من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثالث عشر: مَنْ حُجبَ منَ الأحبابِ تذلَّل للحجَّابِ
أصل الحجاب يكون من جهتين إمَّا أن يقع من المحبوب اختياراً وإمَّا أن يوقعه غيره به اضطراراً فأمَّا الاضطرار فقسم واحد وهو صون المحبوب عن المحجوب وأما الاختيار فينقسم على ضروب فربَّما كان امتحاناً للمحبِّ من المحبوب وربَّما كان خوفاً عليه من الرَّقيب وربَّما كان استدعاءً للزيادة في الحال وربَّما كان إشفاقاً على النَّفس من العذَّال وتصوُّناً عن قبيح المقال وربَّما كان على جهة الضَّجر والملال وهذا هو شرُّ الأحوال وفي كل ذلك قد قالت الشُّعراء ونحن إن شاء الله نذكر من ذلك بعض ما يتهيَّأ على حسب ما يحتمله العدد الَّذي شرطناه.
وأنشدني أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر:
حجابٌ فإنْ تبدُو فللدَّمعِ جولةٌيكونُ لهُ مِنْ دونِ رؤيَتِها سِترا
فإنْ غاضَ دمعُ العينِ أقبلَ كاشحٌيردُّ جفونَ العينِ قدْ مُلئتْ ذُعرا
ومَنْ يشترِي منِّي حياتِي بمِيتَةٍأبعهُ حياةً يشترِي بعدَها قبرَا
ومَنْ يشترِي عَيْني بعينٍ صحيحةٍأزدهُ علَى عَيْنيَّ قلباً أبى الصَّبرا
وقال عبد الله بن طاهر:
إنْ يمنَعُوني ممرِّي نحوَ بابكمُفسوفَ أنظرُ مِنْ بُعدٍ إلى الدَّارِ
لا يقدِرونَ علَى منْعِي وإنْ جهدواإذا مررتُ وتسليمِي بإضمارِ
ما ضرَّ جيرانكمْ واللهُ يكلأُهمْلولا شقائِي إقبالِي وإدْبارِي
وقال قيس بن ذريح:
فإنْ يحجبُوها أو يحلْ دونَ وصلِهامقالةُ واشٍ أوْ وعيدُ أميرِ
فلنْ يحجبُوا عينيَّ مِنْ دائمِ البُكاولنْ يُذهبُوا ما قدْ أجنَّ ضميرِي
وقال بعض الأعراب:
فإنْ يمنعُوا ليلَى وحسنَ حديثِهافلنْ يمنعُوا منِّي البُكا والقوافِيا
فهلاَّ منعتمْ إذْ منعتمْ كلامَهاخيالاً يُوافينا علَى النَّأيِ هادِيا
وقال آخر:
لِي إلى الرِّيحِ حاجةٌ إنْ قضتْهاكنتُ للرِّيحِ ما حَييتُ غُلاما
حجبُوها عنِ الرِّياحِ لأنِّيقلتُ للرِّيحِ بلِّغيها السَّلاما
وقال البحتري:
ويكفِي الفتَى مِنْ نُصحهِ ووفائهِتمنِّيهِ أنْ يُردَى ويسلمَ صاحبُهْ
فلا تحسَبا ترْكِي الزِّيارةَ جفوةًولا سوءَ جاذَبَتْني جواذبُهْ
ومَنْ لِي بإذنٍ حينَ أعدُو إليكُماودونكُما البرجُ المطلُّ وحاجبُهْ
وقال آخر:
خليليَّ ليسَ الهجرُ أنْ تشحطَ النَّوىبإلفينِ دهراً ثمَّ يلتقيانِ
ولكنَّما الهِجرانَ أنْ تجمعَ النَّوىوأُحصرَ عمَّنْ قد أرَى ويَرانِي
وقال البحتري:
فكمْ جئتُ طوعَ الشَّوقِ مِنْ بعدِ غايةٍإلى غيرِ مشتاقٍ وما ردَّنِي بشرُ
وما بالهُ يأْبَى دخولِي وقدْ أرَىخُروجِيَ مِنْ أبوابهِ ويدِي صفرُ
وقال أيضاً:
إذا أتيتكَ إجلالاً وتكرمةًرجعتُ أحملُ برّاً غيرَ مقبولِ
فإنْ أردْتكَ عرَّضتُ الرَّسولَ لِمَايُخشَى منَ الرَّدِّ واستأذنتُ مِنْ ميلِ
وقال أبو تمام الطائي:
صبراً علَى المطلِ ما لمْ يتلهُ الكذبُفللخطوبِ إذا سامحتُها عقبُ
ليسَ الحجابُ بمقصٍ عنكَ لي أملاًإنَّ السَّماءَ تُرجَّى حينَ تحتجبُ
وقال ابن أبي طاهر:
حُجبتُ وقدْ كنتُ لا أُحجبُوأُبعدتُ عنكَ فما أقربُ
وما ليَ ذنبٌ سوَى أنَّنيإذا أُغضبتُ لا أغضبُ
وأنْ ليسَ دونكَ لي مطلبٌولا دونَ بابكَ لي مهربُ
فليتَكَ تبقَى سليمَ المحلّوتأذنُ إنْ شئتَ أوْ تَحجبُ
وقال العرجي:
لقدْ أرسلتْ ليلَى رسولاً بأنْ أقمْولا تقرَبَنَّا فالتَّجنُّبُ أمثلُ
لعلَّ العيونَ الرَّمِقاتِ لودِّناتُكذِّبُ عنَّا أوْ تنامُ فتغفلُ
أناسٌ أمنَّاهمْ فنمُّوا حديثَنافلمَّا كتمْنا السِّرَّ عنهمُ تقوَّلوا
فما حفظُوا العهدَ الَّذي كانَ بينَناولا حينَ همُّوا بالقطيعةِ أجمَلوا
فقلتُ وقدْ ضاقتْ بلادِي برُحْبهاعليَّ بما قدْ قيلَ والعينُ تهملُ
سأجتنبُ الدَّارَ الَّتي أنتمُ بهاولكنَّ طرفِي نحوَها سوفَ يُعملُ
ألمْ تعلمِي أنِّي وهل ذاكَ نافِعِيلديكِ وما أُخفِي منَ الودِّ أفضلُ
أرَى مستقيمَ الطَّرفِ ما الطَّرفُ أَمَّكمْوإنْ رامَ طرفِي غيركمْ فهوَ أحولُ
وقال آخر:
ألا طرقتْنا آخرَ اللَّيلِ زينبٌعليكِ سلامٌ هلْ لِما فاتَ مطلبُ
وقالتْ تجنَّبنا ولا تقرَبَنَّنافكيفَ وأنتمْ حاجَتِي أتجنَّبُ
وقال آخر:
اللهُ يعلمُ ما ترْكي زيارتكمْإلاَّ مخافةَ أعدائِي وحرَّاسِي
ولوْ قدرتُ علَى الإتيانِ جئتكمُسبحاً علَى الوجهِ أوْ مشياً علَى الرَّأسِ
وقال آخر:
عُقيلِيةٌ أمَّا مَلاتَ إزارِهافدِعْصٌ وأمَّا خصرُها فثقيلُ
تقيظُ بأكنافِ الحِمَى ويظلُّهابنُعمانَ منَ وادِي الأراكِ مَقيلُ
أيا مَنْ كتمْنا حبَّها لمْ نُطعْ بهِعدوّاً ولم يُؤمنْ عليهِ دخيلُ
ويا خلَّةَ النَّفسِ الَّتي ليسَ دونَهالنَا مِنْ أخلاَّءِ الصَّفاءِ دخيلُ
أمَا مِنْ مقامٍ نشتكِي غُربةَ النَّوىوخوفَ العِدَى فيهِ إليكِ سبيلُ
فديتكِ أعدائِي كثيرٌ وشُقَّتيبعيدٌ وأشياعِي إليكِ قليلُ
وكنتُ إذا ما جئتُ جِئتُ بعلَّةٍفأفنيتُ علاَّتي فكيفَ أقولُ
فما كلَّ يومٍ لي بأرضِكِ حاجةٌولا كلَّ يومٍ لي إليكِ رسولُ
أليسَ قليلاً نظرةٌ إنْ نظرتُهاإليكِ وكلٌّ منكِ ليسَ قليلُ
وقال البحتري:
قدَّمتَ قُدَّامي رجالاً كلُّهمْمتخلِّفٌ عنْ غايتِي مُتقاعسُ
وأذلتَنِي حتَّى لقدْ أشمتَّ بِيمَنْ كانَ يحسدُ منهمُ ويُنافسُ
أوعدْتَني يومَ الخميسِ وقدْ مضَىمِنْ بعدِ موعدكَ الخميسَ الخامسُ
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه:
إذا كنتَ لا تحفَى بقُربِي ولا بُعدِيولمْ تدرِ ما عِندي وقدْ جلَّ ما عِندِي
فهلْ أنتَ إنْ حكَّمتُ جودكَ منصفٌفما لي عليهِ غيرُ جودكَ مِنْ مُعدِ
أبَى الحقُّ أنْ يخفَى وأقضِي ولا أرَىبجودكَ يوماً في سعيدٍ ولا سعدِ
ويدفعُ في صدرِي حجابكَ بعدَماأكونُ وما قبلِي لأُنسٍ ولا بعدِي
فما لِي قدْ أُبعدتُ عنكَ وطالَمادعوتُ فلمْ تُبعدْ نداكَ علَى بُعدِي
وأصبحتُ قدْ شوركتُ فيك ولمْ نزلْكغُصنينِ في ساقٍ وسيفينِ في غمدِ
أللجدِّ هذا منكَ أمْ أنتَ مازحٌفكمْ مِنْ مُزاحٍ عادَ يوماً إلى الجدِّ
وليسَ دوامُ الشُّكرِ يوماً بواجدٍلمنْ لمْ يدمْ منهُ الوفاءُ علَى العهدِ
ولبعض أهل هذا الزمان:
بعينيكَ ما ألقَى إذا كنتَ حاضراًوإنْ غبتَ فالدُّنيا عليَّ محابسُ
ففيمَ أرَى نفسِي لقًى بفنائكمْولا مَنْ يُدانيني لديكمْ مُؤانسُ
أتحجُبُني أنْ قلتَ تحسدُ مَنْ بغَىهوايَ ومَنْ أحفَى بهِ وأُوانسُ
أجلْ إنَّ مَنْ يبغِي هواكَ محسَّدٌعليكَ ومنْ يهوَى هواهُ منافسُ
إذا لمْ أُنافسْ في هواكَ ولمْ أغَرْعليكَ ففيمنْ ليتَ شِعرِي أُنافسُ
فلا تحتقرْ نفسِي وأنتَ حبيبُهافكلُّ امرئٍ يصبُو إلى مَنْ يُجانسُ
وقال جرير:
قتلْنَنا بعيونٍ زانَها مرضٌوفي المراضِ لنا شجوٌ وتعذيبُ
حتَّى متى أنتَ مشغوفٌ بغانيةٍصبٌّ إليها طوالَ الدَّهرِ مكروبُ
قدْ تيَّمَ القلبَ حتَّى زادهُ خَبَلاًمَنْ لا يكلِّمُ إلاَّ وهو محجوبُ
وأرى في هذه المقطوعة ومقطوعات قبلها ما يدلُّ على ضجر من المحجوب وقلَّة صبر منه على نازلات الخطوب ولعمري كان الضَّجر على ما لا يصلح منه الانتصار ولا ينبسط عليه الاقتدار مهجِّناً لمظهره ومزرياً بمستشعره فإنَّ من تسامح له الزَّمان وتغافلت عنه صروف الأيَّام فوقع في مرعى خصيب وظفر بما لم يأمله المحبوب ثمَّ عطفت عليه الأيَّام عطفة الحنق المغتاظ فاسترجعت ما أعطته واستردَّت ما أعارته لغير معنَّف على الحيرة والتَّخليط والتَّأسُّف على ما قدَّم من التَّفريط.
