من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب السابع والعشرون: من غاب قرينهُ كثر حنينه
من شأن من غاب عن خليله أن تناله حيرةٌ في جميع أموره يصحو عنها ويرجع إليه تمييزه فمن كان المتناول له من تلك الحيرة والآخذ بعنانه من تلك الغمرة داعٍ من غلبات الاشتياق وناهٍ عن المقام في قبضة الفراق لم يتمالك عن أحبابه وقتاً من الأوقات ولم يتشاغل عنهم بضربٍ من اللذَّات ومن كان الآخذ بيده من تلك الغمرات والمتخلِّص بخواطره من تلك السَّكرات ضرباً من الاشتغال بغير تلك الحال سلا على مرِّ الأيَّام والليالي وما دام في تلك الحيرة فهو متشاغل بتذكُّر من فارقه والشَّوق والحنين إلى من خلَّفه ألم تسمع الَّذي يقول:
وإنَّ امرءاً في بلدةٍ نصفُ قلبهِونصفٌ بأُخرى غيرِها لصبورُ
وددْتُ من الشَّوقِ المُبرِّحِ أنَّنيأُعارُ جناحَيْ طائرٍ فأطيرُ
فما من نعيمِ العيشِ بعدكِ لذَّةٌولا لسرورٍ لستِ فيهِ سرورُ
والَّذي يقول:
بأكنافِ الحجازِ هوًى دفينُيؤرِّقُني إذا هدَتِ العيونُ
أحنُّ إلى الحجازِ وساكنيهِحنينَ الإلفِ فارقهُ القرينُ
وأبكي حينَ ترقدُ كلُّ عينٍبكاءً بينَ زفرتهِ أنينُ
وقال آخر:
ذكرتُكِ ذكرى هائمٍ بكِ تنتهيإليكِ أمانيهِ وإنْ لم يكنْ وصلُ
وليسَتْ بذكرى ساعةٍ بعدَ ساعةٍولكنَّها موصولةٌ ما لها فصلُ
وقال أبو عطاء السندي:
ذكرتُكِ والخطِيُّ يخطرُ بينناوقدْ نهكَتْ منَّا المُثقَّفةُ السُّمْرُ
فوالله ما أدري وإنِّي لصادقٌأداءٌ عناني منْ ودادكِ أمْ سحْرُ
فإنْ يكُ سحراً فاعذُريني علَى الهوَىوإنْ يكُ داءً غيرَهُ فلكِ العُذرُ
وقال آخر:
ألا يا لقومي للصَّبابةِ والذِّكرِوللقدَرِ السَّاري إليكَ ولا تدري
وللشَّيءِ تنساهُ وتذكرُ غيرَهُوللشَّيءِ لا تنساهُ إلاَّ علَى ذكرِ
وقال آخر:
دعاكِ ضمانُ اللهِ يا أمَّ مالكٍولله أنْ يشفينَ أغنى وأوسعُ
يُذكِّرُنيكِ الخيرُ والشَّرُّ والَّذيأخافُ وأرجو والَّذي أتوقَّعُ
وقال مسلم بن الوليد:
يذكِّرُنيكَ البُخْلُ والجودُ والعلىوقيلُ الخنا والحلمُ والعلمُ والجهلُ
فألقاكَ عن مكروهِها مُتنزِّهاًوألقاكَ في محمودها ولكَ الفضلُ
وقال آخر:
ذكرْتُ بهِ منْ لنْ أُبالي بذكرهِتفرُّقَ شعبٍ في النَّوى مُتزايلِ
وإنَّ امرءاً بالشَّامِ أكثرُ أهلهِوبُطنانَ ليسَ الشَّوقُ عنهُ بغافلِ
وقال آخر:
وذكرْتُ هنداً والمطايا تعتليبالقومِ قد قطعوا العقيقَ وأنجدوا
بعُدَ الطَّريقُ فباتَ يقسمُ أمرهُأيجودُ بالعبراتِ أمْ يتجلَّدُ
ولقدْ حُبستُ علَى البِعادِ فزادنيطولُ البِعادِ حرارةً لا تبردُ
وقال معاذ ليلَى:
ذكرتُكِ حيثُ استأمنَ الوحشُ والتقتْرفاقٌ منَ الآفاقِ شتَّى شعوبُها
وعندَ الحطيمِ قدْ ذكرتُكِ ذكرةًأرى أنَّ نفسي سوفَ يأتيكِ حوبُها
دعا المحرمونَ اللهَ يستغفرونهُبمكَّةَ يوماً أنْ تُمحَّى ذنوبُها
فناديْتُ أنْ يا ربِّ أوَّلُ سِئلتيلنفسيَ ليلَى ثمَّ أنتَ حسيبُها
فإنْ أُعْطَ ليلَى في حياتيَ لا يتُبْإلى اللهِ عبدٌ توبةً لا أتوبُها
وقال آخر:
لقدْ زادني الحُجَّاجُ شوقاً إليكمُوما كنتُ قبلَ اليومِ للحجِّ قاليا
وما نظرتْ عيني إلى شخصِ قادمٍمن الحجِّ إلاَّ بلَّ دمعي ردائيا
وقال آخر:
فما وجدَتْ كوجدي أمُّ سقْبٍأضاعتْهُ فرجَّعتِ الحنينا
ولا شمطاءُ لمْ تترُكْ شفاهالها من تسعةٍ إلاَّ حُنينا
وقال بعض الأعراب:
وما وجدُ أعرابيَّةٍ قذفَتْ بهانوى غُربةٍ من حيثُ لم تكُ طُلَّتِ
تمنَّتْ أحاليبَ الرَّعاءِ وخيمةًبنجدٍ فلمْ يُقدرْ لها ما تمنَّتِ
إذا ذكرَتْ ماءَ العضاهِ وطيبهُوبردَ الحصى من نحوِ نجدٍ أرنَّتِ
بأعظمَ من وجدٍ بريَّا وجدْتهُغداةَ غدوْنا غُربةً واطمأنَّتِ
فإنْ يكُ هذا آخرَ العهْدِ منهمُفهذا الَّذي كُنَّا ظننَّا وظنَّتِ
وقال الحسين الخليع:
يا مَنْ شغلْتُ بهجرهِ ووصالهِهِممَ المُنى ونسيتُ يومَ معادي
والله ما التقتِ الجفونُ بطرفةٍإلاَّ وذِكرُكَ خاطرٌ بفؤادي
وقال ذو الرمة:
إذا خطرَتْ من ذكرِ ميَّةَ خطرةٌعلَى القلبِ كادَتْ في فؤادِكَ تجرحُ
علَى حينِ راهقْتُ الثَّلاثينَ وارعوَتْلِداتي وكادَ الحلمُ بالجهلِ يرجحُ
ذكرتُكِ أنْ مرَّتْ بنا أمُّ شادنٍأمامَ المطايا تشرئبُّ وتسنحُ
رأتنا كأنَّا عامدونَ لقصدِهابهِ فهيَ تدنو تارةً وتزَحْزحُ
هيَ الشِّبهُ أعطافاً وجيداً ومُقلةًوميَّةُ أبهى بعدُ منها وأملحُ
وأنشدتني أعرابية بالبادية:
هلِ الشَّوقُ إلاَّ مثلُ ما أتكلَّفُأبينُ وعيني ما تَني الدَّهرَ تذرفُ
تذكَّرْتُ بيتاً من نُعيْمةَ والنَّوىقريبٌ وقد كانَ الَّذي أتخوَّفُ
فقدْ ظنَّ هذا القلبُ أنْ ليسَ ناظراًإلى وجهها ما كذَّبَ الله خندفُ
فيا قلبُ صبراً واعترافاً بما قضىلكَ الله إنَّ الحرَّ بالصَّبرِ يُعرفُ
تجلَّدْ وأجملْ واصطبرْ وازجُرْ الأسىلعلَّ النَّوى يوماً بنعمةَ تُسعفُ
عسى دارُها أنْ ترعَوي بعدَ بُعدهاعليكَ وتلقاها كما كنتَ تعزفُ
وقال آخر:
هلِ الشَّوقُ إلاَّ أنْ يحنَّ غريبُوأنْ يستطيلَ العهدُ وهوَ قريبُ
لياليَ يدعوني الصِّبى فأُجيبهُوللشَّوقِ داعٍ مُسمعٌ ومُجيبُ
وقائلةٍ ما بالُ لونكَ شاحباًوأهونُ ما بي أنْ يكونَ شحوبُ
فقلتُ لها في الصَّدْرِ منِّي بلابلُتقطَّعُ أنفاسي لها وتذوبُ
وقال بعض الأعراب:
ولو أنَّ ما ألقى وما بي منَ الهوَىبأرعنَ رُكناهُ صفاً وحديدُ
تفطَّرَ من وجدٍ وذابَ حديدهُوأمسى تراهُ العينُ وهوَ عميدُ
ثلاثونَ يوماً كلَّ يومٍ وليلةٍأموتُ وأحيا إنَّ ذا لشديدُ
وقال آخر:
أصابني بعدكِ ضُرُّ الهوَىومسَّني كربٌ وإقلاقُ
ويعلمُ اللهُ بحسْبي بهِأنِّي إلى وجهكِ مُشتاقُ
وقال آخر:
أحنُّ إلى ليلَى وقد شطَّتِ النَّوىبليلى كما حنَّ اليراعُ المُثقَّبُ
يقولونَ ليلَى عذَّبتْكَ بحبِّهاألا حبَّذا ذاكَ الحبيبُ المعذِّبُ
وقال آخر:
أحنُّ إلى أرضِ الحجازِ وحاجتيخيامٌ بنجدٍ دونها الطَّرفُ يقصرُ
وما نظري من نحوِ نجدٍ بنافعيأجلْ لا ولكنِّي علَى ذاكَ أنظرُ
أفي كلِّ يومٍ نظرةٌ ثمَّ عَبرةٌبعينيكَ يجري ماءها يتحدَّرُ
متى يستريحُ القلبُ إمَّا مُجاورٌحزينٌ وإمَّا نازحٌ يتذكَّرُ
ولبعض أهل هذا العصر:
كفى حَزناً ألا أُعاينَ بُقعةًمن الأرضِ إلاَّ زدْتُ شوقاً إليكمُ
وإنِّي متى ما طابَ لي خفضُ عيشةٍتذكَّرتُ أيَّاماً مضتْ لي لديكمُ
فنغَّصَ تَذكاري لها طيبَ عيشَتيفقلتُ سيفْنَى ذا فيأسى عليكمُ
وقال آخر:
لئنْ درسَتْ أسبابُ ما كانَ بيننامنَ الوصلِ ما شوقي إليكِ بدارسِ
ولا أنا منْ أنْ يجمعَ اللهُ بينناعلَى جُمْلِ ما كنَّا عليهِ بيائسِ
وقال آخر:
خليليَّ لا تستسلما وادعوا الَّذيلهُ كلُّ أمرٍ أنْ يصوبَ ربيعُ
حياً لبلادٍ طيَّرَ المحْلُ أهلهاوجبراً لعظْمٍ في شظَناهُ صدوعُ
عسى أنْ يحلَّ الحيُّ جرعاءَ وابلٍوعلَّ النَّوى بالظَّاعنينَ تريعُ
أفي كلِّ عامٍ زفرةٌ مُستجدَّةٌتضمَّنُها منِّي حشًى وضلوعُ
وقال أبو تمام:
إذا بنْتَ لم أحزَنْ لفقدِ مُفارقٍسواكَ ولمْ أفرحْ بقربِ مُقيمِ
فيا ليتني أفديكَ من غُربةِ النَّوىبكلِّ خليلٍ واصلٍ وحميمِ
وقال آخر:
إذا كنتَ لا يُسليكَ عمَّنْ تحبُّهُفراقٌ ولا يشفيكَ طولُ تلاقِ
فهلْ أنتَ إلاَّ مُستعيرٌ حُشاشةًبمهجةِ نفسٍ آذنتْ بفراقِ
وقال يزيد بن الطثرية:
ولمَّا رأيتُ البِشرَ قد حالَ دونهمْووافَتْ بناتُ الصَّدرِ يهوينَ نُزَّعا
تلفَّتُّ نحوَ الحيِّ حتَّى رأيتُنيوجعْتُ منَ الإصغاءِ ليتاً وأخدعا
وقال ابن الدمينة:
حننْتُ لذكرى منْ أميمةَ وارْعوىلها من قديماتِ الهوَى كلُّ سالفِ
حنيناً ولوعاتٍ يفضنَ لها سوىبوادرِ غرباتِ الدُّموعِ الذَّوارفِ
وقال بعض الأعراب:
فلا تُشرفنْ رأسَ اليفاعِ فإنَّنيلدى الشَّوقِ من رأسِ اليفاعِ قديرُ
إذا شرفَ المحزونُ بشراً رأيتهُيُسكِّنُ أحشاءً تكادُ تطيرُ
وقال الحسين بن مطير:
إذا ارتحلتْ منْ ساحلِ البحرِ رِفقةٌمشرِّقةٌ هاجَ الفؤادَ ارتحالُها
فإنْ لا يُصاحبْها يُتبِّعْ بأعينٍسريعٍ برقراقِ الدُّموعِ اكتحالُها
وقال أيضاً:
أحنُّ ويثنيني الهوَى نحوَ يثربٍويزدادُ شوقي كلَّ ممسًى وشارقِ
كذاكَ الهوَى يُزري بمنْ كان عاشقاًونوْلُ الهوَى يحنو علَى كلِّ عاشقِ
وقال آخر:
فما سرْتُ من ميلٍ ولا بتُّ ليلةًمنَ الدَّهرِ إلاَّ اعتادني لكِ طائفُ
وكمْ من بديل قدْ وجدنا وطوْفةٍفتأبى عليَّ النَّفسَ تلكَ الطَّوائفُ
وقال زيادة بن زيد:
تذكَّرَ عنْ شحطٍ أُميمةَ فارْعوىلها بعدَ إقصارٍ وطولِ نُكوبِ
وإنَّ امرءاً قدْ جرَّبَ الدَّهرَ لم يخفْتقلُّبَ عصريهِ لغيرُ لبيبِ
هلِ الدَّهرُ والأيَّامُ إلاَّ كما أرىرزيَّةُ مالٍ أوْ فراقُ حبيبِ
ولبعض أهل هذا العصر:
إلى اللهِ أشكو عبرةً قد أظلَّتِونفساً إذا ما عزَّها الشَّوقُ ذلَّتِ
تحنُّ إلى أرضِ الحجازِ ودونهاتنائفُ لو تسري بها الرِّيحُ ضلَّتِ
وإنِّي بها لو لا أماني تغرُّهاوقد أرجفتْ هوجُ المطايا وكلَّتِ
أأمنعُ منْ وادي زُبالةَ شربةًوقدْ نهِلتْ منهُ الكلابُ وعلَّتِ
سقى اللهُ رملَ القاعِ والقاعَ فاللِّوىفقدْ عطفَتْ نفسي إليهِ وحنَّتِ
وأسقى لِوى جبليْ زرودَ ومُرْبخاًسحائبُ لا يلقى الظَّما ما أظلَّتِ
هممْتُ فلمْ أربعْ علَى الفكْرِ لحظةًوقد كانَ حظُّ النَّفسِ أنْ لو تأنَّتِ
وأصبحتُ لهْفاناً علَى ما أضعتهُكذاكَ يكونُ الرَّأيُ ما لم يُثبَّتِ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع