من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثامن والعشرون: من لم يلحق بالحمول بكى علَى الطُّلول
إذا كان صحوُ المفارق لأحبابه من التحنُّن الَّذي ذكرناه بقلبه داعياً له قبل هواه ندم على مقامه بعد مضيّ أحبابه أوْ على اجترائه على السَّفر وأحبَّته مقيمون في الحضر فاستقبح صنيعه وتلافى تصنيعه فإن كان المحبُّ هو المسافر عن حبيبه.
كان كالذي يقول:
بينما هنَّ منْ بلاكثَ فالقاعِ سِراعاً والعيسُ تهوي هويَّا
خطرَتْ خطرةٌ علَى القلبِ وهناًمن هواها فما استطعتُ مُضيَّاً
قلتُ لبَّيكِ إذْ دعاني لكِ الشَّوْقُ وللحاديينِ كُدَّا المطيَّا
وكما قال عبيد الراعي:
دعاني الهوَى من أمِّ وبرٍ ودونهاثلاثةُ أخماسٍ فديتُكَ داعيا
فعُجنا لذكراها وتشبيهِ صوتِهاقلاصاً بمجهولِ الفلاةِ صواديا
بغبراءَ مِحرافٍ يبيتُ دليلُهامُشيحاً عليها للفراقدِ راعيا
وإن كانَ المحبوب المسافر والمحبُّ هو المتخلِّف عن إلفه تعسَّف ركوب المهالك في اللَّحاق.
كما قال العرجي:
كم قدْ عصيتُ إليكِ من مُتنصَّحٍداني القرابةِ أوْ وعيدِ أعادي
وتنوفةٍ غبراءَ أرمي عرضهاشوقاً إليكِ بلا هدايةِ هادي
وقال:
قُلْ لهادي المطيِّ يرفقْ قليلايجعلِ العيسَ سيرهُنَّ ذميلا
لا تقِفْها علَى السَّبيلِ ودعْهايهْدِها شوقُ من عليها السَّبيلا
وقال:
أمَّا الدِّيارُ فقلَّما لبثوا بهابعدَ اشتياقِ العيسِ والرُّكبانِ
وضعوا سياطَ الشَّوقِ في أعناقهاحتَّى وردْنَ بهمْ علَى الأوْطانِ
وقال:
ويومٍ كتنُّورِ الطَّواهي سحرْنهُوألقينَ فيه الجزلَ حتَّى تضرَّما
قذفْتُ بنفسي في أجيجِ سمومهِوبالعيسِ حتَّى بُلَّ مشفرُها دما
أُؤمِّلُ أنْ ألقى منَ النَّاسِ عالماًبأخباركُمْ أوْ أنْ أُلمَّ مُسلِّما
وأنشدني بعض أعراب البادية:
بانتْ أنيسُ فما بالقلبِ معقولُولا علَى الجيرةِ الغادينَ تعويلُ
حتَّى شددْتُ برحلي قبلَ برذعتيوالقلبُ مُختبلٌ واللُّبُّ متبولُ
ثمَّ اعتورْتُ علَى نِضوي ليُلْحقنيأخرى الحمولِ الغوادي وهوَ معقولُ
وقال الراعي:
بانَ الأحبَّةُ بالعهدِ الَّذي عهدوافلا تمالكَ عن أرضٍ لها عمدوا
حتَّى إذا حالتِ الأرجاءُ دونهمُأرجاءُ ترمُدَ كلَّ الطَّرفُ أوْ بعدوا
لولا المخاوفُ والأوصابُ قدْ قطعتْعرضَ الفلاةِ بنا المهريَّةُ الأُجُدُ
ولئن كان أفرط في الإحسان في البيت الأول لقد أفرط في الإساءة في البيت الآخر ولولا أنَّ قوله فلا تمالك عن أرض لها عمدوا من أحسن الكلام لفظاً وأصحِّه معنًى وأليقه بما قصدناه لأضربنا عن ذكره لقباحة ما عقب به وما المخاوف والأوصاب حتَّى يعتذر بها في التخلُّف عن الأحباب لقد بلغني أنَّ بشر بن مروان كان في معسكرٍ له بظهر البصرة فنادى بكثرة انصراف الجند من العسكر إلى المدينة فنادى مناديه من وجد بالبصرة من الجند سمِّرت كفُّه بمسمارٍ وكان في العسكر فتًى يألف خلَّةً له بالبصرة فكتب إليها.
لولا مخافة بشرٍ أوْ عقوبته وأن يسمِّر في كفِّي بمسمار إذن لعطلت ثغري ثمَّ زرتكم إنَّ المحبَّ إذا ما اشتاق زوَّار.
فكتبت إليه:
ليسَ المحبُّ الَّذي يخشى العقابَ ولوْكانت عقوبتهُ في كيَّةِ النَّارِ
إنَّ المحبَّ الَّذي لا عيشَ ينفعهُأوْ يستقرَّ ومنْ يهواهُ في الدَّارِ
فلمَّا قرأ الأبيات دخل البصرة فأخذه صاحب الحرس فجاء به إلى بشر بن مروان فقال له بشرٌ ألم تسمع النِّداء قال بلى قال فما حملك على مخالفته قال هذه الأبيات ودفعها إلى بشر فلمَّا قرأها أمر مناديه فنادى من أحبَّ المقام في العسكر فليقم ومن أحبَّ دخول البصرة فليدخل.
وقال آخر:
فلوْ حشدوا بالإنسِ والجنِّ دونهالأنْ يمنعوني أنْ أجيءَ لجيتُ
ولوْ خُلطَ السُّمُّ الذُّعافُ بريقهِلسُقِّيتُ منهُ نهلةً فرويتُ
ولبعض أهل هذا العصر:
سقى اللهُ رملَ القاعِ وبلاً وديمةًلتحْيَ بهِ تلكَ الرُّسومُ الدَّوارسُ
أشوْقاً إلى نجدٍ ودونَ لقائهاأهاويلُ يُخشى قطعها وبسابسُ
علَى أنَّ عبدَ الشَّوقِ ليستْ تهولهُحُزونُ الفيافي واللَّيالي الدَّوامسُ
بما حبلَتْ فلتأتني منْ بلائِهافليسَ لما يقضي بهِ الله حابسُ
وله أيضاً:
دعانيَ الشَّوقُ والرُّكبانُ قدْ هجدواوالشَّمسُ في آخرِ الجوزاءِ تتَّقدُ
والقيظُ مُحتدمٌ والرُّوحُ منصرمٌوالرَّأيُ مختلفٌ والحتفُ مُطَّردُ
والبيدُ مُغبرَّةُ الأرجاءِ مُقفرةٌكأنَّ أعلامها في الآلِ ترتعدُ
فظلْتُ طوعاً لداعي الشَّوقِ أُوقظهمْوعلَّ أكثرهمْ ساهونَ ما رقدوا
حتَّى إذا قلتُ شدُّوا قالَ بعضهمُقد جُنَّ هذا فخلُّوا عنهُ وابتعدوا
يذرونَ ما وجدوا من حرِّ يومهمِوقتَ النُّزولِ ولا يدرونَ ما أجدُ
حرُّ الفِراقُ إذا ما الهجرُ ساعدَهُحرٌّ تُخصُّ بهِ الأحشاءُ والكبدُ
وقال أبو دهبل:
أأتركُ ليلَى ليسَ بيني وبينهاسوى ليلةٍ إنِّي إذاً لَصبورُ
هَبوني امرءاً منكمْ أضلَّ بعيرَهُلهُ ذمَّةٌ إنَّ الذِّمامَ كبيرُ
وللصَّاحبُ المتروكُ أعظمُ ذِمَّةًعلَى صاحبٍ من أن يضلَّ بعيرُ
عفا الله عن ليلَى الغداةَ فإنَّهاإذا وليَتْ حكماً عليَّ تجورُ
وأنشدني أعرابي ببلاد نجد:
فلوْ أنَّ شرقَ الشَّمسِ بيني وبينهاوأهلي وراءَ الغربِ حيثُ تغيبُ
لَداورْتُ قطعَ الأرضِ بيني وبينهاوقال الهوَى لي إنَّهُ لقريبُ
ولبعض أهل هذا العصر:
يا منْ تجاوزَ حدَّ السَّمعِ والبصرِومنْ يفوقُ ضياءَ الشَّمسِ والقمرِ
لو كنتَ تعلمُ ما ألقى من السَّهرِوما أُقاسي منَ الأشجانِ والفكرِ
وما تضمَّنَ قلبي من هواكَ إذاًلما رثيْتَ لجسمي منْ أذى المطرِ
أنَّى يضرُّ ندى الأمطارِ ذا كبدٍحرَّى وقلبٍ بنارِ الشَّوقِ مُستعرِ
لو كانَ دونكَ بحرُ الصِّينِ مُعترضاًلخلْتُ ذاكَ سراباً دارسَ الأثرِ
ولو أذنتَ وفيما بيننا سقرٌلهوَّنَ الشَّوقُ خوضَ النَّارِ في سقرِ
لا تكذبنَّ فما حالٌ تضمَّنهاقلبُ المشوقِ توازي حالَ مُنتظرِ
وقال بعض الأسديين:
فإنْ تدعي نجداً ندعْهُ ومنْ بهِوإنْ تسكُني نجداً فيا حبَّذا نجدُ
وإنْ كانَ يومُ الوعدِ يومَ لقائنافلا تعذلاني أن أقولَ متى الوعدُ
وقال نوال:
وإن ترتبعْ ريَّا بغورِ تهامةٍنُقِمْ عندها أوْ تترُكِ البرَّ نُنجدِ
وإنْ حاربَتْ ريَّا نُحاربْ وإنْ تدِنْندنْ دينها لا عيْبَ للمتودِّدِ
وقال امرؤ القيس بن حجر:
وأصبحتُ ودَّعْتُ الصِّبى غيرَ أنَّنيأُراقبُ خلاتٍ من العيشِ أربعا
فمنهنَّ نصُّ العيسِ واللَّيلُ دامسٌيُيمِّمنَ مجهولاً من الأرضِ بَلْقعا
خوارجَ من برِّيَّةٍ نحوَ قريةٍيُجدِّدْنَ وصلاً أوْ يُقرِّبنَ مطْمَعا
وقال ذو الرمة:
تذكَّرتُ ميّاً بعدَ ما حالَ دونهاسهوبٌ ترامى بالمراسيلِ بيدُها
إذا لامعاتُ البيدِ أعرضنَ دونهاتقاربَ لي من حبِّ ميٍّ بعيدُها
وقال ضابي بن الحارث بن أرطاة البرجمي:
وكمْ دونَ سُلمى من فلاةٍ كأنَّماتجلَّلَ أعلاها مُلاءً مُفصَّلا
مُحقَّفةٍ لا يهتدي لسبيلهامنَ القومِ إلاَّ منْ مضى وتوكَّلا
يُهالُ بها ركبُ الفلاةِ منَ الرَّدىومن خوفِ حاديهمْ وما قدْ تحمَّلا
قطعتُ إلى معروفها مُنكراتهاإذا الآلُ بالبيدِ البسابسِ هرْولا
وقال جميل بن معمر:
ألا أيُّها العشَّاقُ ويحَكمُ هُبُّواأُسائلكمُ هلْ يقتلُ الرَّجلَ الحبُّ
ألا ربَّ ركبٍ قد رفعتُ وجيفهُمْإليكِ ولولا أنتِ لم يوجفِ الرَّكبُ
لها النَّظرةُ الأولى عليهمْ وبسطةٌوإنْ كرَّتِ الأبصارُ كانَ لها العقْبُ
وقال جرير:
لشتَّانَ يومٌ بينَ سَجفٍ وكلَّةٍومرُّ المطايا تغتدي وتروَّحُ
نقيسُ بقيَّاتِ النِّطَّافِ علَى الحصىوهنَّ علَى طيِّ الحيازيمِ جُنَّحُ
ويومٍ من الجوزاءِ مُستوْقدِ الحصىتكادُ صياصي العينِ فيهِ تصيَّحُ
شديدِ اللَّظى حامي الوديقةِ ريحهُأشدُّ لظًى من شمسهِ حينَ يصْمحُ
نصبْتُ له وجهي وحرفاً كأنَّهامنَ الجهدِ والإسآدِ قرمٌ مُلوَّحُ
وقال علي بن محمد العلوي:
هذا وحرفٍ إذا ماتتْ مفاصلهُعن راكبٍ وصلَتْ أكفالَهُ بيدُ
يهماءُ لا يتخطَّاها الدَّليلُ سُرًىإلاَّ وناظرهُ بالنَّجمِ معقودُ
جاوزتُها والرَّدى رحبٌ معالمهُفيها ومسلكُها بالخوفِ مسدودُ
ولبعض أهل هذا العصر:
كمْ دونَ أرضكَ من وادٍ ومن علَمٍكأنَّ أعلاهُ بالأفلاكِ مُنتسجُ
ومنْ مروجٍ كظهرِ التُّرسِ مُظلمةٍكأنَّ حصبائَها تحتَ الدُّجى سُبُجُ
حتَّى إذا الشَّمسُ لاحتْ في سَباسبهاحسبْتَ أعلامها في الآلِ تختلجُ
وكمْ فلاةٍ يفوتُ الطَّرفَ آخرهاللجنِّ باللَّيلِ في أقطارها وهجُ
يهماءُ غبراءُ لا يدري الدَّليلُ بهافي أيِّ أرجائها يُرجى لهُ الفرجُ
قطعتُها بابنِ حرفٍ ضامرٍ قطمٍصلبِ المناسمِ في إرْقالهِ هوَجُ
شوقاً إليكَ ولولا ما أُكابدهُلكانَ لي في بلادِ اللهِ مُنفرَجُ
فإن تجدْ لي فَمحقوقٌ بذاكَ وإنْتبخلْ عليَّ فلا لومٌ ولا حرجُ
قوله فمحقوقٌ بذاك يعني أنت محقوقٌ بالفضل ليس تجشُّمي ما وصفته لك أوجب ذلك لي عليك بذلك على أنَّه أراد بذلك قوله وإن تبخل عليَّ فلا لومٌ ولا حرج لأنه لو كان حقّاً له كان ظالمه حرجاً فعلى هذا التَّفسير يصير معنى الكلام صحيحاً ولو قصد ذلك المعنى الآخر كان خطأً قبيحاً.
وقال آخر:
أقولُ لصاحبيَّ بأرضِ نجدٍوجدَّ مسيرُنا ودَنا الطُّروقُ
أرى قلبي سينقطعُ اشتياقاًوأحزاناً وما انقطعَ الطَّريقُ
وقال آخر:
لمَّا وردْتُ التَّغلبِيَّةَ عندَ مُنصرفِ الرِّفاقِ
وشممْتُ من أرضِ الحجازِ نسيمَ أرواحِ العراقِ
أيقنتُ لي ولمنْ أُحبُّ بجمعِ شملٍ واتِّفاقِ
وقال القعقاع الذهلي:
خليليَّ ما منْ ليلةٍ تسريانهامنَ الدَّهرِ إلاَّ نفَّستْ عنكُما كربا
أليسَ يزيدُ السَّيرُ عن كلِّ ليلةٍويزدادُ يومٌ من أحبَّتنا قُرْبا
إذا الجبلُ النَّائي حواكِ مقيلهُجعلنا علينا أنْ نُجاورَهُ نحبا
فما ذكرَتْ عندي لها من سميَّةٍفتملكَ عيني من مدامعها غربا
من شأن من قصد لقاء أحبابه أن تتطاول عليه الطَّريق عند اقترابه ويلحقه حينئذٍ من الضَّجر مع قربه منه أضعاف ما ناله إذْ كان متباعداً عنه.
وفي ذلك يقول الموصلي:
طربْتَ إلى الأُصَيْبِيةِ الصِّغارِوهاجكَ منهمُ قربُ المزارِ
وأبرحُ ما يكونُ الشَّوقُ يوماًإذا دنتِ الدِّيارُ من الدِّيارِ
فهذا لعمري قولٌ حقٌّ غير أنَّه لم يُخبر بعلَّته.
ولقد أحسن الَّذي يقول في نحوه:
هلِ الحبُّ إلاَّ زفرةٌ بعدَ عبرةٍوحرٌّ علَى الأحشاءِ ليسَ لهُ برْدُ
وفيضُ دموعِ العينِ يا ميُّ كلَّمابدا علمٌ منْ أرضكُمْ لم يكنْ يبدو
وقد ذكر عمر بن أبي ربيعة هذا المعنى فجوّده أنشدني له أبو العباس أحمد بن يحيى:
خليليَّ ما بالُ المطايا كأنَّمانراها علَى الأدبارِ بالقومِ تنكِصُ
وقدْ أتعبَ الحادي سُراهنَّ وانثنىبهنَّ فما بالرَّاجعاتِ مُقلِّصُ
وقدْ قُطعتْ أعناقهُنَّ صبابةًفأنفسُها ممَّا يُلاقينَ شُخَّصُ
يزدْنَ بنا قُرباً فيزدادُ شوقُناإذا ازدادَ طولُ العهدِ والبعدُ ينقصُ
أفلا ترى إلى إيضاحه أنَّ العلّة في تزايد شوقه إنَّما هي تطاول مدَّةٍ وأنَّه كلَّما قطع جزءٌ من الطريق فقرب المقصود زاد في مدَّة المفارقة وقتٌ فزاد الاشتياق على حسب تزايد مدَّة الفراق على أنَّ عمر قد أوضح أشياء وأغفل شيئاً من أنَّ تطاول المدَّة يزيد في الشَّوق مع تقارب الشُّقَّة ولم يذكر أنَّ قوَّة الرَّجاء لسرعة اللِّقاء من أقوى الأسباب في تقوية الشَّوق عند الاقتراب.
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع