من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثاني عشر: من مُنع من كثير الوصال قنع بقليل النَّوال
قال ذو الرمّة:
ألِمَّا بميٍّ قبلَ أنْ تطرحَ النَّوىبنا مطرحاً أوْ قبلَ بينٍ يُزيلُها
ولو لمْ يكنْ إلاَّ معرَّسُ ساعةٍقليلاً فإنِّي نافعٌ لي قليلُها
خليليَّ عُدَّا حاجتي من هواكُماومن ذا يُداوي النَّفسَ إلاَّ خليلُها
وقال أيضاً:
وإنِّي ليُرضيني قليلُ نوالكُمْوإن كنتُ لا أرضى لكمْ بقليلِ
بحُرمةِ ما قد كانَ بيني وبينكمْمنَ الوُدِّ ألاَّ عُدتمُ بجميلِ
وقال جميل:
ويقُلنَ إنَّكَ قدْ رضيتَ بباطلٍمنها فهلْ لكَ في اعتزالِ الباطلِ
ولَباطلٌ ممَّنْ أحبُّ حديثَهُأشهى إليَّ منَ البغيضِ الباذلِ
ولرُبَّ عارضةٍ علينا وصلَهابالجدِّ تخلطُهُ بقولِ الهازلِ
فأجبتُها بالقولِ بعدَ تستُّرٍحُبِّي بُثينةَ عن وصالكِ شاغلي
لو كان في قلبي كقدرِ قُلامةٍفضلٌ وصلْتُكِ أوْ أتتكِ رسائلي
أما هذا فقد دلَّنا بغاية جهده على شدَّة تمكُّنها من قلبه وأخبرنا مع ذلك في شعره أنَّه لو تهيَّأ خلاص شيء من حبِّه من يدها لصرفه إلى غيرها وهذه حال لا تُرضي أهل الوفاء ولا يستعملها أهل الصَّفاء.
وقال آخر:
وإنِّي لأرضى منكِ يا ليلُ بالَّذيلوُ اخبرَهُ الواشي لقرَّتْ بلابلُهْ
بلى وبأنْ لا أستطيعَ وبالمُنىوبالوعدِ حتَّى يسأمَ الوعدَ آملُهْ
وبالنَّظرةِ العَجلى وبالحولِ تنقضيأواخرهُ لا تلتقي وأوائلُهْ
هذه لَعمري قناعة شديدة تدلُّ على أن وراءها ذلَّة وكيدة لأن من يتهيَّأ له من يهواه لا يقنع بأن لا يراه وبأن يعده وعده إلاَّ يطالبه بوفائه ولعمري إنَّ هذه الحال تقرُّ عين المعادي وتسخن عين الموالي إلاَّ أنَّه وإن كان قد بالغ في القناعة فإنه قد التمس التعلُّل بالوعد وبتأميل اللقاء على البعد ومن قنع بترك اللقاء وأقام على حال الوفاء كان أتمَّ حالاً.
كما قال أبو دلف العجلي:
إنِّي وإنْ كنتُ لا أراكَ ولاأطمعُ في ذاكَ سائرَ الأبدِ
لَقانعٌ بالسَّلامِ يبلُغنيأشفي غليلاً به منَ الكمدِ
وأدفعُ الهمَّ بالسُّرورِ إذاأيقنتُ أنَّا جارانِ في بلدِ
ولبعض أهل هذا العصر:
أأيَّامَ هذا الدهرِ كمْ تعنفينَ بيكأنْ لم ترى قبلي مُعنًّى ولا بعدي
نوالاً كرجعِ الطَّرفِ أعجلَهُ القذىوضنّاً كضنِّ الجفنِ بالأعيُنِ الرُّمدِ
فمنْ يكُ مشتاقاً إلى نُجحِ موعدٍفها أنا مشتاقٌ إلى خلفِ الوعدِ
فلا خُلفَ إلاَّ بعدَ توكيدِ موعدٍولا وعدَ إلاَّ عن صفاءٍ منَ الوُدِّ
وقد قذفتْ نفسي أجلَّ حُظوظهالديكَ وفقدُ الحظِّ جُزوءٌ منَ الفقدِ
وقال آخر:
أوَجْدٌ علَى وجدٍ وأنتِ بخيلةٌوقد زعموا أنْ لا يحبَّ بخيلُ
بلى والَّذي حجَّ المُلبُّونَ بيتَهُويُشفى الجوى بالنَّيلِ وهو قليلُ
وقال آخر:
يقرُّ بعيني أن أرى من مكانهِذُرى عُقُداتِ الأبرَقِ المُتقاودِ
وأنْ أرِدَ الماءَ الَّذي وردتْ بهِسُليمى إذا ملَّ السُّرى كلُّ واحدِ
فأُلصقُ أحشائي بِبَردِ ترابهِوإنْ كانَ مخلوطاً بسُمِّ الأساودِ
وقال آخر:
يقرُّ بعيني أن أرى كفَّةَ الغضاإذا ما بدتْ يوماً لعيني قِلالُها
ولستُ وإنْ أحببتُ من يسكنُ الغضابأوَّلِ راجٍ حاجةً لا ينالُها
وقال جميل:
قد ماتَ قبلي أخو فهدٍ وصاحبُهُمُرقِّشٌ واشتفى من عُروةَ الكمدُ
إنِّي لأحسبُ أوْ قد كدتُ أعلمُهُأنْ سوفَ توردُني الحوضَ الَّذي وردوا
فما يضرُّ امرءاً أمسى وأنتِ لهُأنْ لا يكونَ من الدُّنيا لهُ سندُ
وقال أيضاً:
يُكذِّبُ أقوالَ الوشاةِ صدودُهاويجتازُها عنِّي كأنْ لا أريدُها
وتحتَ مجاري الدَّمعِ منَّا مودَّةٌتُلاحظُ سرّاً لا يُنادى وليدُها
رفعتُ عن الدُّنيا المنى غيرَ وُدِّهافما أسألُ الدُّنيا ولا أستزيدُها
وقال أيضاً:
منَ الخفِراتِ البيضِ أُخلِصَ لونُهاتُلاحي عدوّاً لم تجدْ ما يعيبُها
فما مُزنةٌ بينَ السِّماكَيْنِ أوْ مضتْمنَ النُّورِ ثمَّ استعرضَتْها حبوبُها
بأحسنَ منها يومَ قالتْ وعندنامن النَّاسِ أوباشٌ يُخافُ شغوبُها
تعايَيْتَ فاستغنيتَ عنَّا بغيرناإلى يومِ يلقى كلَّ نفسٍ حسيبُها
وددْتُ ولا تُغني الوَدادةُ أنَّهانصيبي منَ الدُّنيا وأنِّي نصيبُها
وقال آخر:
هلِ الله عافٍ عنْ ذُنوبٍ تسلَّفتْأمِ الله إنْ لمْ يعفُ عنها يُعيدُها
وكُنَّا إذا دانتْ بذلفاءَ نيَّةٌرضينا بدُنيانا فما نستزيدها
وقال أيضاً:
عاتبةٌ لم أغنَ عن وصلهايقتلُ في أجفانها السِّحرُ
إن نظرتْ قلتُ بها ذلَّةٌأوْ خطرتْ قلتُ بها كِبرُ
أصبحتُ لا أطمعُ في وصلهاحسبيَ أن يبقى ليَ الهجرُ
وقال آخر:
صدودكَ عنِّي إذْ أسأتُ يسرُّنيولم أرَ قبلي عاشقاً سُرَّ بالصَّدِّ
سُررتُ بهِ أنِّي تيقَّنتُ أنَّمادعاكَ إليهِ رغبةٌ منكَ في ودِّي
ولو كنتَ فيَّ زاهداً لم تبالِ بيولكنَّما عتبُ المحبِّ منَ الوجدِ
فيا فرحةً لي إذْ رأيتُكَ عاتباًعليَّ لذنبٍ كانَ منِّي بلا عمدِ
وقال البحتري:
أخٌ ليَ لم تتَّصلْ نِسبتيبقُربى أبيه ولا أمِّهِ
تنكَّرَ حتَّى لأنكرْتُهُخلا أنَّني عارفٌ باسمهِ
وما ليَ منهُ سوى رِقَّةٍيُراحُ بها الشِّعرُ من فهمهِ
كذا المسكُ ما فيه مُستَمْتَعٌ لمُتَّخذيهِ سوى شمِّهِ
وقال إبراهيم بن العباس:
منِّي الصِّبرُ ومنكَ الهجرُ فابلغْ بي مداكا
بعُدتْ همَّةُ عينٍطمعتْ في أن تراكا
أوَ ما حظٌّ لعينٍأن ترى من قد يراكا
أو ترى من قد رأى منقد رأى من قدْ رآكا
وقال بعض الأعراب:
أيا جبليْ نُعمانَ قلبي إليكُمامسرٌّ هوى مُستأنسٌ بلِقاكُما
كتمتُ جميعَ النَّاسِ وجدي عليكُماوأضمرتُ في الأحشاءِ منِّي هواكُما
دعا لكما قلبي الحنينُ وإنَّهُليُؤنسُ عيني أن ترى من يراكُما
وقال بعض الأعراب:
وإنَّ الَّذي أرضى بهِ من نوالِهاعليها وإنْ ضنَّتْ بهِ ليَسيرُ
سلامٌ بعينٍ أوْ سلامٌ بحاجبٍإذا ما بهِ لمْ تدرِ كيفَ تُشيرُ
وقال الأحوص بن محمد:
وقد جئتُ الطَّبيبَ لسُقمِ نفسيليَشفيها الطَّبيبُ فما شفاها
وكنتُ إذا سمعتُ بأرضِ سُعدَيشفاني من سقامي أنْ أراها
فمنْ هذا الطَّبيبُ لسُقمِ نفسيسوى سُعدَي إذا شحطتْ نواها
وقال أيضاً:
أملامُ هلْ لمُتيَّمٍ تنويلُأم قد صرمْتِ وغالَ ودَّكِ غولُ
لا تصرميني منْ دلالكِ إنَّهُحسنٌ لديَّ وإنْ بخلتِ جميلُ
وقال البحتري:
ويحسنُ دلُّها والموتُ فيهِوقد يُستحسنُ السَّيفُ الصَّقيلُ
أقولُ أزيدُ من سقَمٍ فؤاديوهلْ يزدادُ من قتلٍ قتيلُ
وقال آخر:
إنَّ الَّتي زعمتْ فؤادكَ ملَّهاخُلِقتْ هواكَ كما خُلقْتَ هوًى لها
حجبتْ تحيَّتها فقلتُ لصاحبيما كانَ أكثرَها لنا وأقلَّها
ولبعض أهل هذا العصر:
فإنْ تكنِ القلوبُ إذنْ تُجازَىوأسلُكْ في الهوَى سَنناً سويَّا
فما لِي أهوَى الثَّقَلينِ جمعاًعليكَ وأنتَ أكرمهمْ علَيَّا
عمرتُ سنينَ أسْتحفِي التَّصافِيولا أرضَى منَ الوصلِ الرَّضيَّا
فلمْ تُقلعْ صروفُ الدَّهرِ حتَّىحُبستُ عنَ أنْ أجِي أوْ أنْ أُحيَّا
تبغَّضْ ما استطعتَ وعشْ سليماًفأنتَ أحبُّ مخلوقٍ إليَّا
وقال أبو صخر الهذلي:
ويقرُّ عينِي وهيَ نازحةٌما لا يقرُّ يَمينَ ذِي الحلمِ
إنِّي أرَى وأظنُّ أنْ سترَىوضحَ النَّهارِ وعاليَ النَّجمِ
وهذه لعمري قناعة مفرطة في بابها وإن كانت مقصِّرة عن حال التَّمام لأن صاحب هذه الحال يستجلب بُعداً لنفسه نسيم الوصال وما قصَّر عن هذا النحو الَّذي يقول:
أتانِي عنكِ سبُّكِ لِي فسُبِّيأليسَ جرَى بفيكِ اسمِي فحسْبي
فسُبِّي ما بدَا لكِ أنْ تسبِّيفما ذا كلُّهُ إلاَّ لحبِّي
وقال آخر في هذا المعنى فما قصّر:
تعاللْتِ كيْ أُشجى وما بكِ علَّةٌتُريدينَ قتلِي قدْ ظفرتِ بذلكِ
لئنْ ساءنِي أنْ نِلتِي بمساءةٍلقدْ سرَّنِي أنِّي خطرتُ ببالكِ
وأنشدني أحمد بن يحيى أبو العباس:
يا أيُّها الرَّاكبُ الغادِي لطيَّتهِعرِّجْ أُنبِّكَ عنْ بعضِ الَّذي أجدُ
ما عالجَ النَّاسُ مِنْ وجدٍ ألمَّ بهمْإلاَّ وجدتُ بهِ فوقَ الَّذي وجدُوا
حسبِي رضاهُ وأنِّي في مسرَّتهِوودِّهِ آخرَ الأيَّامِ أجتهدُ
ولعمري لقد أحسن الَّذي يقول ويقال أنَّه لأبي داود:
لا تنِلْني الرِّضا ولا تهوَ غيرِيفكفانِي بذاكَ نيلاً ورِفْقا
غايَتي أنْ أراكَ حيّاً وأُضحِيآمناً أنْ تُعيرَ طرفكَ خلقَا
ثمَّ لا أستزيدُ منكَ ولا أطْلبُ نيلاً ولوْ تقطَّعتُ عشقَا
ولبعض أهل هذا العصر في مثله:
أمرتَ ألاَّ أتشكَّى الهوَىوفعلُ ما تهواهُ مفروضُ
فلستُ أعدُو حدَّ ما قلتهُحسبِي منَ التَّصريحِ تعريضُ
وكلُّ هذه الأحوال ناقصة عن حدِّ التَّمام على عجب أصحابها بها وافتخارهم بذكرها وتوهُّمهم أن قد تهيَّأ لهم على أنفسهم ما لم يتهيَّأ لغيرهم من صبرها لأحبابهم على الحظِّ اليسير من نوالهم وأتمُّ من هؤلاء في الحال وأحسن صبراً على قليل النوال بل على ترك جميعه من رضي من النَّيل بسلامة محبوبه وكان ذلك نهاية مطلوبه.
وفي مثل ذلك يقول بعض أهل هذا العصر:
إلاَّ تكنْ في الهوَى أرويتَ مِنْ ظمإٍولا فككتَ منَ الأغلالِ مأسورا
لقد ذللتُ علَى محضِ الهوَى لكَ لالأجلِ ما كانَ مرجوّاً ومدخورا
فحسبُ نفسِي عَناً علمِي بوضِعِهامنَ الهوَى وحسبُ أنْ كنتُ معذورَا
فأينَ أذهبُ بلْ ماذا أُريدُ منَ الأيَّامِ أروِي عليها الإفكَ والزُّورا
وأنتَ ذاكَ وقلبِي ذا الَّذي ملكَتْهواهُ نسُفْكَ إكراهاً وتخْييرا
لمْ يهوكَ القلبُ إنْ أظهرتَ أنتَ لهُبرّاً فيسلاكَ إذْ أظهرتَ تقصيرَا
ولمْ يكنْ باختيارٍ لي فأتركهُولا اضطرارٍ أتاهُ القلبُ مَقهورا
لكنَّهُ مِنْ أمورِ اللهِ ممتنعٌفي الوصفِ قدَّرهُ الرَّحمانُ تقديرَا
لنْ يُضبطَ العقلَ إلاَّ ما يدبِّرُهُولنْ ترَى في الهوَى بالعقلِ تدبيرَا
كنْ مُحسناً أوْ مُسيئاً وابقَ لي أبداًتكنْ لديَّ علَى الحالينِ مشكورَا
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع