من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الرابع عشر: مَنْ مُنعَ منَ الوصولِ اقتصرَ علَى الرَّسولِ
ذكروا أنَّ جميلاً وكثيِّراً التقيا فقال جميل لكثيّر بأني أريد أن تصير إلى بثينة فتأخذ لي عليها موعداً، فقال له: ويحك من عند عمِّها جئت وغاشية أهلها كثير قال له جميل: إنَّ الحيلة تأتي من وراء ذلك فقال له كثيّر: فأعطني علامة تعرفها قال جميل: آخر يوم التقينا كنَّا في وادي الدَّوم فأصاب ثوبها شيء من ورق الشَّجر فغسلته فمضى كثيّر إلى عمِّها فقال له: ما الَّذي ردَّك؟ فقال: أبيات صنعتها في عزَّة أحببت أن تسمعها قال: وما هي؟ فأنشأ يقول:
أقولُ لها يا عزَّ أرسلَ صاحبِيعلَى نأْيِ دارٍ والموكَّلُ مُرسلُ
بأنْ تجعلِي بيني وبينكِ موعداًوأنْ تأمُريني ما الَّذي فيهِ أفعلُ
أما تذكرينَ العهدَ يومَ لقيتكمْبأسفلِ وادِي الدَّومِ والثَّوبُ يُغسلُ
فلمَّا سمعت ذلك بثينة قالت: إخسأ قال لها عمُّها: ما الَّذي أخسأت يا بثينة؟ قالت: كلباً كان يعترينا ليلاً وقد رأيته نهاراً فانصرف كثيّر إلى جميل وعرَّفه أنَّا قد ذكرت اللَّيل فصر إليها.
وقال آخر:
إنَّ الَّتي أبصرْتهاسحَراً تكلِّمُني رسولُ
أدَّتْ إليَّ رسالةًكادتْ لها نفسِي تسيلُ
فَلَوَ انَّ أُذنكَ بينَنَاحتَّى تسمَّعَ ما نقولُ
لرأيتَ ما استقبحتَهُمِنْ فعلِنا وهوَ الجميلُ
وقال آخر:
خليليَّ عُوجا باركَ اللهُ فيكُماوإنْ لمْ تكنْ أرضِي لأرضِكُما قصدا
وقولا لها ليسَ الضَّلالُ اختيارَناولكنَّنا جُزْنا لنلقاكمُ عمْدا
وقال آخر:
ألا يا نسيمَ الرِّيحِ إنْ كنتَ هابطاًبلادَ سُليمى فالتمسْ أنْ تكلَّما
لتَقْرَا علَى ليلى السَّلامَ وأهلِهاوكنْ بعدَها عنْ سائرِ النَّاسِ أعجَما
وقال خليفة بن روح الأسدي:
ألا يا خليلَ النَّفسِ إنْ جئتَ أرضَهافأنتَ لمشهورٌ هناكَ رسولُ
فسلْ أُمَّ سلمٍ هلْ محا عهدَها الغِنىومالٌ حوتهُ بعدَنا وخليلُ
وباللهِ سلْهَا هلْ تطاولَ ليلُهاكما اللَّيلُ إذْ بانتْ عليَّ طويلُ
وإنَّ لسانِي باسمِ ليلَى وذكرِهاإذا قلتُ تشبيهاً بها لذلولُ
وقال ابن أبي أمية:
أقولُ وقدْ أجدَّ رحيلُ صحْبِيلِخِدْنَيَّ اهدِيا هدياً جميلا
ألِمَّا قبلَ بينِكُما بسُلمىفقولا أنتِ ضامنةٌ قتيلا
رجَا منكِ النَّوالَ فلمْ تُنيلِيوقد أورثتهِ سقماً طويلا
فإن وصلتْكُما سُلمى فقولانرَى في الحقِّ أنْ نصلَ الوَصولا
وإنْ آنستُما بخلاً فلسْنابأوَّلِ مَنْ رجَا حرجاً بَخيلا
وقال المقدام بن ضيغم:
أخا الجنِّ بلِّغْها السَّلامَ فإنَّنيمنَ الإنسِ مزورُّ الجَنانِ كتومُ
أخا الجمِّ حالُ النَّاسِ بيني وبينَهاعدوٌّ ومُستَحْياً عليَّ كريمُ
وقال يزيد بن الطثرية:
ألمَّا علَى ظلاَّمَة اليومَ فانْطِقابعُذرِي لديها واذْكُراني تعجُّبا
وقولا إذا عدَّتْ ذنوباً كثيرةًعليَّ تجنَّاها امرؤٌ ما تغبَّبَا
هَبيهِ امرءاً إمَّا بريئاً ظلمتهِوإمَّا مُسيئاً تابَ بعدُ وأعْتَبا
وقال أيضاً:
أيا رِفقةً مِنْ أهلِ بُصرَى تحمَّلتْتؤمُّ الحِمى لُقِّيتِ مِنْ رفقةٍ رُشدا
إذا ما بلغتمُ سالمينَ فبلِّغواتحيَّةَ مَنْ قد ظنَّ أنْ لا يرَى نجدا
وقولا تركْنا الحارثيَّ مكبَّلاًبكبلِ الهوَى مِنْ حبِّكمْ مضمراً وجْدا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
أرسلتْ أسماءُ في معتبةٍعتِبَتْها وهيَ أحلى مَن عتبْ
إذْ أتى منها رسولٌ موهناًوجدَ الحيَّ نياماً فانقلبْ
ضربَ البابَ فلمْ يشعرْ بهِأحدٌ يفتحُ عنهُ إذْ ضربْ
قالَ أيقاظٌ ولكنْ حاجةٌعرضتْ تُكتمُ منَّا فاحتجبْ
ولهذا ردَّنِي فاجتهدتْبيمينٍ حلفتْ عندَ الغضبْ
أُشهدُ الرَّحمانَ لا يجمعُناسقفُ بيتٍ رحِباً حتَّى وجبْ
قلتُ يا هندُ اعمِدِي لي نحوَهاواحلِفي باللهِ كشَّافِ الكربْ
فأتتها طبَّةٌ عالمةٌتخلطُ الجدَّ مراراً باللَّعبْ
ترفعُ الصَّوتَ إذا لانتْ لهاوتَراخَى عندَ سوراتِ الغضبْ
لمْ تزلْ تصرِفُها عنْ رأيِهاوتأَنَّاها برفقٍ وأدبْ
فبلغني أنَّ ابن أبي عتيق لمَّا سمع هذا الشعر قال لعمر بن أبي ربيعة النَّاس في طلب خليفة مثل قوَّادتك هذه منذ قتل عثمان بن عفان فما يقدرون عليه.
وقال أبو تمام الطائي:
أغنيتَ عنِّي غَناءَ الماءِ في الشَّرقِوكنتَ منشئَ وبلِ العارضِ الغدقِ
يا منَّةً لكَ لولا ما أُخفِّفُهابهِ منَ الشُّكرِ لم تُحملْ ولمْ تطقِ
وقال أيضاً في وصفه كتاباً ورد عليه وأحسن:
فضضتُ خِتامهُ فتبلَّجتْ لِيغرائبهُ عنِ الخبرِ الجليِّ
وكانَ أجلَّ في عيني وأبهَىعلَى كبدِي منَ الزَّهرِ النَّديِّ
وأحسنَ موقعاً منِّي وعندِيمنَ البُشرَى أتتْ بعدَ النَّعيِّ
وضُمِّن صدرهُ ما لمْ تضمَّنْصدورُ الغانياتِ من الحليِّ
وقال البحتري:
تناءتْ دارُ عَلوةَ بعدَ قربٍفهلْ ركبٌ يبلِّغها السَّلاما
وجدَّدَ طيفُها عتباً علينافما يعتادُنا إلاَّ لِماما
وربَّةَ ليلةٍ قدْ بتُّ أُسقَىبكفَّيها وعينيها المُداما
قطعنا اللَّيلَ لثماً واعتناقاًوأفنيناهُ ضمّاً والتزاما
وقال أيضاً:
هل ركْبُ مكَّةَ حاملونَ تحيَّةًتُهدى إلينا مِنْ معنًى مغرمِ
ردَّ الجفونَ علَى كرًى متبدِّدٍوحنَى الضُّلوعَ علَى جوًى متضرِّمِ
إن لمْ يبلغكَ الحجيجُ فلا رمَوْابالجمرتينِ ولا سُقوا مِنْ زمزمِ
وقال زيادة بن زيد:
ألمَّا بليلى يا خليليَّ فانظراوما لمْ تُلمَّا بابَها كانَ أكثرا
وعُوجا المطايا طالَما قدْ هجرتُهاعليها وإنْ كانَ المُعرَّجُ أغبرا
متى يرَها العَجلانُ لا يثنِ طرفهُإلى عينهِ حتَّى يحارَ ويحسرَا
ولوْ خلِّيتْ ليلى علَى اللَّيلِ مظلماًلجلَّتْ ظلامَ اللَّيلِ ليلى فأقمرا
ولمْ أرَ ليلى بعدَ يومِ لقيتُهاتكفُّ دموعَ العينِ أنْ تتحدَّرا
فما بدَّدَ الهجرانَ يا ليلُ بينناوشحطَ النَّوى إلاَّ الهوَى والتَّذكُّرا
وكمْ دونَ ليلى بلدةٌ مُسبَطِرَّةٌوبيدٌ مَلاها العينُ حتَّى تحيَّرا
وقال نصيب:
خليليَّ زُورا العامريّةَ فانظُراأيبقَى لديها الودُّ أمْ يتقضَّبُ
وقولا لها إنْ يعتزِلْكِ فلا قلًىولكنَّهُ عنْ رقبةٍ يتجنَّبُ
يرَى دونكمْ مَنْ يتَّقي وهوَ إلفٌلكمْ ولهُ مِنْ دونكمْ مُترقَّبُ
فصدَّ وما يسطيعُ صرمكِ إنَّهُولو صدَّ رهنٌ في حبالكِ مُنشبُ
وقال الأحوص:
إذا ما أتَى مِنْ نحوِ أرضكِ راكبٌتعرَّضتُ واستخبرتُ والقلبُ موجعُ
فأبدا إذا استخبرتُ عمداً بغيرِهاليخفَى حديثِي والمخادعُ يخدعُ
وأُخفي إذا استخبرتُ أشياءَ كارهاًوفي النَّفسِ حاجاتٌ إليها تطلَّعُ
فسرُّكِ عندِي في الفؤادِ مكتَّمٌتضمَّنهُ منِّي ضميرٌ وأضلعُ
إلى اللهِ أشكُو لا إلى النَّاسِ حاجتِيولا بدَّ مِنْ شكوَى حبيبٍ يروَّعُ
ألا فارْحَمي مَنْ قدْ ذهبتِ بعقلهِفأمسَى إليكمْ خاشعاً يتضرَّعُ
إذا قلتُ هذا حينَ أسلُو ذكرتُهافظلَّتْ لها نفسِي تتوقُ وتنزعُ
إن كان أحد من المرسَلين إلى أحبابهم والسَّائلين عن أخبارهم معذوراً فصاحب هذا الشِّعر معذور لأنه قد احتاط جهد وكتم سرَّه بحسب ما يمكنه وليس هذه حالة تامة ولا في باب المراسلات حال تامة غير أنَّ كلَّ ما قلَّ من الإظهار وانكتم من الأسرار كان صاحبه أعذر ممَّن أفرط في إظهار حاله وائتمن النَّاس علَى أسراره.
وقال آخر:
أتتْنا عيونٌ مِنْ بلادكِ لم تجئْلنا ببيانٍ منكِ ثمَّ عيونُ
وإنَّ منَ الخلاَّنِ من تشحطُ النَّوىبهِ وهوَ راعٍ للودادِ أمينُ
ومنهمْ كغيبِ العينِ أمَّا لقاؤهُفحلوٌ وأمَّا غيبهُ فخؤونُ
وقال آخر:
ألا أيُّها الرَّكبُ اليمانونَ عرِّجواعلينا فقدْ أضحَى هوانا يمانِيا
نُسائلكمْ هلْ سالَ نعمانُ بعدَناوحبَّ إلينا بطنُ نُعمانَ وادِيا
عهِدنا بهِ صيداً غزيراً ومشرباًبهِ نُقعَ القلبُ الَّذي كانَ صادِيا
وأنشدني أعرابي بالبادية:
أيا ربِّ أنتَ المستعانُ علَى نوًىلعزَّةَ قد أزرَى بجسمِي حِذارُها
أُسائلُ عنهمْ أهلَ مكةَ كلُّهمْبحيثُ التقى حجَّاجُها وتِجارُها
عسَى خبرٌ منها يُصادفُ رفقةًمخلَّفةً أوْ حيثُ تُرمَى جمارُها
ومعتمرٍ في ركبِ عزَّةَ لمْ تكنْلهُ حاجةٌ في الحجِّ لولا اعتمارُها
لئنْ عزفتْ يا عزَّ نفسِي عنكمُلبعدٍ أشدَّ الوجدِ كانَ اصطبارُها
ولبعض أهل هذا العصر:
أتذكرُ اليومَ ما لاقيتُ مِنْ كمدٍأمْ قدْ كفاكَ رسولِي بالَّذي ذكرا
هذا مقامُ فتًى أقصاهُ مالكهُفحاولَ الصَّبرَ حيناً ثمَّ ما صبرا
بينَا يُعدِّدُ أحقاداً ويضمرُهاإذْ قادهُ الشَّوقُ حتَّى جاءَ معتذرا
لمْ يجنِ ذنباً فيدرِي ما يُمحِّصهُولا يرَى أجلاً للصَّفحِ مُنتظرا
واللهِ واللهِ لا تُشمتْ أعاديَهُفالصَّفحُ أجملُ بالمولَى إذا قدرا
وقال سهيل بن عليل:
ألا أيُّها الرَّكبُ المخبُّونَ هلْ لكمْبأُختِ بني نهدٍ نُهَيَّةَ مِنْ عهدِ
أألقتْ عصاها فاستقرَّ بها النَّوىبأرضِ بني قابوس أمْ ظعنتْ بعدِي
وقال آخر:
بعثتُ رسولاً فأضحَى خليلاعلَى الرُّغمِ منِّي فصبراً جميلا
وكنتُ الخليلُ وكانَ الرَّسولُفأضحَى خليلاً وصرتُ الرَّسولا
كذا مَنْ يوجِّهُ في حاجةٍإلى مَنْ يحبُّ رسولاً نبيلا
وزعموا أن جارية أرسلت جاريتها برسالة إلى خليل كان لها فاتَّهمته بأنه خمشها فكتب معتذراً من ذلك:
زعمَ الرَّسولُ بأنَّني خمَّشتهُكذبَ الرَّسولُ وفالقِ الأصباحِ
إن كنتُ خمَّشتُ الرَّسولَ فعافصتْروحِي أناملُ قابضِ الأرواحِ
شغلي بحبِّكِ عنْ سواكِ وليسَ ليقلبانِ مشغولٌ وآخرُ صاحِ
قلبي الَّذي لمْ يُبقِ فيهِ هواكمُفضلاً لتخميشٍ ولا لمزاحِ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع