من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السابع عشر: من عاتب علَى كلِّ ذنبٍ أخاه فخليقٌ أن يملَّه ويقلاه
أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى:
إذا أنتَ لم تستقبلِ الأمرَ لم تجدْبكفَّيكَ في إدبارهِ مُتعلَّقا
إذا أنتَ لم تترُكْ أخاكَ وزلَّةًإذا زلَّها أوشكتُما أن تفرَّقا
وقال العرجي:
إذا أنتَ لم تغفرْ ذنوباً كثيرةًتريبُكَ لم يسلمْ لكَ الدَّهرَ صاحبُ
ومنْ لا يُغمِّضْ عينهُ عن صديقهِوعن بعضِ ما فيهِ يمُتْ وهو عاتبُ
وقال آخر:
أردْتُ لكيْ ما لا ترى ليَ زلَّةًومن ذا الَّذي يُعطى الكمالَ فيكمُلُ
ومنْ يسألِ الأيَّامَ نأيَ صديقهِوصرفَ اللَّيالي يُعطِ ما كانَ يسألُ
هؤلاءِ الذين ذكرنا أشعارهم يخبرون عن أنفسهم أنهم إنَّما يتركون معاتبة أحبابهم إشفاقاً من تغيُّرهم لهم وانحرافهم عنهم فإن كان ما تركوا المعاتبة عليه فعساه يرجع على أصحابهم فقد أساؤوا إذْ لم ينبِّهوهم على موضعه وآثروا منفعة أنفسهم على مصالح أحبَّتهم وإن لم يكن ذنباً ألا يتركوه فقد كان الأجمل بإخوانهم ألا يذكروه بل كان من حقِّ أحبابهم عليهم ألا يتوهَّموه فضلاً عن أن ينطقوا به لأوليائهم أوْ يجرونه على خواطر أعدائهم وسبيل مثل هذا أن يعترف به المحبوب مبتدئاً بذكره ومتنصِّلاً من فعله فلا يصغي المحبّ ليفهمه ولا يوهم صاحبه أنَّه خطر على وهمه.
ولقد أحسن غاية الإحسان الَّذي يقول:
ومُعتذرٍ فرطُ إشفاقهِأضاقَ عليهِ الَّذي تمَّما
ولم يدرِ أنَّ سبيلَ الإخاءِأعظمُ من كلِّ ما عظَّما
وبلغني أن الوضاح الكوفي كتب إلى علي بن محمد العلوي:
خُطَّةٌ في الذُّنوبِ والاعتذارِليسَ يُعنى بها سوى الأحرارِ
ضقتُ ذرعاً بها وقد كنتُ أشفيْتُ علَى الهُلكِ من شفيرٍ هارِ
فتجالَلْتَ عن جزاءٍ بسوءٍوترافعتَ عن طلابٍ بِثارِ
ثمَّ لم ترضَ لي بذلك حتَّىصُنتني عن مذلَّةِ الاعتذارِ
ثمَّ أوْجبتَ لي علَى غيرِ عقدٍحُرمةَ المُستجيرِ بالمُستجارِ
لم نرَ العفوَ منكَ يقدحُ في عِرْضكَ لمَّا عفوتَ بعدَ اقتدارِ
فأجابه علي بن محمد:
ليسَ جودُ الرَّبيعِ راشفَ وجهَ الأرضِ عن مبسمٍ منَ الأنوارِ
لا ولا العاشقانِ ضمَّهُما الشَّوْقُ علَى غايةِ الضَّنى في إزارِ
فهما مُلصقانِ كالسَّاعد البَيْضاء عضَّضتها بضيقِ السِّوارِ
كأخٍ عهدهُ وعهديَ في الوُدِّ كعهدِ الأنواءِ والأمطارِ
رقَّ معناهُما فلمْ يلبسا الأيَّامَ إلاَّ علَى اقترابِ المزارِ
لجَّ في الاعتذارِ من شفقِ الوجْدِ وأجلَلْتهُ عنِ الاعتذارِ
فأهل الصَّفاءِ هكذا يجب أن تجري أحوالهُم في تركه ما كان من حقوق أنفسهم والابتداء ببسط العذر لأحبَّتهم.
ولقد أحسن الَّذي يقول:
إذا شئتَ أن تُدعى كريماً مُكرَّماًحليماً ظريفاً ضاحكاً فطناً حُرَّا
إذا ما بدتْ من صاحبٍ لكَ زلَّةٌفكنْ أنتَ مُحتالاً لِزلَّتهِ عُذرا
هذا فيما كان من الجنايات لا يعيد علَى المحبوب في نفسه ضرراً ولا يبيِّن على غير المحبّ أثراً وأمَّا ما كان معيداً على المحبوب عاراً فلا بدَّ من تنبُّهه عليه اضطراراً وفي هذا المعنى لمخيس بن أرطاة التميمي:
عرضتُ نصيحةً منِّي ليَحيىفردَّ نصيحتي والنُّصحُ مرُّ
وما بيَ أن أكونَ أعيبُ يحيىويحيى طاهرُ الأخلاقِ برُّ
ولكن قد أتاني أنَّ يحيىيقالُ عليهِ في نفعاءَ شرُّ
فقلتُ له تجنَّبْ كلَّ شيءٍيُعابُ عليكَ إنَّ الحرَّ حُرُّ
ولبعض أهل هذا العصر في هذا النحو:
نصحْتُ لكمْ حذاراً أنْ تُعابوافعادَ عليَّ نُصحكمُ وبالا
فإنْ تكُ قد مللتَ فلا تخُنِّيوقلْ لي أنْ أُجنِّبكَ الوِصالا
فمنْ يطلبْ لصاحبهِ اختلالاًلينقُضَ عهدهُ يُدركْ مقالا
ويمنعُني الوفاءُ لكمْ بعهديوحسنُ الظَّنِّ أنْ أجدَ اختلالا
فتزدادونَ عندي كلَّ وقتٍوأنقصُ عندكمْ حالاً فحالا
سأصبرُ إن أطقتُ الصَّبرَ حتَّىتملَّ الهجرَ أوْ تهوى الوِصالا
وقال بشار بن برد:
إذا كنتَ في كلِّ الأمورِ مُعاتباًصديقكَ لم تلقَ الَّذي لا تُعاتبُهْ
فعِشْ واحداً أو صلْ صديقكَ إنَّهُمُقارفُ ذنبٍ مرَّةً ومُجانبُهْ
إذا أنتَ لمْ تشربْ مِراراً علَى القذىظمئتَ وأيُّ النَّاس تصفو مشاربُهْ
وقال العرجي:
ذهبَ النَّهارُ وما يبوحُ بما بهِصبٌّ فقلْ إذاً العتابُ عتابُهُ
الله يعلمُ ما تركتُ عتابَهُألاَّ يكونَ معي لِذاكَ جوابهُ
لكنْ مخافةَ أنْ أُصاحبَ صاحباًوالصَّرمُ تنمي بالمِرا أسبابهُ
وقال آخر:
ولا خيرَ فيمنْ لا يوطِّنُ نفسهُعلَى نائباتِ الدَّهرِ حينَ تنوبُ
وفي الشَّكِّ تفريطٌ وفي الحزمِ قوَّةٌويُخطئُ في الحدْسِ الفتَى ويُصيبُ
ولستَ بمُستبقٍ صديقاً ولا أخاًإذا لمْ تعدَّ الشَّيءَ وهو قريبُ
وقال الحسن بن هب:
دعوتكَ في الجُلَّى وقد ضاقَ مصدريعليَّ وروَّاني من السمِّ موردي
فأصمَمْتَ عنِّي منكَ أُذناً سميعةًوقد قصدَتْ لي النَّائباتُ بمرصَدِ
فما ضاقَ عنكَ العُذرُ عندي ولا نبابعهدكَ نابٍ من مغيبٍ ومشهدِ
وقِلتُ زماناً قد نهى النَّاس كلَّهُمْعن البِرِّ نهيَ الموعدِ المُتهدِّدِ
وأمَّلتُ أياماً تنوبُ ورجعةًمن الدَّهر يأتينا بها الله في غَدِ
وقال عمر بن نجا:
منعْتَ عطاءنا ولويْتَ ديْنيوأعددْتَ الخُصومةَ للخَصيمِ
فما لكَ إن لويتَ الدَّيْنَ عنِّيمُعاقبةٌ فيا لكَ من غريمِ
وقال مسلم بن الوليد:
إذا التقينا منعنا النَّومَ أعيُنناولا نُلائمُ نوماً حينَ نفترِقُ
أُقرُّ بالذَّنبِ منِّي لستُ أعرفهُكيْما أقولَ كما قالتْ فنتَّفقُ
وقال آخر:
أإنْ سُمتني ذلاًّ فعفْتُ احتمالَهُغضبْتَ ومنْ يأتِ المذلَّةَ يُعذرِ
فها أنا مُسترْضيكَ لا من جنايةٍعليكَ ولكن من تجنِّيك فاعذُرِ
ولبعض أهل هذا العصر:
زعمْتَ بنفسي أنتَ أنَّك مُغرمٌبِذكري وأنِّي عن وصالكَ مُضربُ
أعدْ نظراً فيما ادَّعيتَ ولا تحِدْلتعلمَ من منَّا الشَّقيُّ المُعذَّبُ
أمَنْ يتجنَّى ثمَّ يُنكرُ ما جنىعلَى إلفهِ أمْ من يُقرُّ ويُعتبُ
ولو كنتَ تُجزى بالذي تستحقُّهُغضبْتَ ولكنِّي منَ الهجرِ أهربُ
فأغضي علَى جمرِ الغضا خشيةَ القِلىولولا الهوَى ما ضاقَ عنِّي مَهربُ
فحتَّامَ لا أنفكُّ شوقاً إلى الرِّضاأُصدِّقُ من صدقي لديهِ مُكذَّبُ
وما ليَ من ذنبٍ إليكَ تعدُّهُعليَّ سوى أن ليسَ لي عنكَ مذهبُ
وما غرَضي في أنْ أُثبِّتَ حُجَّةًعليكَ وما لي غيرُ عفوكَ مطلبُ
إليكَ مفرِّي منكَ لا عن وسيلةٍإليكَ سوى أنِّي بحُبِّكَ مُتعبُ
فإنْ تأتِ ما أهوى فعبدٌ نعَشْتهُوإنْ تكنِ الأخرى فعبدُكَ مُذنبُ
فرأيكَ فيمنْ أنتَ مالكُ رقِّهِفقدْ حلَّتِ البلوى وطابَ التَّجنُّبُ
وقال المؤمل:
شفَّ المُؤمِّلَ يومَ الحيرةِ النَّظرُليتَ المؤمِّلَ لم يُخلقْ لهُ بصرُ
حسبُ المُحبِّينَ في الدُّنيا عذابهمُوالله لا عذَّبتهُمْ بعدها سقَرُ
صفِ الأحبَّةَ ما لاقيتَ من سهرٍإنَّ الأحبَّةَ لا يدرون ما السَّهرُ
لمَّا رمتْ مقتلي قالتْ لجارتِهاإنِّي قتلتُ قتيلاً ما لهُ خطرُ
قتلتُ شاعرَ هذا الحيِّ من مُضرٍالله يعلمُ ما ترضى بذا مُضرُ
وإنَّما أقصدَتْ قلبي بمُقلتهاما كانَ قوسٌ ولا سهمٌ ولا وترُ
أحببْتُ من حبِّها قوماً ذوي إحَنٍبيني وبينهمُ النِّيرانُ تستعرُ
إنِّي لأصفحُ عنها حينَ تظلِمُنيوكيفَ من نفسهِ الإنسانُ ينتصرُ
وقال آخر:
مسَّني من صدودِ إلفيَ ضُرُّفبنات الفؤادِ ما تستقرُّ
مسَّني ضرُّهُ فأوجعَ قلبيغيرَ أنِّي بذاكَ منهُ أُسرُّ
وقال آخر:
أيا سُلمى دفعْتُ إليكِ نفسيبرئْتُ إليكِ من نفسي بريتُ
وقالوا عذَّبتْكَ فقلتُ كلاَّرضيتُ بمنْ يعذِّبُني رضيتُ
وقال أبو تمام حبيب:
أسرفْتَ في منعي وعادتُكَ الَّتيملكَتْ عِنانكَ أنْ تجودَ فتُسرفا
لمْ آلُ فيكَ تلطُّفاً وتعسُّفاًوتألُّفاً وتحيُّفاً وتعطُّفا
وأراك تدفعُ حُرمتي فأظنُّنيثقَّلتُ غيرَ مُؤنِّبٍ فأخفِّقا
وقال أيضاً:
وجدْتُ صريحَ الحزمِ والرَّأيِ لامرئٍإذا ملكتْهُ الشَّمسُ أنْ يتحوَّلا
فثقَّلْتُ بالتَّخفيفِ عنكَ وبعضهُمْيُخفِّفُ في الحاجاتِ حتَّى يُثقِّلا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
بالله قولي لهُ في غيرِ مَعتبةٍماذا أردتَ بطولِ المكْثِ باليمَنِ
إنْ كنتَ حاولتَ دُنيا أو قنعْتَ بهافما أصبْتَ بتركِ الحجِّ من ثمنِ
وقال الراعي:
وكمْ جشمنا إليكمْ سيرَ موديةٍكأنَّ أعلامها في أُفقها القُزَعُ
حمَّاءُ غبراءُ يخشى المدَّلونَ بهاريعَ الهداةِ بأرضٍ أهلها شِيَعُ
فإنْ تجودوا فقدْ حاولْتُ جودكُمُوإنْ تضِنُّوا فلا لومٌ ولا فزعُ
وهذه أحوال كلُّها لطيفة ومطالبات جميلة وأشنع منها لفظاً وأنقص من هذا معنًى.
قول البحتري:
لا تهْتَبلْ إغْضاءتي إذْ كنتُ قدْأغضيْتُ مُشتملاً علَى جمرِ الغضا
أغببْتُ سَيْبكَ كيْ يجُمَّ وإنَّماغُمدَ الحسامُ المشرفيُّ ليُنتضى
وسكَتُّ إلاَّ أنْ أُعرضَ قائلاًقولاً وصرَّحَ جهدهُ من عرَّضا
وفي هذا النحو لبعض أهل هذا الزَّمان:
يا عالماً بالذي ألقى منَ الكُربِإرْفق بعينكَ لا تُعطبْ فِداكَ أبي
لا تغتنمْ صفحَ مطويٍّ علَى كبدٍحرَّى وقلبٍ بنارِ الشَّوقِ مُلتهبِ
لو كنتَ مثليَ لم تصبرْ علَى كمَديأو كنتُ مثلكَ لم أفعلْ كفعلكَ بي
إن كانَ ذا الهجرُ تأديباً فحسبُكَ ماقدَّمتَ منهُ فقد بالغتَ في أدبي
وقد قال المتلمِّس ما يخرج قبحاً وجفاء عن هذا الباب ولا يصلح أن يجري في المخاطبة بين الأحباب وذلك قوله:
وما كنتَ إلاَّ مثلَ قاطعِ كفِّهِبكفٍّ لهُ أخرى فأصبحَ أجذَما
يداهُ أصابتْ هذه حتْفَ هذهفلمْ تجدِ الأخرى عليها مُقدَّما
فأطرقَ إطراقَ الشُّجاعِ ولو يرىمساغاً لنابيْهِ الشُّجاعُ لصمَّما
وذلك أنَّه يخبر أنَّ الجناية قد أثَّرت في قلبه وولَّدت حقداً في نفسه وأنَّ الَّذي يمنعه من أن ينتقم خوفه من تزايد الألم وأنَّه على أن يعاقب إذا أمنَ العواقب والمعاتبة بل المعاقبة أحسن من الإغضاء على مثل هذه الحال.
وفي نحو هذا المعنى يقول الوليد بن عبيد الطائي:
وإذا رجوْتُ ثنتْ رجايَ شكيَّةٌمن عاتبٍ في الحبِّ غيرِ مُعاتَبِ
لو كانَ ذنبي غيرَ حبِّكِ أنَّهُذنبي إليكِ لكنت أوَّلَ تائبِ
أفلا ترى أنَّه يخبر أنَّ الإغضاء على المعاتبة على الذَّنب مع مقام الضَّمير على العتب يقطع الرَّجاء ويؤيس من الوفاء.
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع