من «كتاب الزهرة» لابن داود الأصفهاني (ت ٢٩٧هـ)
الباب الثاني والثلاثون: في تلهُّب النِّيرانِ أُنسٌ للمدنف الحيران
أنشدني أبو طاهر الدمشقي قال أنشدني محمد بن الوليد الحيدري من أهل فلسطين:
رأيتُ بجرمِ عذرةَ ضوءَ نارٍتلألأَ وهيَ نازحةُ المكانِ
فشبَّهَ صاحبايَ بها سُهيلاًفقلتُ تبيَّنَا ما تُبصرانِ
أنارٌ أُوقدتْ فتنوَّراهابدتْ لكُما أمِ البرقُ اليمانِي
وكيفَ ودونَها الفلَجاتُ تبدُووكيفَ وأنتُما لا ترفعانِ
كأنَّ الرِّيحَ تصدعُ مِنْ سناهابنائقَ جنَّةٍ مِنْ أرجوانِ
وقال جامع الكلابي:
وإنِّي لنارٍ أُوقدتْ بينَ ذي الغضاعلَى ما بعينِي مِنْ قذًى لبصيرُ
أضاءتْ لنا وحشيَّةً غيرَ أنَّهامعَ الإنسِ ترعَى ما رعَوْا وتسيرُ
وقال جميل بن معمر:
أكذَّبتُ طرفي أمْ رأيتُ بذي الغضالبُثنةَ ناراً فارْفَعوا أيُّها الرَّكبُ
إلى ضوءِ نارٍ ما تبوخُ كأنَّهامنَ البعدِ والإقواءِ جيبٌ لها نقبُ
وقال كثيّر:
رأيتُ وأصحابِي بأيْلةَ موهناوقدْ عادُ نجمُ الفرقدِ المتصوّبُ
لعزَّةَ ناراً ما تبوخُ كأنَّهاإذا ما رمقْناها منَ البعدِ كوكبُ
وقال آخر:
يا موقداً نارِي يُذكيها ويُخمدُهاقرَّ الشَّتاءِ بأرواحٍ وأمطارِ
قمْ فاصطلِ النَّارِ من قلبي مضرَّمةًبالشَّوقِ تغنَ يا موقدَ النَّارِ
ويا أخا الذَّودِ قدْ طالَ الظَّماءُ بهالمْ تدرِ ما الرّيُّ مِنْ جدبٍ وإقفارِ
ردْ بالعطاشِ علَى عيني ومحجرِهاتُروي العطاشَ بدمعٍ واكفٍ جارِي
وقال آخر:
يا موقدَ النَّارِ بالزّنادِوطالبَ الجمرِ في الرَّمادِ
دعْ عنكَ شكّاً وخذْ يقيناًواقتبسِ النَّارَ مِنْ فؤادي
وقال الشماخ:
وكنتُ إذا ما جئتُ ليلَى تبرقعتْلقدْ رابَني منها الغداةَ سفورُها
وأُشرفُ بالغورِ اليفاعَ لعلَّنيأرَى نارَ ليلَى أوْ يراني بصيرُها
حمامةَ بطنِ الوادِيينِ ترنَّميسقاكِ منَ الغرِّ العذابِ مطيرُها
أبِيني لنا لا زالَ ريشُكِ ناعماًولا زلتِ في خضراءَ دانٍ بريرُها
وقال الأحوص بن محمد:
ضوءُ نارٍ بدَا لعينيكَ أمْ شُبَّتْ بذي الأثلِ مِنْ سلامةَ نارُ
تلكَ دارُ الغضا وحسّاً وقد يألفُها المجتدونَ والزُّوَّارُ
أصبحتْ دمنةً تلوحُ بمتنٍتعتفيها الرِّياحُ والأمطارُ
وكذاكَ الزَّمانُ يذهبُ بالنَّاسِ وتبقَى الدِّيارُ والآثارُ
وقال آخر:
يا موقدَ النَّارِ بالصَّحراءِ مِنْ عمَقٍقمْ فاصطلي مِنْ فؤادٍ هائمٍ قلقِ
النَّارُ تُطفى وبردُ القرِّ يخمدُهاونارُ قلبيَ لا تطفَى منَ الحرقِ
وقال بعض الأعراب:
أنارٌ بدتْ يا عبدُ مِنْ ساكنِ الغضامعَ اللَّيلِ أمْ برقٌ تلألأ ناصبُ
فأحببْ بتلكَ النَّارِ والموقدِ الَّذيلهُ عندَ جرعاءِ النُّميرةِ حاطبُ
لمنْ ضوءُ نارٍ بالبطاحِ كأنَّهامنَ الوحشِ بيضاءُ اللَّبانِ سلوبُ
إذا صدَّعتها الرِّيحُ بانَ بضوئِهامنَ الأثْلِ فرعٌ يابسٌ ورطيبُ
يراها فيرْجوها وليسَ بآيسٍوفيها عنِ القصدِ المبينِ نكوبُ
فأمَّا علَى طلاَّبِ بانٍ فساعةٌوأمَّا علَى ذي حاجةٍ فقريبُ
وقال آخر:
ونارٍ كسحرِ العَودِ ترفعُ ضوءهامعَ اللَّيلِ هبَّاتُ الرِّياحِ الصَّواردُ
أحيدُ بأيدي العيسِ عنْ قصدِ دارِهاوقلبي إليها بالمودَّةِ قاصدُ
وقال آخر:
وطيبةُ قالتْ أوقدِ النَّارَ علَّهُيراها مضلٌّ قدْ سرَى فيؤوبُ
لها موقدٌ مِنْ أهلِها وكأنَّهُإذا أُوقدتْ ليلاً أغنُّ غضوبُ
وقال ربيعة بن ثابت:
لمنْ ضوءُ نارٍ قابلت أعينَ الرَّكبِتشبُّ بلدْنِ العُودِ والمندلِ الرَّطبِ
فقلتُ لقدْ آنستُ ناراً كأنَّهاصفا كوكبٍ لاحتْ فحنَّ لها قلبِي
وقال ابن الدمينة:
بدتْ نارُ أمِّ العمرو بين حوائلٍوبينَ اللّوَى كالبرقِ داني المعانِ
فيا حبَّذا مِنْ ضوءِ برقٍ بدا لناويا حبَّذا مِنْ موقدٍ ودخانِ
بدتْ نارُها يا ملحَ مَنْ هيَ نارُهُويا حبَّذا مِنْ مصطلًى ومكانِ
وقال آخر:
ألا ليتَ أنَّ الطَّلَّ يُطفئُ نارَنافيقبِسَني مِنْ نارِ وجناءَ قابسُ
وماذا عليهمْ لو تصلَّى بضوءهاعلَى النَّأيِ مشبوحُ الذَّراعبْنِ بائسُ
وقال ابن مقيل:
إذا النَّاسُ قالُوا كيفَ أنتَ وقدْ بداضميرُ الَّذي بِي قلتُ للنَّاسِ صالحُ
إذا قيلَ مِنْ دهماءَ حيِّرتَ أنَّهامنَ الجنِّ لم يوقدْ لنا النَّارَ قادحُ
وكيفَ ولا نارٌ لدهماءَ أُوقدتْقريباً ولا كلبٌ منَ اللَّيلِ نابحُ
وإنِّيَ ألْحاني علَى أنْ أُحبّهارجالٌ تقوِّيهمْ قلوبٌ صحائحُ
ولو أنَّ ما ألقَى منَ الشَّوقِ والهوَىلأُهلكَ مالٌ لمْ تسعهُ المسارحُ
وقال امرؤ القيس:
تنوَّرتُها مِنْ أذرِعاتٍ وأهلُهابيثربَ أدنَى دارِها نظرٌ عالِ
نظرتُ إليها والنَّجومُ كأنَّهامصابيحُ رهبانٍ تشبُّ لقفَّالِ
فقالت سباكَ اللهُ إنَّكَ فاضحيألستَ ترَى السُّمارَ والنَّاسَ أحوالِي
فقلتُ يمينَ اللهِ أبرحُ قاعداًولو قطعُوا رأسي لديكِ وأوصالِي
فلمَّا تنازعْنا الحديثَ وأسمحتْهصرتُ بغصنٍ ذي شماريخَ ميَّالِ
فصرنا إلى الحُسنى ورقَّ كلامُناورضتُ فذلَّتْ صعبةً أيَّ إذلالِ
حلفتُ لها باللهِ حلفةَ فاجرٍلنامُوا فما إنْ مِنْ حديثٍ ولا صالِ
سموتُ إليها بعدَما نامَ أهلُهاسموَّ حبابِ الماءِ حالاً علَى حالِ
فأصبحتُ معشوقاً وأصبحَ بعلُهاعليهِ القَتامَ سيِّئَ الظَّنِّ والبالِ
أمَّا البيت الأول فهو نهاية لا يتهيَّأ مجاوزتها بل لا تتمكن مقاربتها لأنه ذكر أنَّه تخيَّل نارها من المدينة وهو بالشام فساقه الشَّوق إليها من أجل ذلك وقد بلغني أنَّ أعرابياً ذكر صاحبةً له فقال إنِّي لأذكرها وبيني وبينها عقبة طائرٍ وأجد من ذكرها ريح المسك ويقال أنَّ عقبة الطَّائر مئة فرسخ فهذا لعمري مقاربٌ لبيت امرئ القيس ولذلك عليه فضل السَّابق على المسبوق وفضل النَّظم على المنثور وفضل الطَّاعة لاشتياقه وانقياده معه إلى إلفه الَّذي شاقه غير أنَّه عقَّب ذلك بما عفَّ على حسنه ومحا موضع الفخر له به.
وقال الأحوص:
صاحِ هلْ أبصرتَ بالخبْتينِ مِنْ أسماءَ نارا
موهناً شُبَّتْ لعينيكَ فلمْ توقدْ نهارَا
كَتَلالي البرقِ في العارضِ ذي المزنِ اسْتَطارا
أذكرَتْني الوصلَ مِنْ سُلْمَى وأيَّاماً قِصارا
لمْ تُثِبْ بالوصلِ سُلمَىجارَها إذْ كانَ جارَا
عاشقاً أفنَى طوالَ الدَّهرِ خوفاً واستِتارا
وقال أيضاً:
رأيتُ لها ناراً تُشبُّ ودونَهابواطنُ من ذِي رجرجٍ وظواهرُ
فخفَّضتُ قلبِي بعدَما قلتُ إنَّهإلى نارِها مِنْ عاصفُ الشَّوقِ طائرُ
فقلتُ لعمرٍو تلكَ يا عمرُو دارهاتُشبُّ بها نارٌ فهلْ أنتَ ناظرُ
تقادمَ منِّي العهدُ حتَّى كأنَّنيتذكَّرتُها مِنْ طولِ ما مرَّ هاجرُ
وفي مثلِ ما جرَّبتُ منذُ صحبتَنيعذرتَ أيا يحيَى لَوَ انَّكَ عاذرُ
كريمٌ يُميتُ السِّرَّ حتَّى كأنَّهُعَمٍ بنواحِي أمرِها وهوَ خابرُ
إذا قلتُ أنْساها وأخلقَ ذكرُهاتنثَّتْ بذكْراها همومٌ نوافرُ
وقال أيضاً:
أمنْ خُليدةَ وهناً شُبَّتِ النَّارُودونَها مِنْ ظلامُ اللَّيلِ أستارُ
باتتْ تُشبُّ وبتْنا اللَّيلَ نرقبُهاتُعنَى قلوبٌ بها مرضَى وأبصارُ
يا حبَّذا تلكَ مِنْ نارٍ وموقدُهاوأهلُنا باللِّوى إذْ نحنُ أجوارُ
خُليدُ لا تبعدِي ما عنكِ إقصارُوإنْ بخلتِ وإنْ شطَّتْ بكِ الدَّارُ
فما أُبالي إذا أمسيتِ جارَتَنامقيمةً هلْ أقامَ النَّاسُ أمْ سارُوا
لو دبَّ حوليُّ ذَرٍّ تحتَ مدرعِهاأضحَى بها منْ دبيبِ الذَّرِّ آثارُ
وقال أيضاً:
يا موقدَ النَّارِ بالعلياءِ مِنْ إضَمِأوقدْ فقدْ هجتَ شوقاً غيرَ منصرمِ
يا موقدَ النَّارِ أوقدْها فإنَّ لهاسَناً يهيجُ فؤادَ العاشقِ السَّدمِ
نارٌ أضاءَ سناها إذْ تشبُّ لناسعديَّةً دلُّها يشفي منَ السَّقمِ
ولائمٍ لامَني فيها فقلتُ لهُقد شفَّ جسمي الَّذي ألقَى بها ودَمي
فما طربتَ لشجوٍ كنتَ تأملهُولا تأمَّلتَ تلكَ الدَّارِ مِنْ أممِ
وقال آخر:
كأنَّ فؤادي في يدٍ علقتْ بهِمحاذرةً أن يقضبَ الحبلَ قاضبهْ
وأُشفقُ مِنْ وشكِ الفراقِ وإنَّنيأظنُّ لمحمولٌ عليهِ فراكبهْ
نظرتُ ودونِي السُّحقُ مِنْ نخلِ بارقٍبنظرةِ سامِي الطَّرفِ حجنٍ مخالبهْ
لأُبصرَ ناراً بالجواءِ ودونَهامسيرةُ شهرٍ لا يعرِّسُ راكبهْ
فواللهِ ما أدرِي أغالَبَني الهوَىإلى أهلِ تلكَ الأرضِ أمْ أنا غالبهْ
فإنْ أستطعْ أغلِبْ وإنْ يغلبِ الهوَىفمثلُ الَّذي لاقيتُ يُغلبُ صاحبهْ
وقال آخر:
أحقّاً عبادَ اللهِ أنْ لستُ رائياًأُميمةَ إنْ حاضرتُ أوْ كنتُ بادِيا
ولا مبصراً بالأجرعِ الفردِ نارَهاولا ثانياً يُمنى يديْهَا وِسادِيا
ولا قائلاً تَقضي الدُّيونَ فإنَّهاديونُ غريمٍ ما أساءَ التَّقاضيا
ولبعض أهل هذا العصر:
أرقتُ لنارٍ بالطُّليحةِ أُوقدتْتراءَتْ للحظِ العينِ ثمَّ تستَّرتْ
علتْ وخبتْ ثمَّ انجلتْ وتطاولتْعلَى هضباتِ الرَّملِ ثمَّ تخفَّضتْ
فلمْ يخبُ شوقِي إذْ خبتْ بلْ تلهَّبتْصبابةُ قلبي بالهوى لمَّا تلهَّبتْ
وما ردَّ عنها الطَّرفَ بعدُ مكانِهاولكنْ دموعُ العينِ لمَّا تهلَّلتْ
ذكرتُ بها الدَّهرَ الَّذي ليسَ عائداًوما نُسيَتْ أيَّامهُ بلْ تُنُسِّيَتْ
فما أنصفتْ أذكتْ هوًى حينَ أُذكِيَتْولمْ تُطفَ نيرانُ الهوَى حينَ أُطفئتْ
النص من «كتاب الزهرة» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع