فلما مررت بقباء تداعى النَّاس ألماً وقالوا قد أقبلت الصقيل فنظرت وإذا جارية كأن وجهها سيف صقيل فلما رميناها بالحدق ألقت البرقع على وجهها فقلت يرحمكِ الله إنا سفرٌ وفينا أجرٌ فأمتعينا بوجهكِ فانصاعت وأنا أرى الضحك في عينيها وهي تقول:

وكنتَ متى أرسلتَ طرفكَ رائداًلقلبكَ يوماً أتبعتكَ المناظرُ
رأيتَ الذي لا تأكلهُ أنتَ قادرٌعليه ولا عنْ بعضهِ أنتَ صابرُ

وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي لامرأةٍ من الأعراب:

أرَى الحرَّ لا يفنَى ولمْ يفنهِ الأُلىأُحينوا وقدْ كانوا علَى سالفِ الدَّهرِ
وكلهمُ قدْ خالهُ في فؤادهِبأجمعهِ يحكونَ ذلكَ في الشِّعرِ
للشاعر أم الضحاك المحاربية، من قصيدة «أرى الحب لا يفنى ولم يفنه الألى»
وما الحبُّ إلاَّ سمعُ أُذنٍ ونظرةٌووجبةُ قلبٍ عن حديثٍ وعنْ ذكرِ
للشاعر أم الضحاك المحاربية، من قصيدة «أرى الحب لا يفنى ولم يفنه الألى»
ولوْ كانَ شيءٌ غيرهُ فنيَ الهوَىوأبلاهُ مَن يهوى ولوْ كانَ مِن صخرِ
للشاعر أم الضحاك المحاربية، من قصيدة «أرى الحب لا يفنى ولم يفنه الألى»

وقال آخر:

تعرَّضنَ مرمى الصَّيدِ ثمَّ رَمينامنَ النَّبلِ لا بالطَّائشاتِ الخواطفِ
ضعائفٌ يقتلنَ الرِّجالَ بلا دمٍفيا عجباً للقاتلاتِ الضَّعائفِ
للشاعر عمارة بن عقيل، اقرأ القصيدة
وللعينِ ملهًى في التلادِ ولمْ يقدْهوَى النَّفس شيئاً كاقتيادِ الطَّرائفِ
للشاعر عمارة بن عقيل، من قصيدة «تعرضن مرمى الصيد ثم رميننا»

وقال آخر:

وكمْ منْ فتًى جَلدٍ يقادُ لحينهِبطرفٍ مريضِ النَّاظرَينِ كحيلِ
إذا ما الهوى منهُ تعزَّزَ جانبٌفما شئتَ مِن مقتولةٍ وقتيلِ

وقال جرير بن عطية:

إنَّ العيونَ التي في طرفِها مرضٌقتلننا ثمَّ لمْ يحيينَ قتلانا
للشاعر خلفان بن مصبح، من قصيدة «هذا الربيع بنور الحسن وافانا»
يصرعنَ ذا اللُّبِّ حتَّى لا حراكَ بهِوهنَّ أضعفُ خلقِ اللهِ أركانا
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط ولو طوعت ما بانا»

وقال جميل بن معمر العذري:

رمى اللهُ في عينيْ بثينةَ بالقذَىوفي الغرّ مِن أنيابِها بالقوادحِ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «رمى الله في عيني بثينة بالقذى»
رمتْني بسهمٍ ريشهُ الكحلُ لمْ يضرْظواهرَ جلدي فهوَ في القلبِ جارِحي
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «رمى الله في عيني بثينة بالقذى»

أما معنى البيت الأول فقبيح أن يجعل في الغزل إن كان قصد في باطنه ما يتبين في ظاهره وقد زعم بعض أهل الأدب أن قوله رمى الله في عيني بثينة بالقذى إنَّما عنى به الرَّفيبَ وقوله. وفي الغرّ من أنيابها إنَّما عنى به سروات قومها والقوادح الحجارة وقد عرضتُ هذا القول على أبي العباس أحمد بن يحيى فأنكره وقال لم يعن ولم يرَ به بأساً العرب تقول قاتله الله فما أشجعه ولا تريد بذلك سوءاً.

وقال العديل بن الفرج العجلي:

يأخذنَ زينتهنَّ أحسنَ ما ترَىفإذا عطِلنَ فهنَّ غيرُ عواطلِ
للشاعر العديل بن الفرخ العجلي، اقرأ القصيدة
وإذا جلينَ خدودهنَّ أرَيْنناحدقَ المها وأخذنَ نبلَ القاتلِ
فرَمَيْنا لا يستترنَ بجُنَّةٍإلاَّ الصِّبى وعلمنَ أينَ مَقاتلي
يلبسنَ أرديةَ الوقارِ لأهلِهاويجرُّ باطلهنَّ حبلَ الباطلِ

وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي:

سَمْعي وطرفي حليفَا أعلَى جسديفكيفَ أصبرُ عنْ سمعي وعنْ بصري
لوْ طاوَعاني علَى أنْ لا أُطاوعَهاإذاً لقضَّيتُ مِن أوطارِها وطَري

وقال يزيد بن سويد الضبعي:

بيضٌ أوانسُ يلتاطُ العبيرُ بهاكفَّ الفواحشَ عنها الأُنسُ والخفرُ
ميلُ السَّوالفِ غيدٌ لا يزالُ لهامنَ القلوبِ إذا لاقينَها جزرُ

وأنشدني بعض الكلابيين:

يا مَن بدائعُ حسنِ صورتهِتَثني إليهِ أعنَّةَ الحدقِ
للشاعر شَمروخ، اقرأ القصيدة
لي منكَ ما للنَّاسِ كلّهمِنظرٌ وتسليمٌ علَى الطُّرقِ
لكنَّهمْ سعدُوا بأمنهمِوشقيتُ حينَ أراكَ بالفرقِ
للشاعر شَمروخ، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

دعا قلبهُ يوماً هوًى فأجابهُفؤادٌ إذا يلقَى المِراضَ مريضُ
بمُستأنِساتٍ بالحديثِ كأنَّهاتهلُّلُ مزنٍ برقهنَّ وميضُ

وأنشدني أحمد بن أبي طاهر:

طربتُ إلى حوراءَ آلفةِ الخِدرِهيَ البدرُ أوْ إنْ قلتَ أكملُ مِنْ بدرِ
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة
تُراسلُني باللَّحظِ عندَ لقائهافتخلسُ قلبي عندَ ذلكَ مِنْ صدري
للشاعر أحمد بن طيفور، اقرأ القصيدة

وقال عمرو بن الأيهم:

ويومَ ارتحالِ الحيِّ راعتكَ روعةًفلمْ تنسَها مِنْ ذاكَ إلاَّ علَى ذكرِ
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة
رمتكَ بعينيْ فرقدٍ ظلَّ يتَّقيشآبيبَ قطرٍ بينَ غُصنينِ مِنْ سدرِ
للشاعر أعشى تغلب، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

قلبي إلى ما ضرَّني داعِييُكثرُ أسقامي وأوْجاعي
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة
لقلَّ ما أبقَى علَى ما أَرىأُشكُ أنْ ينعانِيَ النَّاعِي
للشاعر بكر بن خارِجَة، اقرأ القصيدة
كيفَ احْتراسِي من عدوِّي إذاكانَ عدوِّي بينَ أضلاعِي
للشاعر بكر بن خارِجَة، اقرأ القصيدة
ما أقتلَ اليأْسَ لأهلِ الهوَىلا سيَّما مِنْ بعدِ إطماعِ
للشاعر العباس بن الأحنف، اقرأ القصيدة

وقال الطرماح:

فلمَّا ادَّركناهنَّ أبدينَ للهوَىمحاسنَ واسْتولينَ دونَ محاسنِ
للشاعر الطرماح، من قصيدة «أساءك تقويض الخليط المباين»
ظعائنُ يستحدثنَ في كلِّ بلدةٍرَهيناً ولا يُحسنَّ فكَّ الرَّهائنِ

وقال العجيف العقيلي:

خليليَّ ما صبرِي علَى الزَّفراتِوما طاقَتي بالشَّوقِ والعبراتِ
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة
تقطَّعُ نفسِي كلَّ يومٍ وليلةٍعلَى إثرِ مَنْ قدْ فاتَها حسراتِ
سقَى ورعَى اللهُ الأوانسَ كالدُّمىإذا قمنَ جنحَ اللَّيلِ مُنبهراتِ
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة
دعونَ بحبَّاتِ القلوبِ فأقبلتْإليهنَّ بالأهواءِ مُبتدراتِ
للشاعر القحيف العقيلي، اقرأ القصيدة

وأنشدني أحمد بن يحيى الشيباني أبو العباس النحوي:

إذا هنَّ ساقطنَ الأحاديثَ للفتَىسقوطَ حصَى المرجانِ مِنْ سلكِ ناظمِ
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
رمينَ فأنفذنَ القلوبَ ولا ترَىدماً مائراً إلاَّ جوًى في الحيازمِ
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
وخبَّركِ الواشونَ ألاّ أُحبّكمْبلَى وستورِ البيتِ ذاتِ المحارمِ
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
أصدُّ وما الصَّدُّ الذي تعلمينهُبنا وبكمْ إلاَّ جزع العلاقمِ
حياءً وبُقيا أنْ تشيعَ نميمةٌبنا وبكمْ أُفٍّ لأهلِ النَّمائمِ
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
أمَا إنَّه لوْ كانَ غيركِ أرقلتْصعادُ القنا بالرَّاعفاتِ اللَّهاذمِ
ولكنْ وبيتِ اللهِ ما طلَّ مسلماًكغرِّ الثَّنايا واضحاتِ الملاغمِ
للشاعر أبو حية النميري، اقرأ القصيدة
وإنَّ دماً لوْ تعلمينَ جنيتهِعلَى الحيِّ جانِي مثلهِ غيرُ نائمِ

وقال عمر بن أبي ربيعة:

فلمَّا تواقَفْنا وسلَّمتُ أقبلتْوجوهٌ زهاها الحسنُ أنْ تتقنَّعا
تبالَهْنَ بالعرفانِ لمَّا عرفننيوقلنَ امرؤٌ باغٍ أضلَّ وأوضعا
وقرَّبنَ أسبابَ الهوَى لمتيَّمٍيقيسُ ذراعاً كلَّما قسنَ إصبعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
فقلتُ لمُطريهنَّ بالحسنِ إنَّماضررتَ فهلْ تسطيعُ نفعاً فتنفعَا

وقال أيضاً:

وكمْ مِنْ قتيلٍ ما يُباءُ بهِ دمٌومِنْ غلقٍ رهناً إذا لفَّهُ مِنَى
ومن مالئٍ عينيهِ مِنْ شيءِ غيرهِإذا راحَ نحوَ الجمرةِ البيضُ كالدُّمى
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وكم من قتيل لا يباء به دم»
أوانسُ يسلبنَ الحليمَ فؤادهُفيا طولَ ما شوقٍ ويا حسنَ مُجتلَى
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وكم من قتيل لا يباء به دم»
مع اللَّيلِ قصراً قدْ أضرَّ بكفِّهاثلاثَ أسابيعٍ تعدُّ منَ الحصَى
فلمْ أرَى كالتَّجميرِ منظرَ ناظرٍولا كليالِي الحجِّ أفتنَّ ذا هوَى

وقال آخر:

بوارحُ رحنَ من برحٍ إلينابأفئدةِ الرِّجالِ مبرِّحاتِ
رمينَ حصَى الجمارِ بخاضباتٍوأفئدةَ الرِّجالِ بصائباتِ

وقال ذو الرمة:

فما ظبيةٌ ترعَى مساقطَ رملةٍكسَا الواكفُ الغادي لها ورقاً خُضرا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لقد جشأت نفسي عشية مشرف»
بأحسنَ مِنْ ميٍّ عشيَّةَ حاولتْلتجعلَ صدعاً في فؤادكَ أوْ عَقرا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لقد جشأت نفسي عشية مشرف»
بوجهٍ كقرنِ الشَّمسِ حرٍّ كأنَّماتهيجُ بهذا القلبِ لمحتهُ وقْرا
وعينٍ كأنَّ البابليَّيْنِ لبَّسابقلبكَ منها يومَ لاقيتَها سِحرا

وقال كثير بن عبد الرحمن:

أصابكَ نبلُ الحاجبيَّةِ إنَّهاإذا ما رمتْ لا يستبلُّ كليمُها
لقدْ غادرتْ في القلبِ منِّي أمانةًوللعينِ عبراتٌ سريعٌ سجومُها
فذُوقي بما أجنيتِ عيناً مشومةًعليَّ وقدْ يأتِي علَى العينِ شومُها

وقال آخر:

وتنالُ إذا نظرتْ إليكَ بطرفِهاما لا ينالُ بحدِّهِ النَّصلُ
وإذا نظرتَ إلى محاسنِ وجهِهافلكلِّ موضعِ نظرةٍ قتلُ
ولقلبِها حلمٌ تصدُّ بهِعنْ ذي الهوَى ولطرفِها جهلُ

وقال حبيب بن أوس الطائي:

يا جفوناً سواهِداً أعدمتْهالذَّةَ النَّومِ والرُّقادِ جفونُ
إنَّ للهِ في العبادِ منايَاسلَّطتْها علَى القلوبِ عيونُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «يا جفونا سواهرا أعدمتها»

وأنشدتني أم حمادة الهمدانية:

دارَ الهوَى بعبادِ اللهِ كلّهمِحتَّى إذا مرَّ بي مِنْ بينهمْ وقفَا
للشاعر أم حمادة الهمذانية، اقرأ القصيدة
إنِّي لأعجبُ مِنْ قلبٍ يكلِّفكمْومَا يرَى منكمُ برّاً ولا لَطَفا
للشاعر أم حمادة الهمذانية، اقرأ القصيدة
لولا شقاوةُ جدِّي ما عرفتكمُإنَّ الشَّقيَّ الذي يشقَى بمنْ عرَفا
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «يا دار فوز لقد أورثتني دنفا»

وأنشدني أبو طاهر أحمد بن بشر الدمشقي:

رمتْني وسِترُ اللهِ بيني وبينهاعشيَّةَ أحجارِ الكَنَاسِ رميمُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «جزى الله أيام الفراق ملامة»
رميمُ الَّتي قالتْ لجاراتِ بيتهاضمنتُ لكمْ أنْ لا يزالَ يهيمُ
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أباكرة في الظاعنين رميم»
ألا ربَّ يومٍ لوْ رمتْني رَمَيْتهاولكنَّ عهدي بالنِّضالِ قديمُ
للشاعر نصيب بن رباح، من قصيدة «جزى الله أيام الفراق ملامة»

وبلغني أنَّ بثينة وعزَّة كانتا خاليتين تتحدثان إذ أقبل كثيِّر فقالت بثينة لعزَّة أتحبين أن أُبين لك إن كان كثيِّر فيما يظهره لك من المحبة غير صادق قالت نعم قالت: أدخلي الخباء فتوارت عزَّة ودنا كثيِّر حتَّى وقف على بثينة فسلم عليها فقالت له ما تركت فيك عزَّة مستمتَعاً لأحدٍ فقال كثيِّر والله لو أن عزَّة أمَة لوهبتها لكِ قالت له بثينة إن كنت صادقاً فاصنع في ذلك شعراً فأنشأ يقول:

رمتْني علَى فوتِ بثينةُ بعدَ ماتولَّى شبابِي وارْجحنَّ شبابُها
بعينينِ نجلاوينِ لوْ رقرقتْهُمالنوءِ الثُّريَّا لاستهلَّ سحابُها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «رمتني على عميد بثينة بعدما»

فبادرت عزَّة فكشفت الحجاب وقالت يا فاسق قد سمعت البيتين قال لها فاسمعي الثالث قالت وما هو فأنشأ يقول:

ولكنَّما ترمينَ نفساً شقيَّةًلعزَّةَ منها صفوُها ولبابُها

وهذا الشعر وإن كان قبيحاً لمناسبته الخيانة والغدر فهو حسن من ثبات حدَّة الخاطر وسرعة الفكر.

وقال أبو عبادة البحتري:

نظرتْ قادرةً أنْ ينكفِيكلُّ قلبٍ في هواهَا بعلَقْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قُلْتُ للاّئِمِ في الجُبّ أفِقْ»
قالَ بُطلاً وأفالَ الرَّأيَ مَنْلمْ يقلْ إنَّ المنايا في الحدَقْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قلت للائم في الحب أفق»
كانَ يكفِي ميِّتاً مِنْ ظمإٍفضلُ ما أوبقَ ميْتاً مِنْ غرَقْ
إنْ تكنْ محتسباً مَنْ قدْ ثوَىلحمامٍ فاحتسبْ مَنْ قدْ عشِقْ
للشاعر البحتري، من قصيدة «قلت للائم في الحب أفق»

وقال القطامي وهو أحسن ما قيل في معناه:

وفي الخدورِ غماماتٌ برقنَ لناحتَّى تصيَّدننَا مِنْ كلِّ مُصطادِ
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
يقتُلْننا بحديثٍ ليسَ يعلمهُمَنْ يتَّقينَ ولا مكتومهُ بادِ
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة
فهنَّ يُبدينَ مِنْ قولٍ يُصبنَ بهِمواقعَ الماءِ من ذِي الغلَّةِ الصَّادي

قد ذكرنا من أقاويل الشعراء في الهوَى أنَّه يقع ابتداؤه من النظر والسَّماع ما في بعضه بلاغٌ ثمَّ نحن إن شاء الله ذاكرون ما في ذلك الأمر الَّذي أوقعه السماع والنظر ولمَ وقع وكيف وقع إذ قد صحَّ كونه عند العامَّة وخفيَ سببه على الخاصَّة أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغاني قال حدثنا ابن أبي مريم قال أخبرنا يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنَّه قال: الأرواح جنود مجنَّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

وفي مثل ذلك يقول طرفة بن العبد:

تعارفُ أرواحُ الرِّجالِ إذا التقَوْافمنهمْ عدوٌّ يُتَّقى وخليلُ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لهند بحزان الشريف طلول»
وإنَّ امرءاً لمْ يعفُ يوماً فكاهةًلمنْ لمْ يردْ سوءاً بها لجهولُ

وزعم بعضُ المتفلسفين أن الله جلَّ ثناؤه خلقَ كلَّ روحٍ مدوَّرة الشكل على هيئة الكرة ثمَّ قطعها أيضاً فجعل في كل جسد نصفاً وكل جسد لقي الجسد الَّذي فيه النصف الَّذي قطع من النصف الَّذي معه كان بينهما عشقٌ للمناسبة القديمة وتتفاوت أحوال النَّاس في ذلك على حسب رقَّة طبائعهم.

وقد قال جميل في ذلك:

تعلَّقُ رُوحي روحَها قبلَ خلقِناومِنْ بعدِ ما كنَّا نِطافاً وفي المهدِ
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «تعلق روحي روحها قبل خلقنا»
فزادَ كمَا زِدنا فأصبحَ نامِياًوليسَ إذا مُتنا بمُنتقضِ العهدِ
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة
ولكنَّهُ باقٍ علَى كلِّ حالةٍوزائرُنا في ظُلمةِ القبرِ واللَّحدِ
للشاعر جميل بثينة، اقرأ القصيدة

وفي نحوه يقول بعض أهل هذا العصر:

مَنْ كانَ يشجَى بحبٍّ ما لهُ سببٌفإنَّ عندي لِما أشجَى بهِ سببُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «من كان يشجي بحب ما له سبب»
حُبِّيهِ طبعٌ لنفسِي لا يغيِّرهُكرُّ اللَّيالِي ولا تُودي بهِ الحقبُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «من كان يشجي بحب ما له سبب»
إن كانَ لا بدَّ للعشَّاقِ من عطبٍففي هوَى مثلهِ يُستغنمُ العطبُ
للشاعر ابن داود الظاهري، من قصيدة «من كان يشجي بحب ما له سبب»

وكتب بعض الظرفاء إلى أخ له إنِّي صادقت منك جوهر نفسي فأنا غير محمود على الانقياد إليك بغير زمام لأن النفس يتبع بعضها بعضاً وحُكي عن أفلاطون أنَّه قال ما أدري ما الهوَى غير أنِّي أعلم أنَّه جنون إلاهي لا محمود ولا مذموم.

وقد قال بعض الشعراء في مثله:

إنَّ المحبَّةَ أمرُها عجبٌتُلقَى عليكَ وما لها سببُ

ولقد أحسن الحسين بن مطير في قوله:

قضَى اللهُ يا سمراءُ منِّي لكِ الهوَىبعزمٍ فلمْ أمنعْ ولمْ أُعطِهِ عمدا
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة
وكلُّ أسيرٍ غيرُ مَنْ قدْ ملكتهِمُرجًّى لقتلٍ أوْ لنعماءُ أوْ مُفدَى
للشاعر الحسين بن مطير الأسدي، اقرأ القصيدة

وزعم بطليموس أن الصداقة والعداوة تكون على ثلاثة أضرب إما لاتفاق الأرواح فلا يجد المرء بدّاً من أن يحب صاحبه وإما للمنفعة وإما لحزن وفرح فأما اتفاق الأرواح فإنه يكون من كون الشَّمس والقمر في المولدين في برج واحد ويتناظران من تثليث أو تسديس نظر مودَّة فإنه إذا كان كذلك كانا صاحبا المولدين مطبوعين على مودَّة كل واحد منهما لصاحبه فأما اللذان تكون مودَّتهما لحزن أو لفرح فإنه من أن يكون طالع مولديهما برجاً واحداً ويتناظر طالعاهما من تثليث أو تسديس وأما اللذان مودتهما للمنفعة فإن ذلك من أن يكون بينهما سعادتاهما في مولديهما في برج واحد أو يتناظر السهمان من تثليث أو تسديس فإن لك يدل على المولدين تكون منفعتهما من جهة واحدة وينتفع أحدهما بصاحبه فتجلب المنفعة بينهما الصداقة أو تكون مضرتهما من جهة واحدة فيتفقان على الحزن فيتوادان بذلك السبب ويُقوِّي ذلك كله نظر السعود في وقت المواليد ويضعفه نظر النحوس وقد ذكر بعض الشعراء الهوَى فقسمه على نحوٍ من هذا المعنى فقال:

ثلاثةُ أحبابٍ فحبُّ علاقةٍوحبُّ تِملاقٍ وحبٌّ هوَ القتلُ

وزعم جالينوس أنَّ المحبة قد تقع من العاقلين من باب تشاكلهما في العقل ولا تقع بين الأحمقين من باب تشاكلهما في الحمق لأن العقل يجري على ترتيب فيجوز أن يُتفق فيه على طريق واحد والحمق لا يجري على ترتيب فلا يجوز أن يقع به اتفاق بين اثنين وقال بعض المتطببتن إنَّ العشق طمع يتولد في القلب وتجتمع إليه مواد من الحرص مكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج وشدَّة القلق وكثرة الشَّهوة وعند ذلك يكون احتراق الدم واستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء وانقلابها إلى السوداء ومن طغيان السوداء فساد الفكر ومع فساد الفكر تكون العدامة ونقصان العقل ورجاء ما لا يكون وتمنِّي ما لا يتمُّ حتَّى يؤدي ذلك إلى الجنون فحينئذ ربَّما قتل العاشق نفسه وربَّما مات غمّاً وربَّما نظر إلى معشوقه فيموت فرحاً أو أسفاً وربَّما شهق شهقة فتختفي فيها روحه أربعاً وعشرين ساعة فيظنون أنَّه قد مات فيقبرونه وهو حيٌّ وربَّما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه وينضمُّ عليها القلب فلا ينفرج حتَّى يموت وربَّما ارتاح وتشوَّق للنَّظر أو رأى من يحبُّ فجأة فتخرج نفسه فجأة دفعة واحدة وأنت ترى العاشق إذا سمع بذكر من يحبُّ كيف يهرب ويستحيل لونه وإن كان الأمر يجري على ما ذكر فإنَّ زوال المكروه عمَّن هذه حاله لا سبيل إليه بتدبير الآدميين ولا شفاء له إلاَّ بلطف يقع له من رب العالمين وذلك أن المكروه العارض من سبب قائم منفرد بنفسه يتهيَّأ التَّلطُّف في إزالته بإزالة سببه فإذا وقع الشَّيئان وكل واحد منهما علَّة لصاحبه لم يكن إلى زوال واحدة منهما سبيل فإذا كانت السوداء سبباً لاتصال الفكر وكان اتصال الفكر سبباً لاحتراق الدم والصفراء وقلبها إلى تقوية السوداء كلما قويت قوَّت الفكر والفكر كلما قوي قوَّى السوداء وهذا هو الداء الَّذي يعجز عن معالجته الأطبَّاء وقد زعم بعض المتصوفين أن الله جل ثناؤه إنَّما امتحن النَّاس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه وليشق عليهم سخطه ويسرَّهم رضاؤه فيستدلّ بذلك على قدر طاعة الله عزَّ وجلّ إذ كان لا مثل له ولا نظير وهو خالقهم غير محتاج إليهم ورازقهم مبتدئاً غير ممتنٍّ عليهم فإن أوجبوا على أنفسهم طاعة من سواه كان هو تعالى أحرى بأن يتَّبع رضاه والكلام في اعتبار ما حكيناه والإخبار عن جميعه بما يرضاه يكثر وربَّما استغني بالحكايات عن التَّصريح بالاختبارات ونحن إن شاء الله نذكر بعقب هذا الباب مبلغ الهوَى من قلوب ذوي الألباب ونصف مراتبه وتصرفه وازدياده وتمكنَّه ونخبَّر باقتداره على المقتدرين واستظهاره على المستظهرين وتلاعبه بقلوب المتفلسفين وتمالكه على خواطر المستسلمين.

النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «كتاب الزهرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.