وفي هذا المعنى يقول بعض أهل هذا العصر:
ألا مَنْ لقلبٍ قدْ دعاهُ تَجاسُرُهْوضاقتْ بهِ بعدَ الورودِ مصادرهْ
تغافلَ عنهُ الدَّهرُ فاغترَّ بالمُنىفلمَّا أضاعَ الحزمَ كرَّتْ عساكرهْ
فأصبحَ كالمأسورِ طالتْ عُداتهُعليهِ وذلَّتْ بعدَ عزٍّ عشائرهْ
تجرَّتْ عليهِ النَّائباتُ فأصبحتْبكلِّ الرَّدى غيرَ الحِمامِ تُبادرهْ
وقدْ كانَ صرفُ الدَّهرِ يُقبلُ نحوهُإذا جالَ في بحرٍ منَ الفكرِ خاطرهْ
وأنشدني أبو طاهر الدمشقي في نحو ذلك:
ربَّ قومٍ قدْ غدَوْا في نعمةٍوعُلا عزٍّ عَلا ثمَّ بسَقْ
سكتَ الدَّهرُ زماناً عنهمُثمَّ أبكاهمْ دماً حينَ نطقْ
وفي مثله يقول عدي بن زيد:
قدْ أرانَا وأهلُنا بخفيرٍنحسبُ الدَّهرَ والسِّنينُ شُهورا
فأمِنَّا وغرَّنا ذاكَ حتَّىراعَنا الدَّهرُ إذْ أتانا مُغيرا
إنَّ للدَّهرِ صولةً فاحْذَروهالا تبيتنَّ قدْ أمنتَ الدُّهورا
قدْ ينامُ الفتَى صحيحاً فيردَىولقدْ باتَ آمناً مستُورا
ولعمري قد أحسن أبو تمام الطائي حيث يقول:
أعوامُ وصلٍ كانَ يُنسي طولَهاذكرُ النَّوى فكأنَّها أيَّامُ
ثمَّ انبرتْ أيَّامُ هجرٍ أُردفتْبجوَى أسًى فكأنَّها أعوامُ
ثمَّ انقضتْ تلكَ السِّنينُ وأهلُهاوكأنَّهمْ وكأنَّها أحلامُ
وعلى أنَّه لا ينبغي للعاقل أن يفرط في الجزع من غير الأيَّام فإنَّ الدَّهر حالٌ بعد حالٍ وكما كان اتِّصال السُّرور ذريعة إلى وقوع المحذور فكذلك ربَّما كان وقوع المكروه من أقوى الأسباب لرجوع المحابِّ ولقد أحسن كل الإحسان الَّذي يقول:
قدْ ينعمُ اللهُ بالبلوَى وإنْ عظُمتْويبتَلِي اللهُ بعضَ القومِ بالنِّعمِ
وقد قيل في ذم الحاجب والمحجوب أشياء لا تصلح من محبّ إلى محبوب غير أنَّا نصل بذكر بعضها الباب لأنَّها وإن لم تكن داخلة في حقيقته فإنَّها غير خارجة من جملته.
أنشدنا أبو الضياء لنفسه:
كلُّ حجابِ المرءِ نقصٌ بهِوبعضهُ أقبحُ مِنْ بعضهِ
وحاجبُ المرءِ إذا اختارهُلنفسهِ تاهَ علَى عِرضهِ
وربَّما ذُمَّ علَى تيههِخليفةُ الرَّحمانِ في أرضهِ
وكمْ رأينَا حاجباً تائهاًقدْ أُبغضَ المحجوبُ مِنْ بُغضهِ
وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى:
لمَّا رأيتُ أميرَنا متهجِّماًودَّعتُ عرصةَ دارهِ بسلامِ
ورفضتُ صفحتهُ الَّتي لمْ أرضَهاوأزلتُ عنْ رتبِ الدّناةِ مقامِي
ووجدتُ آبائِي الَّذينَ تقدَّمواسنُّوا الإباءَ علَى الملوكِ أمامِي
وقال أيضاً أحمد بن يحيى:
سأتركُ هذا البابَ ما دامَ إذنهُعلَى ما أرَى حتَّى تلينَ قليلا
إذا لمْ نجدْ يوماً إلى الإذنِ سلَّماًوجدْنا إلى تركِ المجيءِ سبيلا
وقال البحتري:
ولمَّا وقفْنا ببابِ الوزيرِوقدْ رُفعَ السِّترُ أوْ جانبهْ
ظللْنا نُرجِّمُ فيكَ الظُّنونَأحاجمُهُ أنتَ أمْ حاجبهْ
وقال ابن عبدوس لنفسه:
قدْ أتيناكَ وإنْ كنْتَ بنا غيرَ حقيقِ
وتوخَّيناكَ بالبِرِّ علَى بُعدِ الطَّريقِ
كلَّما جئناكَ قالوانائمٌ غيرُ مفيقِ
لا أَنامَ اللهُ عينَيْكَ وإنْ كنتَ صديقِي
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع