من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثامن عشر: بُعد القلوب علَى قرب المزار أشدُّ من بعد الدِّيار من الدِّيار
الهجر على أربعة أضرب هجر ملالٍ وهجر دلالٍ وهجر مكافاةٍ على الذُّنوب وهجرٌ يوجبه البغض المتمكِّن في القلوب فأمَّا هجر الدَّلال فهو ألذُّ من كثير الوصال وأما هجر الملال فيطلبه من الأيَّام واللَّيالي إما بنأي الدَّار وإمَّا بطول الاهتجار.
وفي مثل ذلك يقول الشاعر:
لا تجزعَنْ من هجرِ ذي ملَّةٍأظهرَ بعدَ الوصلِ هِجرانا
يملُّ هذا مثلَ ما ملَّ ذافيرجعُ الوصلُ كما كانا
وأما الهجر الَّذي يتولَّد عن الذَّنب فالتَّوبة تخرجه عن القلب وأما الهجر الَّذي يوجبه البغض الطَّبيعي فهو الَّذي لا دواء له وقد قال الجاحظ لكلِّ شيءٍ رفيقٌ ورفيق الموت الهجر وليس الأمر كما قال بل لكلِّ شيءٍ رفيقٌ ورفيق الهجر الموت.
ألم تسمع قول ذي الرمة:
سألتُ ذوي الأهواءِ والنَّاس كلَّهُمْوكُلَّ فتًى دانٍ وآخرَ ينزِحُ
أتُقرحُ أكبادُ المحبِّينَ كالذيأرى كبدي من حبِّ ميَّةَ تُقرحُ
لئنْ كانتِ الدُّنيا عليَّ كما أرىتباريحَ من ميٍّ فلَلْموتُ أرْوحُ
وفي مثله يقول بعض أهل هذا العصر:
ما لي أُلفِّتُ وجهاً غيرَ مُلْتفتٍنحوي وأعطفُ قلباً غيرَ مُنعطِفِ
يُغرى بهجري كما أُغرى بأُلْفتهِهذا لَعمري ودادٌ جدُّ مُختلفُ
حجبتُ عيني عنِ الدُّنيا ونضرتِهاشوقاً وأبرزتُها للحُزنِ والأسفِ
إلاَّ تكنْ تلفَتْ نفسي عليكَ فقدْأصبحْتُ والله مشتاقاً إلى التَّلفِ
وفي نحو ذلك يقول قيس بن الملوح:
فوالله ثمَّ الله إنِّي لَدائبٌأُفكِّرُ ما ذنبي إليها فأعجَبُ
ووالله ما أدري علامَ صرَمْتنيوأيَّ أُموري فيكِ يا ليلُ أركبُ
أأقْطعُ حبلَ الوصلِ فالموتُ دونهُأمَ اشربُ كأساً منكمُ ليس تُشربُ
أمَ اهْربُ حتَّى لا أرى لي مُجاوراًأمَ افْعلُ ماذا أمْ أبوحُ فأغلبُ
وإنَّهما يا ليلُ إنْ تفعلي بنافآخرُ مهجورٌ وأوَّلُ مُعتبُ
وما قيل في هذا المعنى من الأشعار القديمة والمحدثة أكثر من أنْ يحيط به كتاب فضلاً عن أن يتضمَّنه بابٌ.
وقال خالد الكاتب:
أراني ذليلَ النَّفسِ مُذْ أنتَ عاتبٌوأيَّةَ نفسٍ لا تذِلُّ علَى الهجرِ
يعاتبُ بعْضي فيكَ بعضاً وكلُّهُإليكَ وحبُّ العفوِ يسمحُ بالعُذرِ
وقال بعض الأعراب:
خليليَّ هلْ يُستخْبَرُ الأثْلُ والغضاوميثُ الرُّبى من بطنِ نُعمانَ والسِّدْرُ
وهلْ يتقالى بعدَ ما كانَ صافياًخليلانِ بانا ليسَ بينهما وِترُ
نأتْ بهما دارُ النَّوى وتراقباعلَى الضِّغْنِ حتَّى لجَّ بينهما هجرُ
إذا رُمتَ إلاَّ ما عدا الدهرُ بينناوبينكَ لم نُلْزمْكَ ما صنعَ الدَّهرُ
وقال ذو الرمة:
ألا لا أرى مثلي يحنُّ من الهوَىولا مثلَ هذا الشَّوقِ لا يتصرَّمُ
ولا مثلَ ما ألقى إذا الحيُّ فارقواعلَى أثرِ الأظعانِ يلقاهُ مُسلمُ
كفَى حسرةً في النَّفسِ يا ميُّ أنَّنيوإيَّاكِ في الأحياءِ لا نتكلَّمُ
أدورُ حواليكِ البيوتَ كأنَّنيإذا جئتُ عنْ إتيانِ بيتكِ مُحرمُ
وقال أيضاً:
هوًى لكَ لا ينفكُّ يدعُو كما دعَاحَماماً بأجزاعِ العقيقِ حمامُ
إذا هملتْ عينِي لهُ قالَ صاحبِيبمثلكَ هذا فتنةٌ وغرامُ
علامَ وقدْ فارقتَ ميّاً وفارقتْفمَيُّ علَى طولِ البكاءِ تُلامُ
أطاعتْ بكَ الواشينَ حتَّى كأنَّماكلامكَ إيَّاها عليكَ حرامُ
وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر قال: أنشدني أبو سعيد المخزومي:
ثِقي بجميلِ الصَّبرِ منِّي علَى الدَّهرِولا تثقِي بالصَّبرِ منِّي علَى الهجرِ
فإنِّي لصبَّارٌ علَى ما ينوبُنيوحسبكِ أنَّ اللهَ أثنَى علَى الصَّبرِ
ولستُ بنظَّارٍ إلى جانبِ الغنَىإذا كانتِ العلياءُ في جانبِ الفقرِ
وقال الوليد بن عبيد الطائي:
عذيرِي منَ الأيَّامِ رنَّقنَ مشرَبيولقَّيننِي نَحساً منَ الطَّيرِ أشأما
وألبسنَنِي سخطَ امرئٍ بتُّ موهناًأرَى سخطهُ ليلاً معَ اللَّيلِ مُظلِما
تبلَّجَ عن بعضِ الرِّضا وانطوَى علَىبقيَّةِ عتبٍ شارفتْ أنْ تصرَّما
إذا قلتُ يوماً قدْ تجاوزَ حدَّهاتلبَّثَ في أعقابِها وتلوَّما
وأصْيدُ إنْ نازعتهُ الطَّرفَ ردَّهُكليلاً وإنْ راجعتهُ القولَ أحجما
ثناهُ العدَى عنِّي فأصبحَ مُعرضاًووهَّمهُ الواشونَ حتَّى توهَّما
ولوْ أنَّني وقَّرتُ شَيبي وقارهُوأجللتُ شِعري فيكَ أنْ يُتهضَّما
لأكبرتُ أنْ أُومي إليكَ بإصبعٍتضرَّعُ أوْ أُدنِي لمعذرةٍ فمَا
وكانَ الَّذي يأتي بهِ الدَّهرُ هيِّناًعليَّ ولوْ كانَ الحِمامُ المقدَّما
ولكنَّني أُعلي محلَّكَ أنْ أرَىمُدلاًّ وأستحييكَ أنْ أتعظَّما
ولمْ أدرِ ما الذَّنبُ الَّذي سُؤتَني بهِفأقتلُ نفسِي حسرةً وتندُّما
وأنشدني أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله بن الأعرابي:
ألا أبلغْ أخا قيسٍ رسولاًبأنِّي لمْ أخنكَ فلا تخنِّي
ولكنِّي طويتُ الكشحَ لمَّارأيتكَ قدْ طويتَ الكشحَ عنِّي
فلستَ بمُدركٍ ما فاتَ منِّيبلهفَ ولا بليتَ ولا لَوَانِّي
ولستُ بآمنٍ أبداً خليلاًعلَى شيءٍ إذا لمْ يأتَمنِّي
وصلتُكَ ثمَّ عادَ الوصلُ أنِّيقرعتُ ندامةً مِنْ ذاكَ سِنِّي
فإنْ أعطفْ عليكَ بفضلِ حلمٍفما قلبي إليكَ بمطمئنِّ
وقال العباس بن الأحنف:
لو كنتِ عاتبةً لسكَّنَ عبرَتِيأملِي رضاكِ وزرتُ غيرَ مُراقبِ
لكنْ مللتِ فلمْ تكنْ لي حيلةٌصدُّ الملولِ خلافُ صدِّ العاتبِ
وقال آخر:
ومُستوحشٍ لمْ يمشِ في أرضِ غُربةٍولكنَّهُ ممَّنْ يودُّ غريبْ
إذا رامَ كتمانَ الهوَى نمَّ دمعهُفآهٍ لمحزونٍ جفاهُ طبيبُ
ألا أيُّها البيتُ الَّذي لا أزورهُوهجرانُهُ منِّي إليكَ ذُنوبُ
هجرتكَ مشتاقاً وزرتكَ خائفاًومنِّي علَيَّ الدَّهرَ فيكَ رقيبُ
سلامٌ علَى الدَّارِ الَّتي لا أزورُهاوإنْ حلَّها شخصٌ إليَّ حبيبُ
وقال أبو نواس:
غصصتُ منكِ بما لا يدفعُ الماءُوصحَّ هجركِ حتَّى ما بهِ داءُ
قدْ كانَ يُقنعكمْ إذْ كانَ رأيكمُأن تهجُروني منَ التَّصريحِ إيماءُ
وما جهلتُ مكانَ الآمريكِ بذامنَ الوُشاةِ ولكنْ في فَمي ماءُ
ما زلتُ أسمعُ حتَّى صرتُ ذاكَ بمنْقامتْ قيامتهُ والنَّاسُ أحياءُ
وقال أيضاً:
صليتُ مِنْ حبِّها نارَينِ واحدةًجوفَ الفؤادِ وأُخرى بينَ أحشائِي
وقدْ منعتُ لسانِي أن يبوحَ بهِفما يعبِّرُ عنِّي غيرُ إيمائِي
يا ويحَ أهلِي أبلَى بينَ أعيُنهمْعلَى الفراشِ ولا يدرُونَ ما دائِي
لوْ كانَ زهدكِ في الدُّنيا كزهدكِ فيوصلِي مشيتِ بلا شكٍّ علَى الماءِ
وبلغني عن سفيان بن عيينة أنَّه قال: بينا أنا بالكعبة إذ رأيتُ أبا السَّائب المخزومي متعلِّقاً بأستار الكعبة وهو يقول:
يا هجرُ كُفَّ عنِ الهوَى ودعِ الهوَىللعاشقينَ يطيبُ يا هجرُ
ماذا تريدُ منَ الَّذينَ جُفونُهمْقرحَى وحشوُ صدورهمْ جمرُ
وسوابقُ العَبراتِ بينَ خدودهمْدررٌ تفيضُ كأنَّها القطرُ
متحيِّرينَ منَ الهوَى ألوانهمْممَّا تكِنُّ صدورهمْ صفرُ
قال: فقلتُ يا أبا السَّائب في مثل هذا الموضع تُنشد مثل هذا؟ فقال: إليك عنِّي يا أبا محمد فوالله للدُّعاءُ لهم في مثل هذا الموضع أفضل من حجةٍ وعمرةٍ.
ولقد أحسن الفرزدق حيث يقول:
عزفتَ بأعشاشٍ وما كدتَ تعزفُوأنكرتَ مِنْ حدراءَ ما كنتَ تعرفُ
ولجَّ بكَ الهجرانُ حتَّى كأنَّماترَى الموتَ في البيتِ الَّذي كنتَ تألفُ
وقال:
لئنْ كانَ في الهجرانِ أجرٌ لقدْ مضَىليَ الأجرُ في الهجرانِ مذْ سنتانِ
فواللهِ ما أدرِي أكلُّ ذوِي هوًىعلَى ما بِنا أمْ نحنُ مُبتليانِ
وقال الحارث بن خالد المخزومي:
إنْ يمسِ حبلكِ بعدَ طولِ تواصلٍخلِقاً وأصبحَ بيتكمْ مهجُورا
فلقدْ أرانِي والجديدُ إلى بلًىزمناً بوصلكِ راضياً مسرُورا
كنتِ الهوَى وأعزُّ مِنْ وطئِ الحصَىعندِي وكنتُ بذاكَ منكِ جديرا
وقال آخر:
وقالَ نساءٌ لسنَ لي بنواصحٍليعلمْنَ ما أُخفِي ويعلمْنَ ما أُبدي
أأحببتَ ليلَى جهدَ حبِّكَ كلِّهِلعمرُ أبي ليلَى وزدتُ علَى الجهدِ
علَى ذاكَ ما يمحُو ليَ الذَّنبُ عندَهاوتمحُو دواعِي حبِّها ذنبَها عندِي
ألا إنَّ قربَ الدَّارِ ليسَ بنافعٍوقلبُ الَّذي تهواهُ منكَ علَى البعدِ
ولبعض أهل هذا العصر:
لعمركَ ما قربُ الدِّيارِ بنافعٍإذا لمْ يصلْ حبلَ الحبيبِ حبيبُ
وليسَ غريباً مَنْ تناءتْ ديارهُولكنَّ مَنْ يُجفى فذاكَ غريبُ
ومَنْ يغتربْ والإلفُ راعٍ لعهدهِوإنْ جاوزَ السَّدَّينِ فهوَ قريبُ
وقال آخر:
لو كنتَ في بلدٍ ونحنُ بغيرهِما كانَ عندكَ في الجفاءِ مَزيدُ
قربُ المزارِ وأنتَ ناءٌ لا يُرىوإذا القريبُ جفاكَ فهوَ بعيدُ
وقال أبو تمام:
ونأى الهجرُ بالَّذي لا أُسمِّيفأنا منهُ في القريبِ البعيدِ
ففراقٌ أصابَني مِنْ فراقٍوفِراقٌ أصابني مِنْ صدودِ
ليسَ مَنْ كانَ غائباً فقدَتْهُ العينُ غيباً كالشَّاهدِ المفقودِ
وقال البحتري:
يسوؤكَ ألاَّ عطفَ عند انعطافهِويشجيكَ ألاَّ عدلَ عندَ اعتدالهِ
فما حيلةُ المشتاقِ فيمنْ يشوقُهُإذا حالَ هذا الهجرُ دونَ احتيالهِ
ولقد أحسن علي بن محمد العلوي في قوله:
هواكَ هوَ الدُّنيا ونيلكَ ملكُهاوهجركَ مقرونٌ بكلِّ هوانِ
كذبتكَ ما قلتُ الَّذي أنتَ أهلهُبلَى لمْ يجدْ ما فوقَ ذاكَ لسانِي
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع