من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثاني والعشرون: قلَّ من سلا إلاَّ غلبه الهوَى
من كان سلوُّه تابعاً لظفَره بما من أجله كان ابتداء محبَّته فإنَّ الهجر والفراق لا يعيدان له هوًى ولا يتبعان على ضميره أسًى ومن كانت طبيعته بمشاكلة طبيعته فسلا لضجرة لحقته من مخالفة محبوبه أو من تعذُّر بعض مطلوبه أو لتأذٍّ بحاجبٍ أو رقيب أو لملالٍ من سعاية واشٍ أو عذول فإن أدنى عارض يطيف به من فراق أو هجر أو من مخافة خيانة أو غدر يعيد عليه قلق الإشفاق ويردُّه بعد السُّلوِّ إلى مواقف العشاق وربما ألمَّ بمن هذه صفته في المنام طائفٌ من خيال فردَّه إلى أتمِّ ما كان عليه من الحال.
وقال البحتري:
لي خليلٌ قد لجَّ في الصَّرمِ جِدَّاوأعادَ الصُّدودَ منهُ وأبدى
ذو فنونٍ يُريكَ في كلِّ يومٍخُلقاً منْ جفائهِ مُستجدَّا
يتأبَّى منعاً ويُنعِمُ إسْعافاً ويدنو وصلاً ويُبعدُ صدَّا
أغْتدي راضياً وقد بتُّ غضبانَ وأُمسي مولًى وأُصبحُ عبدا
أتراني مُستبدلاً بكَ ما عشْتُ بديلاً أوْ واجداً منكَ نِدَّا
حاشَ لله أنتَ أفتنُ ألحاظاً وأحلى شكلاً وأملحُ قدَّا
أما هذا الشعر فمن أضعف شيءٍ أعرف وذلك أنَّ صاحبه إنَّما استحسن صورةً وقدّاً فمتى تغيَّر حسنها أوْ رأى ما هو أحسن في عينه منها اتَّبعه وتركها على أنَّه مع افتقاره إلى خليله وعدمه لشكله ونظيره منتقلاً في هواه فمرَّةً يتسخَّط ومرَّةً يترضَّاه حتَّى يمسيَ مولًى ويصبح عبداً وهذه حالٌ خسيسة فإن كان لا بدَّ للمحبِّ من التَّباعد عن المحبوب فليكن ذلك ظاهراً في الأفعال غير معتقدٍ في القلوب.
كما قال عبد الله بن أبي الشيص:
إنْ لم أُرى بفناءِ بيتكِ واقفاًفالقلبُ مُحتبسٌ عليهِ وواقفُ
هذي الجفونُ فضمِّنيهنَّ الهوَىوثقي بهنَّ فإنَّهنَّ عفائفُ
لا يكتحلْنَ منَ الخدودِ بزهرةٍحتَّى تعطَّفَ بي إليكِ عواطفُ
أنتِ الَّتي غمرَ الضَّمائرَ حُبُّهافلها التَّليدُ من الهوَى والطَّارفُ
وكأنَّ ليَ قلبينِ عندكِ واحدٌدانٍ وآخرُ عنْ دياركِ عازفُ
وكما قال البحتري:
الدَّارُ تعلمُ أنَّ دمعي لم يغِضْفأروحَ حاملَ منَّةٍ منْ مُسعدِ
ما كان لي جلَدٌ فيودي إنَّماأودى غَداةَ الظَّاعنينَ تجلُّدي
وكما قال بعض أهل هذا العصر:
لقد باعدْتَ عنكَ أخاً شقيقاًعليكَ فلا يغرُّكَ حسنُ صبري
فلوْ جُمعَ الأنامُ لكنتَ فرْداًأحبَّهمُ إليَّ بكلِّ سعْرِ
فلا تحسبْ رعاكَ الله أنِّيغدرْتُ ولا هممْتُ لكمْ بغدرِ
فوالله العظيمِ لوَ انَّ قلبيأحبَّ سواكَ لم أُسكنْهُ صدري
وأعظمُ ما أُلاقي منكَ أنِّيأدومُ علَى الوفاءِ ولستَ تدري
وهذا أتم من قول بشار:
أهِمُّ بأنْ أقولَ وددْتُ أنِّيسلوتُ فما يُطاوعني لِساني
لأنَّ بشاراً خبَّر أنَّه قد همَّ ثمَّ امتنع ومن لم يرد أن يقدر أتمُّ ممن أراد ذلك فلم يقدر وأنقص من بشار في هذه الحال.
أبو المنيع الحضرمي حيث يقول:
ألمْ ترني أزمعْتُ صرماً وهجرةًلِليلى فلمْ أسطعْ صدوداً ولا هجرا
وما مرَّ يومٌ دونها إنْ هجرتُهاولا ساعةٌ إلاَّ أجدَّ لها ذكرا
فيا عجبا من وصليَ الحبلَ كيْ يُرىجديداً وقدْ أمستْ علائقهُ بُترا
فإنْ تُصبحي بعدَ التَّجاوزِ والهوَىصددْتِ فقدْ غادرتِ في كبدي عقرا
والأحوص بن محمد حيث يقول:
أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعُنيحتَّى لقدْ قلتُ هذا صادقٌ نزَعا
قدْ زادهُ كلَفاً بالحبِّ أنْ مُنعتْأحبُّ شيءٍ إلى الإنسانِ ما مُنعا
وكمْ دنيٍّ لها قدْ صرْتُ أتبعهُولو صحا القلبُ عنها كانَ لي تبعا
ومحمد بن بشير حيث يقول:
ولقدْ أردتُ الصَّبرَ عنكِ فعاقنيعلقٌ بقلبي منْ هواكِ قديمُ
يبقى علَى حدثِ الزَّمانِ وريْبِهِوعلَى جفائكِ إنَّهُ لَكريمُ
وذو الرمة حيث يقول:
إذا قلتُ أسلو عنكِ ما ميُّ لم يزلْمحلٌّ لِداري من دياركِ ناكسُ
فكيف بميٍّ لا توآتيكَ دارُهاولا أنتَ طاوي الكشحِ عنها فيائسُ
وللبحتري:
وإذا هممْتُ بوصلٍ غيركِ ردَّنيولهٌ عليكِ وشافعٌ لكِ أوَّلُ
وأعِزُّ ثمَّ أزِلُّ ذلَّةَ عاشقٍوالحبُّ فيهِ تعزُّزٌ وتذلُّلُ
ولبعض أهل هذا العصر في هذا النحو وإن لم يكن على ذلك التمام في باب النقصان:
أيا حالفاً أنِّي علَى العهدِ ناكثٌتأكَّدْ رعاكَ اللهُ أنَّكَ حانثُ
تجنَّيتَ مُذْ عامينِ ذنباً لَمَ اجنهِعليكَ وهذا العامَ قدْ تمَّ ثالثُ
إذا عرضَتْ نفسي فقمْتُ بسلوةٍأما ذاكَ إشفاقٌ قديمٌ وحادثُ
تسحب علَى صرفِ اللَّيالي ولا تُرعْفجُرمكَ منْسيٌّ وحبُّكَ لابثُ
وكلُّ أذًى تأتيهِ كيْما تُملَّنيفذاكَ علَى ألاَّ أملَّكَ باعثُ
وقال الحسين بن الضحاك:
كأنِّي إذا فارقْتُ شخصَكِ ساعةًلفقدكِ بينَ العالمينَ غريبُ
وقد رمتُ أسبابَ السُّلوِّ فخانَنيضميرٌ عليهِ من هواكِ رقيبُ
فما لي إلى ما تشتهينَ مُسارعٌوفعلُكِ ممَّا لا أحبُّ قريبُ
أغرَّكِ صفحي عنْ ذنوبٍ كثيرةٍوغضِّي علَى أشياءَ منكِ تُريبُ
كأنْ لم يكنْ في النَّاسِ قبلي مُتيَّمٌولم يكُ في الدُّنيا سواكِ حبيبُ
إلى الله أشكو إذْ ذُكرتِ فلمْ يكنْبشكوايَ من عطفِ الحبيبِ نصيبُ
وقال محرز العكلي:
يظلُّ فؤادي شاخصاً من مكانهِوراء الغواني مُستهاماً مُتيَّما
إذا قلتُ ماتَ الشَّوقُ منهُ تنسَّمَتْلهُ أرْيحيَّاتُ الصِّبى فتنسَّما
وقال آخر:
لعمرُكَ ما يدري غُنيُّ بنُ مالكٍلَعلَّ الهوَى بعدَ التَّجلُّدِ قاتلُهْ
وما تُحدِثُ الأيَّامُ والدَّهرُ لمْ تزلْلِلَيلى كثيراتُ الهوَى وقلائلُهْ
وقال قيس بن ذريح:
وإنِّي وإنْ أزمعْتُ عنها تجلُّداًعلَى العهدِ فيما بيننا لَمقيمُ
إلى الله أشكو فقدَ لُبنى كما شكاإلى اللهِ فقدَ الوالديْنِ يتيمُ
ولبعض أهل هذا العصر:
أبى لي الوفاءُ دوامَ الجفاوحلَّ الحنينُ عديمَ العزا
قعدْتُ إلى الوصلِ مُستعطفاًوقدْ كنتُ قبلُ شديدَ الإبا
وإنِّي لَفي طولِ كتْمِ الهوَىوستْريهِ عنكَ بفرطِ الجفا
كمنْ ينفخُ البوقَ مُستخفياًويضربُ بالطَّبل تحتَ الكِسا
فيا قلبُ ويحكَ كُنْ حازماًإذا تاهَ رامَ سبيلَ النَّجا
ولا تكُ ذا عزمةٍ جاهلاًإذا ما اعتدى لجَّ في الاعتدا
فسلِّ الحُقودَ برعْيِ العُهودِوداوِ الجفاءَ برعْيِ الوفا
فأوجعُ منْ حملِ عتبِ الصَّفازوالُ الصَّفاءِ وقطعُ الإخا
فسامحْ هواكَ وكنْ مُدنفاًأحبَّ الدَّواء لحبِّ الشِّفا
وأنشدني أحمد بن يحيى لمجنون بني عامر:
وداعٍ دعا إذْ نحنُ بالخيْفِ منْ مِنًىفهيَّجَ أطرابَ الفؤادِ وما يدري
دعا باسمِ ليلَى غيرِها فكأنَّماأطارَ بليلى طائراً كانَ في صدري
وزادني غيره:
عرضْتُ علَى قلبي العزاءَ فقال ليمنَ الآنِ فاجزعْ لا أغرُّكَ بالصَّبرِ
فهذا على كلِّ حال أقرب إلى درجة الكمال لأنه إنَّما يخبر أنَّ اشتياقه ظهر بعد أن كان كامناً وأنَّه عرض على قلبه العزاء فأبى عليه إلاَّ الوفاء وظهور الشَّوق بعد كمونه أحسن من رجوع العشق بعد سكونه وفي هذا المعنى الَّذي اخترناه.
يقول امرؤ القيس:
سمَا لكَ شوقٌ بعدَ ما كانَ أقصرَاوحلَّتْ سُليمى بطنَ خبتٍ فعرْعرَا
كنانيَّةٌ باتتْ وفي الصَّدرِ ودُّهامجاورةَ النُّعمانِ والحيَّ يَعمرا
وفي ضده هذا المعنى الَّذي ذممناه بقول الملتمس:
صبَا مِنْ بعدِ سلوتهِ فؤادِيوأسمحَ للقرينةِ بالقيادِ
كأنِّي شاربٌ يومَ استقلُّواوحثَّ بهم إلى الموماةِ حادِي
عُقاراً عتِّقتْ في الدَّنِّ حتَّىكأنَّ حُبابها حدقُ الجرادِ
وقال البحتري:
عنانِي مِنْ صدودكِ ما عنانِيوعاودَني هواكِ كما بدانِي
وذكَّرني التَّباعدُ ظلَّ عيشٍلهوْنا فيهِ أيَّامَ التَّداني
أُلامُ علَى هوَى الحسناءَ ظلماًوقلبي في يدِ الحسناءِ عانِي
وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي لزياد بن منقذ:
لا حبَّذا أنتِ يا صنعاءُ مِنْ بلدٍولا شعوبُ هوًى منَّا ولا نقمُ
وحبَّذا حيثُ تُمسي الرِّيحُ باردةًوادِي أُشيَّ وفتيانٌ بهِ هُضمُ
ألموسعونَ إذا ما جرَّ غيرهمُعلَى العشيرةِ والكافُونَ ما جرَموا
لمْ ألقَ بعدهمُ قوماً فأخبرهمْإلاَّ يزيدهمُ حبّاً إليَّ همُ
مُخدَّمونَ ثقالٌ في مجالسهمْوفي الرِّجالِ إذا صاحبتهمْ خدمُ
وقال امرؤ القيس:
تأوَّبني دائِي القديمُ فغلَّسَاأُحاذرُ أنْ يزدادَني فأُنكَّسا
ولمْ يرمِ الدَّارَ الكئيبُ فشعشعاًكأنِّي أُنادِي أوْ أُكلِّمُ أخرسا
فلوْ أنَّ الدَّارَ فيها كعهدهمْوجدتُ مَقيلاً فيهمِ ومعرَّسا
فلا تُنكريني إنَّني أنا جاركمْلياليَ حلَّ الحيُّ غوْلا فألعَسا
وقال آخر:
وقد كنتُ قبلَ اليومِ أحسبُ أنَّنيذلولٌ لأيَّامِ الفراقِ أريبُ
فأشرفتُ يوماً للوداعِ فشاقَنِيوذو الشَّوقِ في أعلَى اليفاعِ طروبُ
فما برحتْ نفسي تساقطُ أنفساًوتجمدُ روحي مرَّةً وتذوبُ
وقال بشار:
إرجعْ إلى سكنٍ تُعزُّ بهِأفِدَ الزَّمانُ وأنتَ منفردُ
نرجو غداً وغدٌ كحاملةٍفي الحيِّ لا يدرونَ ما تلدُ
وقال أبو تمام:
ألبينُ جرَّعني نقيعَ الحنظلِوالبينُ أثكلني وإنْ لم أُثكلِ
ما حسرَتي أنْ كدتُ أتلفُ إنَّماحسراتُ نفسِي أنَّني لم أفعلِ
كم منزلٍ في الأرضِ يألفهُ الفتَىوحنينهُ أبداً لأوَّلِ منزلِ
نقِّلْ فؤادكَ حيثُ شئتَ منَ الهوَىما الحبُّ إلاَّ للحبيبِ الأوَّلِ
وقال زرعة الجعدي:
إذا ما التَقَيْنا بعدَ شحطٍ منَ النَّوىتعرَّضَ بخلٌ بينَنا مُتتابعُ
أهابُ وأستحيي فلستُ بقائلٍصِليني ولا معروفُها ليَ نافعُ
رمتْ عينَ مَنْ تهوَى بعينِ خليَّةٍوأُخرى إلينا بالمودَّةِ طائعُ
إذا الموتُ نسَّى حبَّ ليلَى فإنَّهإذا راجعتْ نفسي الحياةُ لراجعُ
وقال الوليد بن عبيد الطائي:
أحببْ إليَّ بطيفِ سُعدى الآتِيوطروقهِ في أعجبِ الأوقاتِ
أنَّى اهتديتَ لمُحْرمينَ تصوَّبوالسفوحِ مكَّةَ مِنْ رُبى عرفاتِ
ذكَّرتنا عهدَ الشَّآمِ وعيشَنابينَ القنانِ السُّودِ فالهضباتِ
إذْ أنتَ شكلُ موافقٍ ومخالفٍوالدَّهرُ فيكَ ممانعٌ ومؤاتِ
أبني عبيدٍ شدَّ ما احترقتْ لكمْكبدِي وفاضتْ فيكمُ عبَراتِي
ألقَى مكارمكمْ شجًى لي بعدكمْوأرَى سوابقَ دمعكمْ حسَراتِي
لمْ تحدثِ الأيَّامُ لي بدلاً بكمْأيْهاتِ مِنْ بدلٍ بكمْ أيْهاتِ
وقال آخر:
إذا قيلَ أنَّ النَّأيَ يُسليكَ ذكرَهاألمَّ خيالٌ مِنْ أُميمةَ يُسعفُ
فمنْ لامَني في أنْ أهيمَ بذكرِهاتكلَّفَ مِنْ وجدٍ بها ما أُكلَّفُ
فإذا كان طيف الخيال يردُّ الهوَى على من قد سلاه ويذكر عهد الصبا من قد تناساه فما ظنُّك بحضور الفراق والهجران ومقاساة الاستبدال بالإخوان هذه أحوالٌ لا يقاومها الجفاء ولا يعارضها العزاء غير أنَّ من كان سلوُّه سلوُّ استغناءٍ لم يكترث لورود شيءٍ من هذه الأشياء.
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع