من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الخامس والعشرون: في الوداعِ قبلَ الفراقِ بلاغٌ إلى وقتِ التَّلاقِ
فعل الوداع وتركه نقص كله ممن قدر أن يرد الفراق عن نفسه وذلك إن الحزم لأهل الهوى ألاَّ يبسطوا على أرواحهم يد النوى فإن عذاب الهوى مع حضور المحبوب ينغِّص العيش ويبرِّح القلوب فكيف إذا تحكَّم فيه سلطان الفراق وأمدَّت صاحبه الفكر بخواطر الإشفاق والتهبت في الضَّمير لوعات الاشتياق حينئذ تُسكب العبرات وتتمكَّن الحسرات.
وقال حبيب بن أوس الطائي:
أمَّا الهوَى فهوَ العذابُ فإن جرتْفيهِ النَّوى فأَليمُ كلِّ أليمِ
فإن كان لا بدَّ من فراق فلا يكن إلاَّ بعد تشييع ووداع بلغني عن محمد بن سيرين أنَّه قال إن كان لا بدَّ من قيد فليكن مجليّاً.
وفي هذا المعنى يقول بعض أهل هذا العصر:
تمتَّعْ من حبيبكَ بالوداعِفما بعدَ الفراقِ منِ اجتماعِ
فكم جرِّعنَ منْ هجرٍ وغدرٍومنْ حالِ ارتفاعٍ واتِّضاعِ
وكم كاسٍ أمرَّ منَ المناياشربتُ فلم يضقْ عنها ذِراعي
فلمْ أرَ في الَّذي قاسيتُ شيئاًأشدَّ منَ الفراقِ بلا وداعِ
تعالَى اللهُ كلُّ مواصلاتٍوإنْ طالتْ تؤولُ إلى انقطاعِ
واختيارات العشَّاق تفاوتُ في أمر الوداع تفاوتاً شديداً فبعضهم مسارع إلى الفراق تغنُّماً للوداع فمنهم الَّذي يقول:
منْ يكنْ يكرهُ الفراقَ فإنِّيأشتهيهِ لموضعِ التَّسليمِ
إنَّ فيهِ عناقة لوداعٍوانتظارِي عناقةً لقدومِ
ومنهم الَّذي يقول:
لستُ ممَّن يذمُّ يومَ الفراقِولهُ منَّةٌ علَى العشَّاقِ
إنَّ فيهِ اعتناقةً لوداعِوانتظارَ اعتناقِ يومِ التَّلاقِ
وقال البحتري في هذا المعنى وله في ضده وما منهما إلاَّ مختار في بابه:
فأحسنْ بنا والدَّمعُ بالدَّمعِ واشجٌيمازجهُ والخدُّ بالخدِّ مُلصقُ
وقد ضمَّنا وشكُ التَّلاقي ولفَّناعناقٌ علَى أعناقِنا ثمَّ ضيِّقُ
فلمْ ترَ إلاَّ مخبراً عن صبابةٍبشكوَى وإلاَّ عبرةً تترقرقُ
ومِنْ قُبَلٍ قبلَ التَّشاكي وبعدهُنكادُ بها من شدَّةِ اللَّثمِ نشرقُ
فلو فهمَ النَّاسُ التَّلاقي وحسنهُلحُبِّبَ من أجلِ التَّلاقي التَّفرُّقُ
ومنهم من يصبر على الفراق ويتعمَّد التَّخلُّف عن الوداع إشفاقاً من مضاضة وعجزاً عن معاتبة ساعته.
فمنهم البحتري حيث يقول:
اللهُ جاركَ في انطلاقكْتلقاءَ شآمكَ أوْ عراقكْ
لا تعذُلنِّي في خروجِييومَ سرتَ ولمْ أُلاقكْ
إنِّي عرفتُ مواقفاًللبينِ تسفحُ غربَ ماقِكْ
وعرفتُ ما يلقَى المودِّعُ عندَ ضمِّكَ واعتناقكْ
وعلمتُ أنَّ لقاءَناسببُ اشتياقِي واشتياقكْ
وتركتُ ذاكَ تعمُّداًوخرجتُ أهربُ مِنْ فراقكْ
وحكى أبو سليمان عن ابن الأعرابي أنَّه قال قلت لعمار بن عقيل بن بلال بن جرير ما كان أبوك صانعاً حيث يقول:
لو كنتُ أعلمُ أنَّ آخرَ عهدكمْيومَ الفراقِ فعلتُ ما لمْ أفعلِ
قال فما يهمُّني إن قال كان يقلع عينيه ولا يرى أحبابه الظَّاعنين فمن يقع به الفراق اضطراراً ويترك هو الوداع اختياراً فهو أحسن حالاً ممَّن يضطر إلى الأمرين جميعاً فإن اجتماع الهجر والفراق يتلف مهجة المشتاق.
وفي مثل ذلك يقول البحتري:
عدتْنا عوادِي الحبِّ عنها وزادَنابها كلَفاً أنَّ الوداعَ علَى عتبِ
ولي ظمأٌ لا يملكُ الماءُ دفعهُإلى نهلةٍ مِنْ ريقها الخصر العذبِ
وفي نحوه يقول أبو تمام:
أنأياً واجتناباً أيُّ صبرٍمعَ البلوَى يعرِّسُ بين ذينِ
ألمْ يُقنعكَ فيهِ الهجرُ حتَّىجمعتَ لقلبهِ هجراً ببينِ
وعلى أنَّ من المحبوبين من يدعوه حضور الفراق إلى الحرص على التَّوديع والتَّلاق فيكون وقوع النَّوى سبباً لاستخراج ما في نفسه من الضِّغن.
فمن ذلك قول أبي تمام:
أعرضتْ برهةً فلمَّا أحسَّتْبالنَّوى أعرضتْ عنِ الإعراضِ
نظرتْ فالتفتُّ منها إلى أحلى سوادٍ رأيتهُ في بياضِ
ومنه قول الآخر:
ألمْ ترَ قيسٌ كلُّها أنَّ عزَّهاغداةَ غدٍ عن دارهِ الدَّهرَ ظاعنُ
هُنالكَ جادتْ بالدُّموعِ موانعُ العيونِ وسُلَّتْ بالفراقِ الضَّغائنِ
وقال آخر:
عشيَّةَ أدعُو مُسعدي فلمْ أجدْإلى حرِّ ما ألقَى منَ الشَّوقِ مُسعدا
عشيَّةَ زمُّوا للفراقِ جِمالهمْفلمْ ترَ إلاَّ واضعاً في يدي يدا
وقال آخر:
فلا أنسَ مِ الأشياءِ لا أنسَ قولَهاوأدمعُها يُذرينَ حشوَ المكاحلِ
تمتَّعْ بذا اليومِ القصيرِ فإنَّهرهينٌ بأيَّامِ الشُّهورِ الأطاولِ
وقال آخر:
أقولُ لمُقلَتي لمَّا التقيناوقدْ شرقتْ مآقيها بماءِ
خُذي لي اليومَ مِنْ نظرٍ بحظٍّفسوفَ تُوكَّلينَ إلى البكاءِ
وقال آخر:
أقولُ لهُ يومَ ودَّعتهُوكلٌّ بعبرتهِ مُبْلِسُ
لئنْ رجعتْ عنكَ أجسامُنالقدْ سافرتْ معكَ الأنفسُ
وأنشدنا أحمد بن يحيى:
إنَّ الظَّعائنَ يومَ جوِّ سويقةٍأبكينَ عندَ فراقهنَّ عيونا
غيَّضنَ مِنْ عبراتهنَّ وقلنَ ليماذا لقيتَ منَ الهوَى ولقينا
وقال جرير:
ودِّعْ أُمامةَ حانَ منكَ رحيلُإنَّ الوداعَ لمنْ تحبُّ قليلُ
تلكَ القلوبُ صوادياً تيَّمْتهاوأرَى الشِّفاءَ وما إليهِ سبيلُ
أعذرتُ في طلبِ النَّوالِ إليكمُلو كانَ من ملكَ النَّوالَ نبيلُ
وقال ذو الرمة:
لعمركَ إنِّي يومَ جرعاءَ مالكٍلشوقيَ منقادُ الجنيبةِ تابعُ
فأخْذُ الهوَى فوقَ الحلاقيمِ مُخرسٌلنا إذْ نُحيَّا أن نسلِّمَ مانعُ
فلمَّا عرفْنا آيةَ البينِ بغتةًوهذا النَّوى بينَ الخليطينِ قاطعُ
لحِقْنا وراجعنا الحمولَ وإنَّماتُقضِّي دياناتِ الوداعِ المراجعُ
فلمَّا تلاحقْنا ولا مثلَ ما بنامنَ الوجدِ لا تنقضُّ منهُ الأضالعُ
غدونَ فأحسنَّ الوداعَ فلمْ نقلْكما قلنَ إلاَّ أن تشيرَ الأصابعُ
وخالسنَ تبساماً إلينا كأنَّماتصيبُ بهِ حبَّ القلوبِ القوارعُ
وقال الحسين بن الضحاك:
هلاَّ رحمتِ تلدُّدَ المشتاقِومننتِ قبلَ فراقهِ بتلاقي
نفسِي الفداءُ لخائفٍ مترقِّبٍجعلَ الوداعَ إشارةً بعناقِ
إذْ لا جوابَ لمفحمٍ متحيِّرٍإلاَّ الدُّموعُ تصانُ بالإطلاقِ
وقال عبيد الله بن الصمة:
ولمْ أرَ مثلَ العامريَّةِ قبلَهاولا بعدَها يومَ التقينا مودِّعا
شكوتُ إليها فيضةَ الحيِّ بالحشاوخشيةَ شملِ الحيِّ أنْ يتصدَّعا
فما راجعتْنا غيرَ صمتٍ وإنَّهتكادُ لهُ الأحشاءُ أنْ تتقطَّعا
لقد خفتُ أن لا تقنعَ النَّفسُ دونَهابشيءٍ منَ الدُّنيا وإنْ كانَ مُقنعا
وأعذلُ فيها النَّفسَ إذا حيلَ دونَهاوتأبَى إليها النَّفسُ إلاَّ تطلُّعا
وقال الطرماح:
كأنْ لم يرعكَ الظَّاعنونَ ببينهمْبلَى مثلُ فقدِ الظَّاعنينَ يروعُ
يراقبنَ أبصارَ الغيارَى بأعينٍعواذرَ ما تجرِي لهنَّ دموعُ
وقال البحتري:
وقفْنا والعيونُ مثقَّلاتٌيغالبُ طرفَها نظرٌ كليلُ
نهتهُ رِقبةُ الواشينَ حتَّىتعلَّقَ لا يفيضُ ولا يسيلُ
وقال قيس بن الحدادية الخزاعي:
أجدَّكَ إنْ نُعمٌ نأتْ أنتَ جازعُوقدْ قربتْ أوْ أنَّ ذلكَ نافعُ
وحسبيَ مِنْ نأيٍ ثلاثةُ أشهرٍومنْ جزعٍ إنْ زادَ شوقكَ رابعُ
وقالتْ وعيناها تفيضانِ بالبُكابأهليَ خبِّرني متى أنتَ راجعُ
فقلتُ لها تاللهِ يدرِي مسافرٌإذا أضمرتهُ الأرضُ ما اللهُ صانعُ
وقال آخر:
راعكَ البينُ والمحبُّ يراعُحينَ قالُوا تشتُّتٌ وانصداعُ
لستُ أنسَى مقالَها يومَ ولَّتْوقُصارَى المشيِّعينَ الوداعُ
وقال آخر:
ليسَ شيءٌ منَ الفراقِ إذا كانَ أخُو الحبِّ والِهاً كلِفا
أحرقَ منْ وقفةِ المشيِّعِ للقلبِ يريدُ الوداعَ مُنصرفا
وقال طريح:
يا ليتَ شِعري عنِ الحيِّ الذينَ غدَوْاهل بعدَ فرقتهمْ للشَّملِ مجتمعُ
أتبعتهمْ مقلةً جادتْ بأدمعِهاوالقلبُ منِّي علَى آثارهمْ قطعُ
فكلُّ ما كنتُ أخشَى قد فُجعتُ بهِفليسَ لي منْ فراقٍ مرَّةً جزعُ
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:
تقضَّتْ لُباناتٌ وجدَّ رحيلُولم يُشفَ من أهلِ الصَّفاءِ غليلُ
ومُدَّتْ كفوفٌ للوداعِ فصافحتْوكادتْ عيونٌ للفراقِ تسيلُ
ولا بدَّ للإلفينِ من يومِ لوعةٍإذا ما خليلٌ بانَ عنهُ خليلُ
وكمْ منْ دمٍ قد طُلَّ يومَ تحمَّلتْأوانسُ لا يُودَى لهنَّ قتيلُ
غداةَ جعلتُ الصَّبرَ شيئاً نسيتهُوأعولتُ لو أجدَى عليَّ عويلُ
وقال آخر:
تفرَّقَ أهلي من مُقيمٍ وظاعنٍفللّهِ درِّي أيُّ أهليَّ أتبعُ
أقامَ الأُلى لا أستطيعُ فراقهمْوبانَ الأُلى قلبي بهمْ يتقطَّعُ
بعينيَّ تلكَ العيرُ حتَّى تجاوزتْوحتَّى أتَى من دونِها الخبتُ أجمعُ
وأعرضَ مِنْ رضوَى معَ اللَّيلِ دامسٌهضابٌ تردُّ الطَّرفَ عمَّنْ تشيَّعُ
وقال البحتري:
قد أرتكَ الدُّموعُ يومَ تولَّتْظعنُ الحيِّ ما وراءَ الدُّموعِ
عبراتٌ ملءَ الجفونِ مَرَتهاحرقٌ للفراقِ ملءَ الضُّلوعِ
إنْ يثُبْ وادعُ الضَّميرِ فعندِينصبٌ مِنْ عشيَّةِ التَّوديعِ
فُرقةٌ لم تدعْ لعينيْ محبٍّنظراً بالعقيقِ غيرَ الرُّبوعِ
وقال أيضاً:
رحلُوا فأيَّةُ عبرةٍ لم تُسكبِأسفاً وأيُّ عزيمةٍ لم تُغلبِ
لو كنتَ شاهدَنا وما صنعَ الهوَىبقلوبِنا لحسدتَ مَنْ لم يُحببِ
وقال أيضاً:
منزلٌ هاجَ لي الصَّبابةَ والشَّوقُ قريني وساءَ ذاكَ قرينا
وتودُّ القلوبُ يومَ استقلَّتْظعنُ الحيِّ أن تكونَ عيونا
فاتْرُكاني فما أُطيعُ عذولاًواخْذُلاني فما أُريدُ مُعينا
وقال أبو تمام:
لا أظلمَ النَّأيُ قدْ كانتْ خلائقُهامن قبلِ وشكِ النَّوى عندي نوًى قذُفا
ودِّعْ فؤادكَ توديعَ الفراقِ فماأراهُ مِنْ سفرِ التَّوديعِ مُنصرفا
وقال آخر:
لم أنسَ إذْ قالتْ غداةَ النَّوىودمعُها منحدرٌ واكفُ
لأنتَ أحلَى مِنْ لذيذِ الكرَىومِنْ أمانٍ نالهُ خائفُ
وقال البحتري:
وانثنتْ وُجهةَ الفراقِ فأرسلْتُ إليها عيناً عليها تجودُ
نظرةٌ خلفَها الدُّموعُ عِجالاًتتمارَى ودونَها التَّسهيدُ
أترى فائتاً يرجَّى ويوماًمثلَ يومِي برامَتينِ يعودُ
وقال بعض الظاهريين:
قفِي ودِّعينا قبلَ أنْ تصدعَ النَّوىبوصلكِ شملاً لم يكنْ متصدِّعا
ولا تجمعِي هجراً عليَّ وفرقةًفما جُمعا قبلِي علَى عاشقٍ معَا
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع