من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الخامس عشر: مَنْ أحبَّه أحبابهُ وشَى بهِ أترابهُ
مكايد الوشاة كلُّها تنقسم على ثلاثة أقسام فسعاية المتحابَّين إلى غيرهما وسعاية المحبّ إلى محبوبه وسعاية المحبوب إلى محبِّه فهذه عند كثير من الأدباء أضعف المكايد أثراً وليس الأمر كذلك ولا هو أيضاً بضدِّ ذلك ولكنَّه محتاج إلى نقصان أمَّا العشَّاق والمتيَّمون فلا يقبلون قول الوشاة بل لا يسمعونه لأنَّ الثِّقة منهم بأحبابهم ماحيةٌ لقول من وشى بهم وأمَّا أهل الوله المدلَّهون فيقبلون ما لا يسمعون فضلاً عمَّا يسمعون لما قدَّمنا من وصفهم وغلبة الظّنِّ على أنفسهم ونحن نذكر إن شاء الله من كلِّ ما قيل في ذلك طرفاً.
وقال بعض الظرفاء:
ولمَّا رأينا الكاشحينَ تتبَّعواهوانا وأبدَوْا دونَنا أعيناً خُزرا
جعلتُ وما بي مِنْ جفاءٍ ولا قِلًىأزورُكمُ يوماً وأهجركمْ شهرا
ولوْ نظرتْ بينَ الجوانحِ والحشارأتْ مِنْ كتابِ الحبِّ في كبدِي سطرا
وقال الأحوص:
يا بيتَ عاتكةَ الَّذي أتعزَّلُحذرَ العِدى وبهِ الفؤادُ موكَّلُ
أصبحتُ أمنحُكَ الصُّدودَ وإنِّنيقسماً إليكَ معَ الصُّدودِ لأميلُ
وتجنُّبي بيتَ الحبيبِ وذِكرَهُأُرضي البغيضَ به حديثٌ مُعضِلُ
هلْ عيشُنا بكَ في زمانكَ راجعٌفلقدْ تفحَّشَ بعدكَ المتعلِّلُ
ولوَ انَّ ما عالجتُ لينَ فُؤادهِفقَسَا استُلينَ بهِ للانَ الجندلُ
وقال معاذ ليلى:
إذا جئتُها وسْطَ النِّساءِ منحتُهاصدوداً كأنَّ النَّفسَ ليسَ تُريدُها
ولي نظرةٌ بعدَ الصُّدودِ من الهوَىكنظرةِ ولْهى قد أُميتَ وحيدُها
وقال بعض الأعراب:
لَعمْرُ أبي المُحصينَ أيامُ نلتقيلِما لا نُلاقيها منَ الدَّهرِ أكثرُ
يعدُّونَ يوماً واحداً إنْ أتيتُهاوينسونَ ما كانت من الدَّهر تهجرُ
وقال آخر:
أمُرُّ مجنِّباً عنْ بيتِ ليلىولمْ ألمِمْ بهِ وبهِ القليلُ
أمرُّ مُجنِّباً وهوايَ فيهِوطرفي عنهُ مُنكسرٌ كليلُ
وقلبي فيه مُحتبسٌ فهلْ ليإلى قلبي ومالكِهِ سبيلُ
أُؤمِّلُ أنْ أُعلَّ بشربِ ليلىولم أنهلْ فكيفَ ليَ العُلولُ
وقال جميل:
أتهجرُ هذا الرَّبعَ أمْ أنتَ زائرُهْوكيفَ يُزارُ الرَّبعُ قد بانَ عامرُهْ
رأيتكَ تأتي البيتَ تُبغضُ أهلَهُوقلبكَ في البيتِ الَّذي أنتَ هاجرُهْ
وقال الحسين بن مطير:
بنفسيَ منْ لا بدَّ أنِّي هاجرُهْومنْ أنا في الميسورِ والعُسرِ ذاكرُهْ
ومن قد رماهُ الناسُ حتَّى اتَّقاهمُبِبُغضيَ إلاَّ ما تجِنُّ ضمائرُهْ
ومن ضنَّ بالتَّسليمِ يومَ فراقهِعليَّ ودمعُ العينِ تجري بوادرُهْ
ومن بانَ منَّا يومَ بانَ وما درىأكُنتُ أنا الموتورَ أم أنا واترُهْ
وحالَ بنو العمَّاتِ والعمُّ دونهُونذْرُ عدوٍّ لا تُغبُّ نذائرُهْ
أتجهرُ بيتاً بالحجازِ تكنَّفتْجوانبَهُ الأعداءُ أنتَ زائرُهْ
فإنْ آتهِ لا أنجُ إلاَّ بظنَّةٍوإنْ يأتهِ غيري تُصبْني جرائرُهْ
وقال آخر:
ولمْ أرَ محزونَيْنِ أجملَ لوعةًعلَى نائباتِ الدَّهرِ منِّي ومن جُمْلِ
كلانا يذودُ النَّفسَ وهيَ حزينةٌويُضمرُ شوقاً كالنَّوافذِ بالنَّبْلِ
وقال أبو القمقام الأسدي:
أعفراءُ كمْ من ميتةٍ قد أذقْتنيوحُزنٍ ألجَّ العينَ بالهَملانِ
بُلينا بهجرانٍ ولم يُرَ مثلنامن النَّاسِ إنسانيْنِ مُهتجرانِ
أشدَّ مُصافاةً وأبعدَ من قِلًىوأعصى لِواشٍ حينَ يُكتنفانِ
وقال معاذ ليلى:
أهابُكِ إجلالاً وما بكِ قدرةٌعليَّ ولكنْ ملءُ عينٍ حبيبُها
وما هجرَتْكِ النَّفسُ يا ليلُ إنَّهاقليلٌ ولا أنْ قلَّ منكِ نصيبُها
ولكنَّهمْ يا أملحَ النَّاسِ أكثروابقولٍ إذا ما جئتُ هذا حبيبُها
أتُضربُ ليلى إن مررتُ بذي العصَىوما ذنبُ ليلى إن طوى الأرضَ ذيبُها
وقال عروة بن حزام:
تكنَّفني الواشونَ من كلِّ جانبٍولوْ كانَ واشٍ واحدٌ لَكفاني
إذا ما جلسنا مجلساً نستلذُّهْتواشَوا بنا حتَّى أملَّ مكاني
ألا لعنَ اللهُ الوُشاةَ وقولهُمْفُلانةُ أضحتْ خُلَّةً لفلانِ
ألا ليتَ كلَّ اثنينِ بينهُما هوًىمنَ النَّاس والأنعامِ يلتقيانِ
أناسيةٌ عفراءُ وصليَ بعدَ ماجرى الدَّمعُ من عينيَّ بالهَملانِ
إذا رامَ قلبي هجرها حالَ دونهاشفيعانِ من قلبي لها جَدِلانِ
إذا قلتُ لا قالا بلى ثمَّ أصبحاجميعاً علَى الرَّأيِ الَّذي يرَيانِ
وقال البحتري:
خليليَّ لا أسماءَ إلاَّ ادِّكارُهاولا دارَ من وهْبينَ إلاَّ طُلولُها
تمادى بها الهجرُ المُبرِّحُ والنَّوىبمسمعها قال الوشاةِ وقيلُها
وقد كثرَتْ منَّا المُعاصاةُ للصِّبىولوْ أنَّها قلَّتْ لضرَّ قليلُها
هلِ الوجدُ إلاَّ عبرةٌ أسترِدُّهاأوِ الحبُّ إلاَّ عثرةٌ أستقيلُها
وقال آخر:
خليليَّ إنِّي اليومَ شاكٍ إليكُماوهل تنفعُ الشَّكوى إلى منْ يزيدُها
تفرُّقُ أُلاَّفٍ وجولانُ عَبرةٍأظلُّ بأطرافِ البنانِ أذودُها
ولا يلبثُ الواشونَ أنْ يصدعوا العصاإذا لم يكنْ صلْباً علَى البرْيِ عودُها
وقال أبو علي البصير:
لقدْ قرعَ الواشي بأهوَنِ سعْيِهِصفاةً قديماً أخطأتْها القوارِعُ
فأقلقني في ضعْفهِ وهوَ ساكنٌوشرَّدَ عنْ عيني الكرى وهوَ هاجعُ
وأنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي ليزيد الغواني العجلي:
سرتْ عرْضَ ذي قارٍ إلينا وبطْنِهِأحاديثُ للواشي بهنَّ دبيبُ
أحاديثُ سدَّاها شبيبٌ ونارَهاوإن كانَ لم يسمعْ بهنَّ شبيبُ
وقد يكذبُ الواشي فيُسمعُ قولهُويصْدقُ بعضُ القولِ وهوَ كذوبُ
وقال آخر:
فإنْ تكُ ليلى قدْ جفتْني وطاوعَتْعلَى صرمِ حبلي من وشى وتكذَّبا
لقدْ باعدتْ نفساً عليها شفيقةًوقلباً عصى فيها الحبيبَ المُقرَّبا
فلستُ وإنْ ليلى تولَّتْ بودِّهاوأصبحَ باقي الوصلِ منها تقضَّبا
بمُثْنٍ سوى عُرفٍ عليها ومُشمتٍوُشاةً بها كانوا شهوداً وعيَّبا
ولكنَّني لا بدَّ أنِّيَ قائلٌوذو اللُّبِّ قوَّالٌ إذا ما تعتَّبا
فلا مرحباً بالشَّامتينَ بهجرِناولا زمنٍ أمسى بنا قدْ تقلَّبا
وقال معاذ ليلى:
فلوْ كانَ واشٍ باليمامةِ دارهُوداري بأعلى حضرموتَ اهتدى لِيا
وماذا لهمْ لا أكثرَ اللهُ خيرهُمْمنَ الحظِّ في تصريمِ ليلى حِباليا
وقال بعض الأعراب:
أما والرَّاقصاتِ بذاتِ عِرْقٍومنْ صلَّى بنُعمانِ الأراكِ
لقدْ أضمرتُ حبَّكِ في فؤاديوما أضمرتُ حُبّاً من سواكِ
أطعْتِ الآمريكِ بصرمِ حبْليمُريهِمْ في أحبَّتهمْ بذاكِ
فإنْ همْ طاوعوكِ فطاوعيهِمْوإن عاصوْكِ فاعصَيْ منْ عصاكِ
وقال ابن الدمينة:
ديارُ الَّتي هاجرتُ عصراً ولِلهوىبقلبي إليها قائدٌ ومُهيبُ
لِتسلمَ من قولِ الوُشاةِ وإنَّنيلهُمْ حينَ يغتابونَها لَذنوبُ
أُمَيْمُ بقلبي من هواكِ زُمانةٌوأنتِ لها لوْ تبذلينَ طبيبُ
أُميمُ لقدْ غيَّبْتني وأرَيْتنيبدائعَ أخلاقٍ لهنَّ ضروبُ
ولبعض أهل هذا العصر:
لئنْ رقدَ الواشي سروراً بما رأَىوهانَ عليهِ أنْ يقرَّ وأنصبا
لقدْ أسهرَ العينينِ منِّي صبابةًوغادرَ قلبي مُستهاماً معذَّبا
عدمتُ الهوَى إنْ كنتُ عاشرتُ وافياًسواكَ وقد طوَّفتُ شرقاً ومغربا
فإنْ لمْ تدعْ ما لا أُحبُّ تظرُّفاًولا راعياً عهدِي فدعهُ تَحوَّبا
وأنشدني أحمد بن يحيى:
هجرتُ فلمَّا أنْ هجرتُكَ أصبحتْبنا شمَّتاً تلكَ العيونُ الكواشحُ
فلا يفرحِ الواشونَ بالهجرِ ربَّماأطالَ المحبُّ الهجرَ والجيبُ ناصحُ
وتغدو النَّوى بينَ المحبّينِ والهوَىمعَ القلبِ مطويٌّ عليهِ الجوانحُ
وأنشدتني منيرة العصبية:
ما كانَ ذاكَ الهجرُ منِّي عنْ قِلًىلا والَّذي رفعَ السَّما وبناها
إنِّي لَيَثنيني الحياءُ وأنثنِيوأصدُّ بعضَ مودَّتِي اسْتبقاها
وإذا المناضلُ لم يكنْ متثبِّتاًيبقَى مواقعَ نبلهِ أفناها
وقال آخر:
وتحسبُ ليلى أنَّني إنْ هجرتُهاحذارَ الأعادِي أنَّما بي هونُها
ولكنَّ ليلى لا تفي بأمانةٍفتحسبُ ليلى أنَّني سأَخونُها
وبي مِنْ هواها الدَّهرَ ما لوْ أبثُّهُجماعةَ أعدائِي بكتْ لِي عيونُها
وقال رجل من أزد:
فويحَكُما يا واشييْ أمِّ معمَّرٍلمنْ وإلى مَنْ جئتُما تشيانِ
لعلَّكما إنْ تُخبراني قليتُهاوأطعمتُها عندِي لها بهوانِ
بنفسيَ مَنْ لوْ أستطيعُ أتيتُهُسريعاً ومَنْ لو يستطيعُ أتانِي
ومَنْ لو أراهُ عاتباً لفديتُهُومَنْ لو رآنِي عاتباً لفدانِي
وقال الأقرع بن معاذ القشيري:
ألا أيُّها الواشي بليلَى ألا ترَىإلى مَنْ تَشِي بي أوْ بمنْ جئتَ واشِيا
لعمرُ الَّذي لمْ يرضَ حتَّى أُطيعهُبليلَى إذنْ لا يصبحُ الدَّهرَ راضِيا
إذا نحنُ رُمنا هجرَها ضمَّ حبَّهاضميرُ الحشا ضمَّ الجناحِ الخَوافيا
وقال آخر:
كأنَّ عائبكمْ يُبدي محاسنكمْيأتِي ليُنقصكمْ عندِي فيُغريني
ما فوقَ حبِّيكِ حبٌّ لستُ أعلمهُفما يضرُّكِ ألاَّ تستَزِيدي
وقال البحتري:
يملأُ الواشِي جَنانِي ذُعراًويُعنِّيني الحديثُ المختلقْ
حبُّها أوْ فرَقٌ من هجرِهاوصريحُ الحبِّ ذُلٌّ أوْ فرَقْ
وقال حباب بن ملك العبشمي:
الحمدُ للهِ ما زالَ الوُشاةُ بِنامن غيرِ مقْليةٍ حتَّى هجرْناها
الحمدُ للهِ قد كنَّا ولو نزلتْمنَّا بأبعدَ من هذا لَزُرناها
وقال قيس بن ذريح:
تكنَّفني الوشاةُ فأزعجونيفيا للنَّاسِ للواشي المُطاعِ
فأصبحتُ الغَداةَ ألومُ نفسيعلَى أمرٍ وليسَ بمُستطاعِ
كمغبونٍ يعضُّ علَى يديهِتبيَّنَ غَبنهُ بعدَ البِياعِ
وقد عشنا نلذُّ الدَّهر حيناًلوَ انَّ الدَّهر للإنسانِ راعِ
ولكنَّ الجميعَ إلى زوالٍوأسبابُ الفِراقِ لها دواعي
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع