من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السادس عشر: من لم يعاتب علَى الزَّلَّة فليس بحافظٍ للخُلّة
المعاتبة على الذُّنوب من المحبِّ والمحبوب قد تجري على ضروب فمنها معاتبة استتابٍ تقع على الارتياب ليزول الشَّكّ بما يجري فيها من الجواب ومعاتبة تقع بعد اليقين يقصد بها العاتب إلى أن يعلم هل من ذلك الذَّنب عذر أم هو داخل في باب الغدر ومنها معاتبة توقيف تجري على جهة التَّعنيف وهذه حال لا تكاد تجري بين المتحابَّين إلاَّ عند انقطاع الحال بينهما أوْ عند ضجرة شديدة تلحقهما أوْ تلحق أحدهما وأحمد أحوال العتاب صيانة الحال عن أن يجري فيها شيء من الاختلال بقيا على المذنب لا بقيا على المؤنِّب وترك جميع المعاتبة يدخل في باب الإهمال والموقِّف على كلِّ ذنب يوجب قطع المواصلة واتّصال العتب.
قال الحسن بن هانئ:
مُنقطعٌ عنكَ كانَ متَّصلاًأوْ نازلٌ بالفِناءِ فارتحلا
قد كانَ في الحقِّ أن يقالَ لهُماذا دعاهُ إلى الَّذي فعلا
ما عدلَ النَّاسُ عنكَ لي أملاًإلاَّ ثناهُ الرَّجاءُ فاعتدلا
وقال آخر:
حيِّ طيفاً من الأحبَّةِ زارابعدَ ما صرَّعَ الكرى السُّمَّارا
قالَ إنَّا كما عهدْتَ ولكنْشغلَ الحيُّ أهلهُ أن يُعارا
ولبعض أهل هذا العصر:
يا أخي كمْ يكونُ هذا الجفاءُكمْ تشفَّى بهجركَ الأعداءُ
صارَ ذا الهجرُ لي غذاءً ولكنْرُبَّما أتلفَ السَّقيمَ الغِذاءُ
سيِّدي أنتَ أينَ ذاكَ الصَّفاءُأينَ ذاكَ الهوَى وذاكَ الوفاءُ
أنتَ ذاكَ الأخُ القديمُ ولكنْليسَ هذا الإخاءَ ذاكَ الإخاءُ
لي ذنوبٌ ولستُ أُنكرُ فاغفرْفالتَّجنِّي علَى المقرِّ اعتداءُ
لي حقوقٌ أيضاً عليكَ ولكنْذكرُ مثلي لمثلِ هذا جفاءُ
وقال البحتري:
وكنتُ إذا استبْطأتُ وُدَّكَ زرتهُبتفويفِ شعرٍ كالرِّداءِ المُحبَّرِ
عتابٌ بأطرافِ القوافي كأنَّهُطِعانٌ بأطرافِ القنا المُتكسِّرِ
وقال آخر:
فلا عيشٌ كوصلٍ بعدَ هجرٍولا شيءٌ ألذُّ منَ العِتابِ
تواقفَ عاشقانِ علَى ارتقابٍأرادا الوصلِ منْ بعدِ اجتنابِ
فلا هذا يملُّ عتابَ هذاولا هذا يملُّ منَ الجوابِ
وقال آخر:
ألهْفَ أبي لمَّا أدمْتُ لكَ الهوَىوأصفيتُ حبِّي فيكَ والوجدُ ظاهرُ
وجاهرْتُ فيكَ النَّاسَ حتَّى أضرَّ بيمُجاهرتي يا ويلَ فيمنْ أُجاهرُ
وكنتَ كفيْءِ الغصنِ بينا يظلُّنيويعجبُني إذْ زعزعتْهُ الأعاصرُ
فصار لغيري واستدارتْ ظلالهُسوايَ وخلاَّني ولفحَ الهواجرِ
ولبعض أهل هذا العصر:
إذا اشتدَّ ما ألقاهُ هوَّنَ علَّتيرضايَ بأنْ تحيى سليماً وأسقَما
فيا منْ يزيلُ الخوفَ عنِّي وفاؤُهُبعهدي ومنْ لولاهُ لم أُمسِ مُغرَما
أكانَ جميلاً أن ترانيَ مُهملاًوتسكُتَ عن أمري ونهْيي تبرُّما
سأرعاكَ إنْ أكرمْتَني أوْ أهنْتَنيوحسبُكَ نُبلاً أن تُهينَ وتُكرِما
وإنِّي لأستحْيي من الله أن أرىظَلوماً لإلفي أوْ أرى مُتظلِّما
سآخذُ من نفسي لنفسكَ حقَّهاوأصفحُ إن لم ترعَ عهدي تكرُّما
وما بيَ نفسي وحدها غيرَ أنَّنيأصونُ خليلي أن يجورَ ويظلِما
ولو قيلَ لي اخترْ نيلَهُ أوْ صلاحهُلآثرْتُ أن يُعصى هوايَ ويسلما
وقد كنتَ أولى بي من الشَّوقِ والهوى وقد كنتَ أمضى في الضَّميرِ مُتمِّما
فما ليَ قد أُبعدْتُ حتَّى كأنَّنيعدوٌّ وقد كنتُ الحبيبَ المُقدَّما
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه:
يا سعدُ لم أذخرْ عليكَ مودَّةًأنتَ المُقرُّ بها وأنتَ الجاحدُ
أشْكيتَني فشكوْتُ لا مُتشاكياًوزعمْتَ أنِّي إذْ شكوتُكَ حاسدُ
ولئنْ حُسدْتُ عليكَ إنَّكَ لَلَّذيحُسدتْ عليهِ أقاربٌ وأباعدُ
وزعمْتَ أنِّي لائمٌ لكَ عاتبٌوقصائدي بالذَّمِّ فيكَ شواهدُ
لؤُمَتْ إذنْ منِّي الخلائقُ واعتدىبالحمدِ من هوَ قائمٌ بيَ قاعدُ
أنِّي أذمُّكَ يا سعيدُ وإنَّما بالمجدِمنكَ إذا فخُرْتُ أُماجدُ
إن كان قلبكَ فيَّ مُشتركَ الهوَىفالقلبُ منِّي فيكَ قلبٌ واحدُ
كنْ كيفَ شئتَ فإنَّني بكَ واثقٌولئنْ ذممْتُكَ إنَّني لكَ حامدُ
وقال العرجي:
أقولُ لها والعينُ قد جادَ غربُهاوقد كانَ فيها دمعُها قد تردَّدا
أريْتُكِ إذْ أعرضْتِ عنِّي كأنَّماتُلاقينَ من حيَّاتِ بيتان أسودا
أأسلاكِ عنِّي النَّأيُ أمْ عاقكِ العِدىوما افترقوا أمْ جئتِ صرمي تعمُّدا
ألمْ أكُ أعصي فيكِ أهلَ قرابتيوأُرغمُ فيكِ الكاشحَ المُتهدِّدا
فقالتْ ضننْتُ الوصلَ منكَ ولَلَّذيجشمْتَ إلينا كان أدنى وأزهدا
لأشياءَ قد لاقيتُها فيكَ لم يكنْليُحصيَها من منَّ وصلاً وعدَّدا
وإعراضُنا عنكُمْ فغيري بهِ بدافلمَّا أرادتْ عنكَ نفسي تجلُّدا
رجعْتُ إلى نفسي فعادتْ بحلْمهاعليكَ فلمْ تُرضي بصرمكَ حُسَّدا
إذا أمَّلوا وشكَ اهتجارٍ فأخفقوابهِ اليومَ فينا أمَّلوا هجرنا غدا
فكُنْ لِلَّذي تهوى وأغلظْ علَى الَّذيقلاكَ وعوِّدْهُ الَّذي قد تعوَّدا
ولا تحسبنْ صرمَ الصَّديقِ مروءةًولا مُدركاً بالصَّرمِ ما عشتَ سُؤددا
وكتب بعض أهل هذا العصر إلى أخ له يستأذنه في شكره:
أتأذنُ لي يا مُتُّ قبلكَ في الشُّكرِفأشكرَ أم تنهى فأُغضي علَى صُغْرِ
وإنِّي لمُحتاجٌ إنَ انتَ أذنتَ ليإلى العذرِ أيضاً من مجاوزتي قدري
فما حقُّ مثلي أن يُرى لكَ شاكراًولا مثلُ ما أُوليتُ يُشكرُ بالشِّعرِ
فرأيَكَ فيمنْ لا يرى نفسهُ إذاعتبتَ عليها أهلَ شُكر ولا عُذرِ
فلم يأذن له في ذلك وكتب يعاتبه:
أفي العدلِ أن تنهى أخاكَ عنِ الشُّكرِوينأى فلا يُنهى عنِ النَّأيِ والهجرِ
أجلْ أنَّ ذا عدلٌ علَى الصَّبِّ في الهوَىإذا كانَ لا يُنجيهِ منهُ سوى العُذرِ
أيجملُ في حقِّ الجوارِ دعِ الهوَىأنَ ابقى علَى ظهرِ العشاءِ إلى الفجرِ
أُراعي نجوماً لم أُوكَّلْ برعْيِهاوأُذكي هوًى في القلبِ أذكى منَ الجمرِ
وأنتَ أخٌ لي قادرٌ أنْ تزيلَ ماأُقاسيهِ لا تدري بما بيَ أوْ تدري
تبيتُ خليَّ القلبِ ممَّا أجِنُّهُكما أنا خِلوٌ في هواكَ منَ الصَّبرِ
وإنِّيَ أدري أنَّ في الصَّبرِ راحةًولكنَّ إنفاقي علَى الصَّبرِ من عُمري
أراني إذا واصلتُ ساءتْكَ عِشرتيوإنْ غبتُ لم أخطرْ ببالٍ ولا فكرِ
أحينَ تناهى الودُّ واتَّصلَ الهوَىوصرتَ شريكي في السَّريرةِ والجهرِ
مللتَ إخائي واطَّرحتَ مودَّتيوأقصيتني حتَّى تحيَّرتُ في أمري
وله أيضاً:
جُعلتُ فِداكَ قد طالَ انعطافيإليكَ وأنتَ قاسي القلبِ جافي
وليسَ أخاكَ من يرعاكَ كُرهاًولا البادي بوصْلكَ كالمُكافي
فإنْ ترعَ الأمانةَ لا أُضِعْهاوإنْ لا ترعَ يوحِشكَ انصرافي
يطولُ عليكَ أن تلقى خليلاًتطولُ عليهِ أيَّامُ التَّصافي
مخافةَ أنْ يملَّكَ باجتماعٍفيرضى من نوالكَ بالكفافِ
فإنْ يكُ ذا الصُّدودُ صدودَ عتْبٍوأنتَ علَى المودَّةِ والتَّوافي
إذنْ فتلافني من قبلِ يأسٍيولِّدُ ما يجلُّ عنِ التَّلافي
وإلاَّ فاطَّرحْ وُدِّي وأجملْبتعريضٍ من التَّصريحِ كافي
متى يصلُ السَّقيمُ إلى شفاءٍإذا كانَ الضَّنى درْكَ المُعافي
وقال بعض الأعراب:
وأُنبئتُ ليلى أرسلتْ بشفاعةٍإليَّ فهلاَّ نفسُ ليلى شفيعُها
أأكرمُ من ليلى عليَّ فتبتغيبهِ الجاهَ أمْ كنتُ امرءاً لا أطيعُها
وقال الحسين بن الضحاك:
أما ناجاكَ بالنَّظرِ الصَّحيحِوأنَّ إليكَ من قلبٍ قريحِ
فليتكَ حينَ تهجرُهُ ضِراراًتمنُّ عليه بالقتلِ المُريحِ
بحُسنكَ كانَ أوَّلُ حُسنِ ظنِّيوما ينهاكَ حُسنكَ عن قبيحِ
وما تنفكُّ مُتَّهماً لنُصحيبنفسيَ نفسُ مُتَّهمِ النَّصيحِ
وقال آخر:
إلى كمْ يكونُ الصَّدُّ في كلِّ ساعةٍوكمْ لا تملِّينَ القطيعةَ والهجرا
رُوَيدكِ إنَّ الدَّهر فيهِ بلاغةٌلتفريقِ ذاتِ البينِ فانتظري الدَّهرا
وقال يزيد بن الطثرية:
علَى حينِ صارمتُ الأخلاَّءَ كلَّهُمْإليكِ وأصفيتُ الهوَى لكِ أجمعا
وزدْتُكِ أضعافاً وغادرتُ في الحشاعظامَ البلايا بادياتٍ ورُجَّعا
جزيتُكِ فرضَ الودِّ ثمَّتَ خِلْتُنيكذي الشَّكِّ أدنى شكَّهُ فتطوَّعا
فلمَّا تنازعنا سقاطَ حديثِهاغشاشاً فلانَ الطَّرفُ منها فأطمعا
علَى إثر هجرانٍ وساعةِ خلوةٍمن الناسِ نخشى غُيَّباً أنْ تطلَّعا
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع