من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السادس والعشرون: ما خُلق الفراق إلاَّ لتعذيب العشَّاق
أما الفراق فمستغنٍ ببشاعة اسمه عن الإغراق في وصفه.
ولقد أحسن حبيب بن أوس الطائي في قوله:
أخٌ لي لَوُ اعطيتُ المُنى باسمِ فقدهِبلا فقدهِ كانتْ بهِ ثمناً بخسَا
فلو أنَّ نفسِي ألفُ نفسٍ لما انثنتْيدُ البينِ أو تُودِي بآخرها نفسَا
وقد اختلف العشاق في التفصيل والفراق فمن أهل الهوى من يُعظم شأن الهجر على شأن النَّوى وينشد محتجّاً لذلك:
وأنقذَها مِنْ غمرةِ الموتِ أنَّهصدودُ فراقٍ لا صدودُ تعمُّدِ
فأجرَى لها الإشفاقُ دمعاً مورَّداًمن الدَّمِ يجرِي فوقَ خدٍّ مورَّدِ
وأكثر أهل هذا الشأن يُغلبون شأن النَّوى على شأن الهجر بل يغلِّبونه على كل مكروه من الأمر غير الخيانة والغدر.
ولقد أحسن أبو تمام حبيب بن أوس الطائي حيث يقول:
وكانَ عزيزاً أنَّ بيني وبينكمْحجاباً فقدْ أصبحتُ منكمْ علَى شهرِ
وأبكاهُما للعينِ واللهِ إنَّنيأُحاذرُ أنْ لا نلتقي آخرَ الدَّهرِ
وكمْ دونَنا مِنْ مهمهٍ مُتنازحٍومن جبلٍ وعرٍ ومن بلدٍ قفرِ
وما زلتُ أرضى مِنْ خليلِي بهجرهِفأحسبُ أنْ لا داءَ أدوَى منَ الهجرِ
إلى أنْ رمانا دهرُنا بتفرُّقٍفأيقنتُ أنَّ البينَ قاصمةُ الظَّهرِ
ونحن نقول الآن الفرقان بين الفراق والهجران الَّذي يعظم عندي أمر الهجر إنَّما هو منسبة ما بينه وبين الغدر لأنَّ الهجر إذا خرج عن أن يكون عقاباً على ذنبٍ أو تذلُّلاً بإظهار تجنٍّ أو عتب أو مراقبة لواشٍ أو مللاً من العذل فلا معذر له غير الغدر والخيانة وترك المقام للهوى بحق الرعاية فهذا أصعب أسباب الهجر ومما ينقص من صعوبته ويكفُّ من عاديته أنَّه إذا جرى هذا المجرى لحق المقصود به ضربٌ من الغيظ لقبح ما صنع به عن غير سبب موجب له وليس شخص المحبوب بناءٍ عن نظره فيتمالك عنه من إزعاج الشوق بفكره ما يذهب بغيظه ويُلين من قلبه ومع الفراق زوال ذلك كله لأن غيبة الشخص عن الناظر مزيلة لكل غيظ وغافرة لكل ذنب وذاهبة بكل عجب يتداخل المحبوب والمحب فالنفوس تذل للفراق وتنقاد معه لدواعي الإشفاق والاشتياق فهذا مقدار ما يتسهّل لنا من وصفهما ويجوز أن نقطع به من الحكم بينهما.
قال ابن ميادة:
سلِ اللهَ صبراً واعترفْ بفراقِعسى بعدَ بينٍ أن يكونَ تلاقي
ألا ليتني قبلَ الفراقِ وبعدهُسقاني بكأسٍ للمنيَّةِ ساقي
وقال آخر:
فوا حسرتا لمْ أقضِ منكمْ لُبانةولم أتمتَّعْ بالجوارِ وبالقُربِ
وفُرِّقَ بيني في المسيرِ وبينكمْفها أنذا قاضٍ علَى إثركمْ نحْبي
وقال آخر:
ألا مَنْ لقلبٍ مُعرضٍ للنَّوائبِرمتْهُ خُطوبُ الدَّهرِ من كلِّ جانبِ
تبيَّنَ يومَ البينِ أنَّ اعتزامه على الصَّبرِ من إحدى الظُّنونِ الكواذبِ
وقال آخر:
مَنْ كانَ لمْ يذُقِ الهوَى أوْ ذاقهُفلقدْ أخذتُ منَ الهوَى بنصيبِ
فرأيتُ أنَّ أشدَّ كلِّ بليَّةٍقُضيتْ علَى أحدٍ فراقُ حبيبِ
وقال أبو تمام:
لو كانَ في البينِ إذْ بانوا لهمْ دعَةٌلكانَ بينهمُ منْ أعظمِ الخطرِ
فكيفَ والبينُ موصولٌ بهِ تعبٌيكلِّفُ البيدَ في الإدلاجِ والبُكرِ
لو أنَّ ما تبتليني الحادثاتُ بهِيكونُ بالماءِ لم يُشربْ من الكدرِ
لو كانَ بالعيسِ ما بي يومَ رحلتهمْأعيَتْ علَى السَّائقِ الحادي فلم تسرِ
كأنَّ أيدي مطاياهُمْ إذا وخدَتْيقعْنَ في حُرِّ وجهي أوْ علَى بصري
وقال ابن الدمينة:
إلى اللهِ أشكو مُضمراتٍ من الهوَىطواهُنَّ طولُ النَّأيِ طيَّ الصَّحائفِ
أقامَ بنحْوِ الماءِ قلبي وباعدَتْبسائرِ جِثماني قلاصُ الغلائفِ
وقال معاذ ليلَى العقبلي:
أقامَ فريقٌ من أُناسٍ تودُّهمْبذاتِ الشَّرى عندي وبانَ فريقُ
بحاجةِ محزونٍ ثباتُ فؤادهِرهينٌ ببيضاتِ الحجالِ صديقُ
تحمَّلْنَ أنْ هبَّتْ لهنَّ عشيَّةًجَنوبٌ وأنْ لاحتْ لهنَّ بروقُ
فواكبدي أُكْوى عليها وإنَّهامخافةَ هيضاتِ النَّوى لخَفوقُ
وقال المعلوط:
دعوْتُ ربِّي دُعائي فاستجابَ لهُكما دعا ربَّهُ نوحٌ وأيَّوبُ
أن ينزعَ الدَّاءَ من قلبي ويجعلهُفي قلبِ سُلمى وحملُ الدَّاءِ تعطيبُ
لِيُبرئَ اللهُ قلباً من صبابتهِفلا أحنُّ إذا حنَّ المطاريبُ
قلبي بنجدٍ وأجلادي تهاميةٌما بعد هذا منَ التَّعذيبِ تعذيبُ
وقال جران العود ومن النَّاس من يرويه لذي الرمة:
أيا كبدي كادتْ عشيَّةَ غُرَّبٍمنَ الوجدِ إثرَ الظَّاعنينَ تصدَّعُ
عشيَّةَ ما فيمنْ أقامَ بغُرَّبٍمُقامٌ ولا فيمنْ مضى مُتسرَّعُ
عشيَّةَ ما لي حيلةٌ غيرَ أنَّنيبلفظِ الحصى والخطِّ في الدَّارِ مولعُ
أخطُّ وأمحو كلَّ خطٍّ خططْتُهُبكفِّيَ والغِربانُ في الدَّارِ وقَّعُ
كأنَّ سناناً فارسيّاً أصابنيعلَى كبدي بلْ لوعةُ الحبِّ أوجعُ
وما يُرجعُ الشَّوقُ الزَّمانَ الَّذي مضىولا للفتى في دمنةِ الدَّارِ مَجزعُ
فما كانَ مشؤوماً لنا طائرُ الهوَىولا ذلَّ للبينِ الفؤادُ المروَّعُ
وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر لطفيل الغنوي:
وما أنا بالمُستنكرِ البينِ إنَّنيبذي لطَفِ الجيرانِ قِدْماً مُفجَّعُ
جديرٌ بهِ من كلِّ حيٍّ لقيتهُمْإذا أنسٌ عزُّوا عليَّ تصدَّعوا
وقال آخر:
أمَّا الرَّحيلُ فحينَ جدَّ ترحَّلتْمهجُ النُّفوسِ لهُ عنِ الأجسادِ
من لم يمُتْ والبينُ يصدعُ شملَهُلم يدْرِ كيفَ تفتُّتُ الأكبادِ
وقال إسحاق الموصلي:
إقْرَ السَّلامَ علَى الذَّلفاءِ إذْ شحطَتْوقُلْ لها قد أذقْتِ القلبَ ما خافا
فما وجدْتُ إلى إلفٍ فُجعتُ بهِوجدي عليكِ وقد فارقتُ أُلاَّفا
وأنشدني أحمد بن أبي طاهر:
خليليَّ إنِّي لم أجدْ بردَ مشربٍولا طعمَ نومٍ مُذْ نأتْ أمُّ حاجبِ
وما زالَ مذْ لم يلقها القلبُ صادياًوإن كانَ يُسقى من لذيذِ المشاربِ
وقال آخر:
أحجَّاجَ بيتِ اللهِ في أيِّ هودجٍوفي أيِّ خِدرٍ من خدوركمُ قلبي
أأبقى أسيرَ الحبِّ في أرضِ غُربةٍوحاديكمُ يحدو بقلبي معَ الرَّكبِ
وقال الحسين الخليع:
بنفسي حبيبٌ أَمَّ مكَّةَ مُكرهاًيُعالجُ مستوراً منَ الحزنِ والألمْ
كلانا وحيدٌ لا يُسرُّ بمؤْنسٍمنَ النَّاسِ حتَّى تنقضي الأشهرُ الحرمْ
أحنُّ إلى شهرِ المحرَّمِ ليتهُغَداةَ غدٍ قد كانَ أوْ بانَ فانصرمْ
أُلامُ علَى شُغلي بمن أنا شغلهُإذا طافَ أوْ أصغى إلى الرُّكنِ فاستلمْ
سترْنا بظهرِ الغيبِ ما كانَ بينناونحفظُ عهدينا علَى رغمِ منْ رغمْ
وقال ذو الرمة:
أراحَ فريقُ جيرتِكَ الجِمالاكأنَّهمُ يريدونَ انتقالا
فكدْتُ أموتُ من حزنٍ عليهمْولمْ أرَ صاحبَ الأظعانِ آلا
وميَّةُ في الظَّعائنِ وهيَ شكَّتْسوادَ القلبِ فاقتُتِلَ اقتتالا
ولمْ أرَ مثلَها نظراً وعيناًولا أُمَّ الغزالِ ولا الغزالا
هيَ السُّقمُ الَّذي لا بُرءَ منهُوبُرءُ السُّقمُ لو بذلتْ نوالا
وقال معقل بن عيسى أخو أبي الدلف:
لَعمري لئنْ قرَّتْ بقُربكَ أعينٌلقد سخنَتْ بالقربِ منكَ عيونُ
فسرْ أوْ أقمْ وقْفٌ عليكَ مودَّتيمكانُكَ منْ قلبي عليكَ مصونُ
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
راحوا ورحنا علَى آثارهمِ أُصُلاًمُحمِّلينَ منَ الأثقالِ أوقارا
كأنَّ أنفُسنا لم ترتحلْ معناأوْ سرنَ في أوَّلِ الحيِّ الَّذي سارا
وقال آخر:
عجِلَ الفِراقُ بما كرهْتُ وطالماكانَ الفِراقُ بما كرهْتُ عجولا
وأرى الَّتي هامَ الفؤادُ بذكرِهاأصبحْتُ منها فارغاً مشغولا
وقال آخر:
بنفسيَ مَنْ أُمسي وأُضحي لنأيهِوشوقي إليهِ في عناءٍ وفي كرْبِ
فإنْ يرتحلْ جسمي معَ الرَّكْبِ مُكرهاًيُقمْ عندها قلبي وأمضي بلا قلبِ
ولبعض أهل هذا العصر:
وكنتُ أرى أن قدْ تناهى بيَ الهوَىإلى غايةٍ ما بعدها ليَ مذهَبُ
فلمَّا تفرَّقنا تذكَّرْتُ ما مضىفأيقنتُ أنِّي إنَّما كنتُ ألعبُ
فقدْ والَّذي لو شاءَ لم يخلُقِ النَّوىعُرضْتُ فما أدري إلى أينَ أذهبُ
وقال آخر:
وأخلَتْ فشطَّتْ عن مُقامي وخانني... ومامِنْ ضنى الموتِ لا تُخلي
لقدْ غادرتْني لا صحيحاً لصحَّتيولا راجياً بِراً ولا مُدركاً تبْلي
وقال آخر:
أغارَ علينا الدهرُ حتَّى كأنَّمايُطالبنا الدَّهرُ المغيرُ بأوتارِ
بتشتيتِ أُلاَّفٍ وتغريبِ منزلٍوتفريقِ إخوانٍ وتقليبِ أوطارِ
وقدْ علمَ الدَّهرُ الخؤونُ بأنَّنيأصولُ عليهِ صوْلةَ الأسدِ الضَّاري
وقال علي بن محمد العلوي الكوفي:
ولقدْ نظرْتُ إلى الفراقِ ولم أجدللموتِ لو فُقدَ الفراقُ سبيلا
يا ساعةَ البينِ انبري فكأنَّماواصلتِ ساعاتِ القيامةِ طولا
وقال الطائي:
يومَ الفراقِ لقدْ خُلقتَ طويلالم تُبقِ لي صبراً ولا معقولا
لو حارَ من قادَ المنيَّةَ لمْ يُردْإلاَّ الفراقَ علَى النُّفوسِ دليلا
قالوا الرَّحيلُ فما شككْتُ بأنَّهانفسي عنِ الدُّنيا تريدُ رحيلا
الصَّبرُ أجملُ غيرَ أنَّ تلذُّذاًفي الحبِّ أحرى أن يكونَ جميلا
أتظنُّني أجدُ السَّبيلَ إلى العزاوجدَ الحِمامُ إذاً إليَّ سبيلا
ردُّ الجموحِ الصَّعبِ أسهلُ مطلباًمن ردِّ دمعٍ قدْ أرادَ مسيلا
وقال أبو تمام:
نوًى كانقضاضِ النَّجمِ كانتْ نتيجةًمنَ الهزلِ يوماً إنَّ هزْلَ الهوَى جِدُّ
فلا تحسِبا هنداً لها الغدرُ وحدهاسجيَّةُ نفسٍ كلُّ غانيةٍ هنْدُ
وكمْ تحتَ أوراقِ الصَّبابةِ من فتًىمنَ القومِ حُرٍّ دمعهُ للهوى عبدُ
محمَّدُ يا ابن الهيثمِ انقلبَتْ بنانوًى خطأٌ في عقبها لوعةٌ عمْدُ
وحقدٌ منَ الأيَّامِ وهيَ قديرةٌوشرُّ السَّجايا قُدرةٌ حازها حقدُ
وقال علي بن محمد العلوي:
أتْبعتهُمْ نفساً تَدْمى مسالكهُكأنَّهُ من حِمى الأحشاءِ مقدودُ
ما زلتُ أعرفُ أيَّامي وأُنكرُهاحتَّى انبرتْ وهيَ لا بيضٌ ولا سودُ
خاضتْ بيَ الشَّكَّ حتَّى قالَ قائلُهالا القربُ قرْبٌ ولا التَّبعيدُ تبعيدُ
وقال آخر:
لَعمري لئنْ شطَّتْ بعُتمةَ دارُهالقد كنتُ من وشكِ الفراقِ أُليحُ
أروحُ بهمٍّ ثمَّ أغدو بمثلهِوتحسبُ أنِّي في الثِّيابِ صحيحُ
وقال آخر:
سنحَ الهوَى فكتمْتُ نفسي حاجةًبلغَ التَّجلُّدَ ذو العزاءِ الصَّابرِ
نهوى الخليطَ وإنْ أقمْنا بعدهُإنَّ المقيمَ مكلَّفٌ بالسَّائرِ
وقال آخر:
وفي الجيرةِ الغادينَ من بطنِ وجْرةٍغزالٌ أحمُّ المُقْلتينِ ربيبُ
فلا تحسبي أنَّ الغريبَ الَّذي نأىولكنَّ مَنْ تنأيْنَ عنهُ غريبُ
وقال آخر:
تركْتِ بقلبي من فراقكِ لوعةًستُتْلفُ ما أبقى وداعُكِ من نفسي
أروحُ وأغدو مُستكيناً كأنَّنيأُراقبُ حتفي حينَ أُصبحُ أوْ أُمسي
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع